بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أوكرانيا: الجماهير والقوى السياسية.. واليسار

نجحت المظاهرات الحاشدة في أوكرانيا، المتمركزة في الساحة الرئيسية للعاصمة كييف، في مقاومة موجة قمع أخرى من قبل الحكومة الأوكرانية في يناير الماضي، فين حين أن كلا الطرفين يناورون بعضهم البعض في مواجهات متقاربة منذ بداية الشهر.

اندلعت المظاهرات في نوفمبر الماضي بشكل كبير رداً على رفض الرئيس فيكتور يانكوفيتش لاتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، واقتراحه بأن البلاد ستتجه للانضمام إلى الاتحاد الأوراسي الجمركي تحت قيادة روسيا، والتي تفرض سيطرتها على أوكرانيا بأشكال مختلفة منذ قرون مضت. لكن الصراع في أوكرانيا قد تجاوز الخيار بين اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي وعقوبات من صندوق النقد الدولي، وبين ترتيبات مشابهة مع روسيا.

الحالة الاجتماعية، وفساد الحكومة، وقمع الدولة، وغياب الديموقراطية، وانخفاض مستوى المعيشة، وغياب الفرص الاجتماعية للأغلبية الساحقة من الجماهير الأوكرانية استطاعت أن تحول الاحتجاجات منذ البداية إلى ركيزة أساسية، وألهمت الجماهير الأوكرانية بالاعتصام في ساحة الاستقلال بالعاصمة كييف رغم برودة الجو وهجمات الشرطة.

المحتجون ليسوا متحدين على أيديولوجيا في حد ذاتها، لكن تجمعهم خيبة الأمل في النظام مع عدم وجود رقابة، سواء سياسية أو اقتصادية، على مستويات معيشتهم. هذه المعاناة هي نتاج لأعوام طويلة من الفساد في آلة الدولة التي تعمل على خدمة مصالح الأقلية من أعضاء الحزب الحاكم الملتفين حول الرئيس يانكوفيتش، ونواب الأحزاب المعارضة الممثلة في البرلمان أيضاً.

الصراع يتعمق
تطوّر الصراع حول مستقبل البلاد إلى مراحل جديدة في منتصف يناير، عندما قام البرلمان الأوكراني بتمرير عدة قوانين قاسية تحد من حرية التعبير عن الرأي، وتضيق على المجالس المحلية، وتفرض غرامات باهظة وعقوبات بالسجن على تهم بسيطة.

أدى الرد العنيف من قبل المحتجين الأوكرانيين في الثلاث أيام اللاحقة إلى وقوع اشتباكات ضارية في الشوارع، وحدوث تغيير نوعي في تكتيكات الحراك. والآن، وبالرغم من أن أهداف الحراك مفصلية من حيث تحقيق سلطة القانون، اعتراضاً على الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، إلا أن هناك تغيير قد حدث من المطالبة بالاندماج مع الاتحاد الأوروبي إلى مطالب مناهضة للحكومة، مثل المطالبة بتنحي الرئيس يانكوفيتش وعقد انتخابات رئاسية جديدة.

التغيير السياسي للاحتجاجات صاحبه تأثير درامي على الأرض، مثل احتلال المحتجين عدة مباني حكومية. ومن الغريب، اتهام الحكومة الأوكرانية منظمة يمينية متطرفة، تتألف في معظمها من قوات شوارع، بقيادة الاشتباكات التي وقعت في منتصف يناير في كييف. في حين أن هناك ثلاثة أحزاب معارضة، يتأرجح انتماؤها من اليمين الوسطي التقليدي إلى اليمين المتطرف، تدعي كل منها قيادة الحراك الجماهيري.

هذا في حين أن الحكومة قد رفعت حصص قوات الأمن من الميزانية العامة هذا العام، وأدى ذلك إلى وقوع عنف أكبر من قبل الشرطة، بما في ذلك وقوع حوادث اختطاف للنشطاء، بعضهم من داخل المستشفيات أثناء تلقيهم العلاج، علاوة على تعذيب المعتقلين. أُصيب المئات من المواطنين وقُتل الكثيرون منهم أثناء الاشتباكات بالشوارع. إضافةً إلى ذلك، أصدرت “الجبهة الأوكرانية” الموالية للحكومة بياناً يوم السبت 1 فبراير، تدعي فيه بأنها سوف تقوم بتحرير البلاد من أولئك الذين أتوا لاحتلالها، في إشارة إلى المعتصمين بميدان الاستقلال متهمةً إياهم بأنهم “عملاء لأوروبا”.

