بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

شبح الحرب يخيّم على أوكرانيا

من الاشتباكات العنيفة في أوديسا
من الاشتباكات العنيفة في أوديسا

تمزق المجتمع الأوكراني إلى معسكرات متعادية. جيران الأمس يواجهون بعضهم اليوم كأعداء. الفوضى والموت وخطر الحرب الأهلية يخيم على البلاد. عناوين الصحف غير واضحة، أحداث مضطربة وإشاعات منتشرة لا نهاية لها. فيما تتحول معظم الجدالات البسيطة إلى تراشق بالنيران وقنابل المولوتوف والحجارة.

بفضل وسائل الإعلام في كييف وموسكو وواشنطن، أصبح من الصعب فهم ما يجري. ومع ذلك فإن المخطط العام للصراع قابل للتفسير.

تمثل الحكومة المركزية في كييف أحد أطراف الصراع، تلك العصابة اليمينية من النخب الغنية والفاشيين المواليين للغرب ولسياسات التقشف التي صعدت إلى السلطة على ظهر حركة يورو ميدان – حركة جماهيرية شعبية أوكرانية تواجه الفساد الحكومي والهيمنة الروسية الإمبريالية أطاحت بالرئيس يانكوفيتش. انحرفت الحركة وخانها أولئك القابعون على رأس السلطة حالياً في كييف، فهم يمثلون استمراراً لسياسات يانكوفيتش، حكم ظالم تمارسه قلة فاسدة على حساب العمال والمتقاعدين والفقراء. لقد استغلوا تاريخ الهيمنة الروسية على أوكرانيا لتحفيز صعود القومية الأوكرانية الأكثر تشدداً ورجعية.

على الجانب الآخر تقف قوات انفصالية في شرق وجنوب أوكرانيا تقاتل ضد الحكومة المركزية وجيشها. كان شرق أوكرانيا تاريخياً أكثر تكاملاً مع روسيا، وهناك العديد من الناطقين بالروسية شعروا بالخوف من تصاعد موجات القومية التي تبثها حكومة كييف الجديدة، ومن ضمنها التخوف من صدور قرار بتجريد اللغة الروسية من مكانتها كلغة رسمية.

الحركة المناهضة لميدان
رداً على حركة يورو ميدان، انتشرت ما تسمى بالحركة المناهضة لميدان في شرق أوكرانيا، احتلت هذه الحركة المباني الحكومية، وأعلنت تحرير هذه المناطق وتطالب الآن بالاستقلال عن حكومة كييف. ومع ذلك، وعلى نقيض حركة ميدان، والتي كانت حركة شعبية استولت عليها القيادة الرجعية، ففي الحركة المناهضة لميدان كانت المشاركة الشعبية من البداية خاضعة للفعل العسكري.

الوعي السياسي في الشرق منخفض، فهذه المنطقة تاريخياً يتواجد بها القسم الأكثر تشدداً من الطبقة العاملة وعمال مناجم دونباس، ولم تندلع بها أي نضالات. وينقسم قيادات العمال بين الاتحاد المستقل لعمال المناجم الموالي للغرب، واتحاد عمال الفحم المتصل بحزب يانكوفيتش الإقليمي الموالي لروسيا.

وفي حين أن بعض المطالب التي يرفعها نشطاء الحركة المناهضة لميدان شعبية ويمكنها حشد الآلاف من الجماهير، إلا أن هذه الجماهير لا تقود الحركة. تتكون القيادة من مجموعات مسلحة من المتمردين – مجموعات متنافرة من أقسام مختلفة من الجيش وقدامى المحاربين وأفراد من الشرطة والفاشيين، بالإضافة إلى قوات خاصة مدربة من روسيا ومقاتلين آخرين، بما فيهم يساريين.

الجمهورية الشعبية
كانت المطالب السياسية متنوعة ومربكة. “جمهورية دونيتسك الشعبية”، التي أعلنتها مجموعة من الانفصاليين المسلحين في 7 أبريل الماضي، طالبت بالحكم الذاتي أو الاستقلال أو الاتحاد مع روسيا. ومن الواضح أن معاداة حركة ميدان ليست تعبيراً أمثل عن مصالح الطبقة العاملة، كما برهن على ذلك بعض اليساريين.

الماركسي الروسي بوريس كاغارليتسكي، على سبيل المثال، كتب في مقال نُشر على موقع لينكس يقول: “تصوغ جمهورية دونيتسك برنامجها من أسفل، وهذا حقيقي، رداً على المزاج العام