تواجه أيضاً حكومة يانكوفيتش ضغوطات من الجانب الروسي، حيث أعلن فلاديمير بوتين أنه سوف يتوقف عن منح القروض المالية إلى أوكرانيا لحين وجود حكومة مستقرة تُخرج البلاد من الوضع الحالي.

لضمان استمرار يانكوفيتش في منصبه، عليه أن يحافظ على ولاء القلة الأوكرانية الحاكمة، وهذا يعتمد على قدرة يانكوفيتش على تأمين مناخ استثماري مناسب لهم، وذلك بفرض ضرائب منخفضة على رجال الأعمال، وعدم فرض قواعد وقوانين على الصناعة، وتوسيع حركة رأس المال، وإنشاء جهاز شرطي قوي يضمن استقرار المجتمع.

تحقيقاً لذلك، قام يانكوفيتش بتخفيض حجم القوات المسلحة كثيراً في حين أنشأ قوات خاصة لمكافحة الشغب وزيادة حجم الشرطة. مازال يانكوفيتش متذبذباً بين التوجه إلى روسيا أم الاتحاد الأوروبي، معتمداً على أي الجانبين سيكون أكثر أماناً من ناحية منح القروض المالية الكبيرة واتفاقيات التجارة.

في الحقيقة هناك بعض الأفراد من الطبقة الحاكمة قد انشقت عن يانكوفيتش، وهذا دليل على ضعف ثقتهم بالنظام الذي يقوم على حماية أرباحهم. هؤلاء الأفراد من الطبقة الحاكمة سيتطلعون إلى أي قوى سياسية أخرى ستتناسب مع مصالحهم، والتي ربما تكون في هذه اللحظة أحد أحزاب المعارضة أو جميعهم، وهذه الأحزاب تقوم الآن بمحاولة القفز على موجة الاحتجاجات.

المعارضة تحاول الاحتواء
هذه الأحزاب المعارضة ورموزها من السياسيين هم: حزب الوطن ورئيسه آرسيني ياتسينيوك، والتحالف الديمقراطي الأوكراني من أجل الإصلاح ورئيسه فيتالي كليتشكو، وحزب السفوبودا ورئيسه أوليج تياجنيبوك.

تتخذ أحزاب المعارضة حالياً موقفاً متناقضاً. فمن ناحية تدرك تلك الأحزاب شرعية الاحتجاجات وتطالب ببديل حقيقي يتجذر من حركة الاحتجاج “ميدان”. ومن الناحية الأخرى تحاول ركوب الاحتجاجات وتوجيهها إلى اتجاه آمن لا يهدد البنية الأساسية للنظام الاقتصادي والدولة ولتحافظ على مصالح القلة من الطبقة الحاكمة. ولذلك، فعلى أحزاب المعارضة أن تعمل على تهدئة المحتجين بانتزع تغييرات جذرية للشعب الأوكراني وأن تحصل على دعم الطبقة الحاكمة مع التعهد بأن سلطة وثروة النخبة ستكون مؤمّنة بشكل أفضل من خلال حكومة المعارضة.

تحقيقاً لذلك اقترح رئيس حزب الوطن، آرسيني ياتسينيوك، يوم السبت 1 فبراير خطة من أربع خطوات لنقل السلطة إلى حكومة جديدة تشكلها أحزاب المعارضة. من المتوقع أن تنص خطة ياتسينيوك بدايةً على أن يتراجع المتظاهرون عن تصعيد احتجاجاتهم، والتحول إلى النظام الرئاسي البرلماني، ووضع تغييرات طفيفة بالدستور. كما أن الخطة تتطلب ميزانية تبلغ قيمتها 15 مليار دولار مدعومة من صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي ومؤسسات مالية أخرى. وقد أشار ياتسينيوك بأن هذه الخطة تعتبر الحد الأدنى من التغييرات المطلوبة لتهدئة الأوضاع في أوكرانيا.

إن هذا الاقتراح يوضع جنباً إلى جنب مع محاولات عديدة من قيادات الأحزاب المعارضة الثلاثة لتهدئة أو احتواء حركة “ميدان” يليه توجيه ضربة كبيرة لادعاءات جميع الأطراف بقيادة الحراك.

خلال المظاهرات الغاضبة في 19 يناير الماضي، والتي كان قوامها مائة ألف متظاهر منددين بالقوانين القمعية التي يتعرض لها المتظاهرون، وبعد أن أُحبط كثير منهم من الخطب الترويضية لزعماء المعارضة، بدأ الآلاف منهم بالتوجه إلى مبنى فيرخوفنا رادا (البرلمان الأوكراني)، على الرغم من التحذيرات الموجهة من قبل قادتهم المُفترضين. ووفقاً لبعض شهود العيان لحساب وليام ريش، أستاذ التاريخ بجامعة جورجيا، أغلقت حافلات وشاحنات قوات الشرطة الطريق بشارع راشيفسكو، وتمركزت قوات مكافحة الشغب لمنع المتظاهرين من التقدم أكثر من ذلك.

في وضع متوتر مماثل حدث في 1 ديسمبر الماضي، كان رئيس التحالف الديمقراطي من أجل الإصلاح، فيتالي كليتشكو، مازال لديه ما يكفي من التأثير لكبح المحتجين من القيام بأفعال أكثر راديكالية. وحتى ذلك الوقت، اندلعت معركة بين المحتجين وقوات مكافحة الشغب التي أطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت والرصاص المطاطي، وفتحت خراطيم المياه على المتظاهرين في البرد القارس.

اتهمت تقارير عديدة “برافي سيكتور”، وهو ائتلاف مجموعات قومية يمينية متطرفة، بقيامهم بالتحريض على العنف في 19 يناير الماضي. يقول ريش سارداً أن أعضاء “برافي سيكتور” قد بدأوا برشق الشرطة بالحجارة وقنابل المولوتوف، ومن ثم ردت الشرطة. ولكن هناك حسابات أخرى تؤكد على دور مجموعة “أوتوميدان” في الاحتجاجات، وهي المجموعة التي ظهرت في نوفمبر الماضي وكما هو معروف عنها أن أعضاءها يستخدمون سياراتهم في الاحتجاجات عند منازل المسئولين الحكوميين، حيث قامت هذه المجموعة بتوجيه المتظاهرين بعيداً عن التجمع الرئيسي حول البرلمان الأوكراني، وانسحب “برافي سيكتور” هو الآخر لاحقاً. وادعى آخرون أن العنف قد بدأ من قبل بعض المحرضين لتشويه الصورة السلمية للاحتجاجات وتبرير فرض الأحكام العرفية.

بغض النظر عمن حرض على المعركة بشارع راشيفسكو، تظل الحقيقة أنه سرعان ما أصبحت المواجهة كاملة بين قوات مكافحة الشغب المسلحة وعدد غير مسبوق من المحتجين، واستمر الصراع في أشكال مختلفة خلال الثلاثة أيام التالية، وبعيداً عن تنفير المشاركين، احتشدت الآلاف من الجماهير الأوكرانية التي لا تحتمل قوانين يانكوفيتش الديكتاتورية، وأُحبطت من عجز قادة أحزاب المعارضة في مواجهة الحملة المتصاعدة ضد الحكومة.

الإصلاح والتغيير الجذري
كانت نتيجة هذه المعارك على المدى الطويل في تطور مستمر، فعلى الرغم من التفاوت، ظهرت التصدعات بين المحتجين من “ميدان” وقادة أحزاب المعارضة الذين أحكموا سيطرتهم على الاحتجاجات السياسية.

تتألف المشاركة في هذه الاحتجاجات إلى حد كبير من المواطنين الذين مروا بتجربة ما يُسمى بالثورة البرتقالية في نهاية عام 2004. حيث انفجرت احتجاجات واسعة استطاعت أن تلغي نتائج انتخابات الإعادة المُزوّرة، وجاءت حكومة جديدة برئاسة فيكتور يوتشينكو ولكنها فشلت في تحقيق أي تغيير حقيقي في المجتمع الأوكراني. والاستنتاج الواضح من ذلك هو أن هناك حاجة إلى مزيد من التغيير الجذري بدلاً من خلط النخب السياسية داخل النظام السياسي الفاسد الذي تهيمن عليه الأوليجارشية الحاكمة.

إن نجاح مظاهرات “ميدان” يتوقف على مدى قدرة الكتلة الجماهيرية المشاركة على العمل بشكل مستقل عن قادة أحزاب المعارضة. ولكن بسبب التفاوت في وعي الجماهير، فمعظم المشاركين لا زالوا يسمحون لأنفسهم أن يكونوا ممثلين في مفاوضات مع الحكومة من قبل ما يسمون بـ”القادة”.

استطاعت الاحتجاجات أن تنتزع بعض التنازلات من الحكومة بالفعل، مثل استقالة رئيس الوزراء ميكولا أزاروف مع حكومته بأكملها في أواخر شهر يناير. هذا، بينما وصفت وسائل الإعلام بعض الإجراءات التي اتخذتها الحكومة على أنها تنازلات وهي ليست كذلك على الإطلاق. على سبيل المثال، مرر يانكوفيتش قانوناً من خلال البرلمان يمنح العفو للجميع حتى على أشد الجرائم خطورة، ولكن على شرط أن يتخلى المحتجون عن المباني الحكومية التي احتلوها في غضون الخمسة عشرة يوماً الماضية. هذا الإجراء ليس فقط من أجل إضفاء شرعية ضمنية على حملة اعتقالات موسعة قد قامت بها الحكومة بالفعل، ولكن لإضعاف مكانة المتظاهرين وإضعاف سيطرتهم التامة على ساحة الاستقلال.

وفي الوقت نفسه، اتجه كل من قادة حزبي الوطن وسفوبودا للعدول عن مطالبهم، مطالبين الآن بالعودة إلى دستور 2004 كهدف رئيسي لحركة الاحتجاجات.

من الواضح أنه إذا تم وضع أحزاب المعارضة في السلطة في ظل الأوضاع الحالية، فإنها ستكون خاضعة لنفس الضغوط الدولية والمحلية التي أدت إلى سياسات يانكوفيتش التقشفية والقمعية، وأدت في نهاية المطاف إلى قمع الاحتجاجات الحالية.

وبالتالي، فإن اقتراح القادة السياسيين الغربيين للانتقال إلى حكومة تقودها المعارضة لا يضمن تحقيق الديمقراطية، دون النظر إلى آلة يانكوفيتش العسكرية وتدابير التقشف القاسية المرتبطة بقروض صندوق النقد الدولي والسياسات اليمينية المتطرفة التي ووجهت بالاحتجاج ضدها.

دور اليسار
حركة “ميدان” هي حركة جماهيرية واسعة تحتويها التناقضات الداخلية والاختلافات السياسية على نطاق واسع. والاتجاه الذي سيتخذه المحتجون في هذه الأثناء سيتحدد بشكل كبير على مدى تماسك وتنظيم القوى المختلفة داخل الحركة. ومن المقلق، أن الأصوات الأكثر تأثيراً وتنظيماً داخل حركة “ميدان” لا تزال تطالب بالحقوق السياسية فقط. وهذا يشمل أيضاً الأحزاب المُمثلة في البرلمان، مثل اليمين المتطرف في حزب “سفوبودا”، والذي تربطه علاقات مع حزب المحافظين البريطاني والجبهة الوطنية في فرنسا – فضلاً عن الفاشيين الجدد في “برافي سيكتور”.

على عكس الجماعات اليمينية المتطرفة الأخرى في أوروبا، فإن حزب “سفوبودا” مثله مثل الحزبين الآخرين المُمثلين في البرلمان، حزب الوطن والتحالف الديمقراطي الأوكراني من أجل الإصلاح، من مصلحته انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي وتعزيز العلاقات مع الدول الأوروبية.

أما “برافي سيكتور”، من ناحية أخرى، فهو خليط من عصابات شوارع قومية يمينية متطرفة وروابط لمشجعي فرق كرة القدم. وهو يرفض التكتيكات البرلمانية لحزب “سفوبودا”. وهدفه الرئيسي هو الإطاحة بحكومة يانكوفيتش، لكنه لا يسعى إلى التكامل الأوروبي.

إن خطابات هذه الجماعات اليمينية المتطرفة، على الرغم من الخلافات بينهم، قد حققت هذا التأثير الكبير بين المتظاهرين لأن الهدف على المدى القصير، وهو إسقاط حكومة يانكوفيتش، يتسق مع مطلب المتظاهرين الآخرين الذين يطالبون بإسقاط الحكومة أيضاً، بما في ذلك الحركات اليسارية.

رأت معركة شارع راشيفسكو هدنة مؤقتة وغير مستقرة بين الجناح اليساري والجناح اليميني في مواجهة شرطة يانكوفيتش لمكافحة الشغب. من الواضح أن مثل هذا التحالف الفعلي والمؤقت في العمل يعتبر أمراً خطيراً، وأنه يجب مواجهة الهيمنة الأيديولوجية اليمينية المستمرة على الاحتجاجات، وإلا فسلطة الحركة يمكن استغلالها لتبرير إنشاء حكومة يمينية بعد سقوط يانكوفيتش.

إن الدور الفعال الذي لعبه اليمين المتطرف لا يمكن أن يكون سبباً لليسار لرفض حركة “ميدان” أو الامتناع عن المشاركة بها. على العكس من ذلك، يجب على اليسار أن يناضل من أجل تغيير التوازن السياسي بالتوغل داخل الحركة والنضال بجانب الجماهير الأوكرانية العادية من أجل الحقوق الديمقراطية الأساسية في مواجهة الدولة البوليسية العنيفة. يجب تأسيس قطب لليسار داخل الحركة، أو على حد قول المتحدث بإسم الحركة الاشتراكية الروسية، إيليا بودراتكيس، أن “بناء القطب اليساري يجب أن يكون أولوية لمجابهة تأثير اليمينيين”.

لتحقيق ذلك، يجب على المجموعات الصغيرة والمتفرقة من اليسار في أوكرانيا أن تتماسك حول استراتيجية مشتركة وبعض المطالب الأساسية. فبعد استقالة حكومة يانكوفيتش وإجراء انتخابات جديدة، يجب أن تشمل المطالب، وقبل أي شيء، تفكيك الدولة البوليسية وتجريد القلة الحاكمة من سلتطهم. وقد وضعت المجموعة الاشتراكية في كييف، والتي تطلق على نفسها إسم “المعارضة اليسارية”، خطة من 10 نقاط والتي تأمل أن تكون “الخطوات الأولية نحو تشكيل السياسات التي يمكن أن توحد كل القوى المناهضة لحكم القلة، ولا ترى أن الديكتاتورية اليمينية الفاشية المتطرفة تمكن أن تكون حلاً من أي نوع”.

على الرغم من ضآلة حجم المجموعات اليسارية نسبياً وفوضى التنظيم باليسار الثوري في أوكرانيا، والذي يقدر حجمه ببضع مئات من الأعضاء، فمشاركته يمكن أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل الصراع. بالإضافة إلى الحاجة الملحة لمواجهة اليمين في الحال، فإن حركة “ميدان” ستكون نقطة مرجعية حاسمة للأجيال الأوكرانية المقبلة إذا استطاع اليسار أن يردد صداها في المستقبل، مهما كانت النتيجة الحالية.

في السيناريو الأكثر احتمالاً، تأتي أحزاب المعارضة إلى السلطة وتفشل حتماً في تقديم ما يطالب به المحتجين، لذا فإن وجود صوت يساري قوي خلال الأوقات العصيبة سيكون مهم في رفع إمكانية وجود بديل حقيقي. ولتحقيق تغيير حقيقي، فإن المتظاهرين من حركة “ميدان” عليهم أن يناضلوا من أجل حقوقهم بشكل مستقل بعيداً عن أحزاب المعارضة واليمين المتطرف والحكومات الأجنبية، سواء الاتحاد الأوروبي أو روسيا، في محاولة للتأثير على توجه أوكرانيا في المستقبل. فالديموقراطية السياسية ليست سوى الخطوة الأولى، ومن هنا ستكون هناك حاجة إلى تغييرات اقتصادية عميقة، بما في ذلك تأميم الصناعات الكبرى وفرض الضريبة التصاعدية الحادة وحماية حقوق العمال.

من هنا، يمكن لليسار معالجة القضايا الأساسية التي أدت إلى صعود النضال الجماهيري بشكل مستمر المتمركز في “ميدان”، ليقدم صوتاً قوياً لذلك بجانب المطالب التقدمية الأخرى في ظل الحراك المتغير.

* المقال منشور باللغة الإنجليزية في 5 فبراير 2014 بجريدة العامل الاشتراكي الإلكترونية الأمريكية

التعليقات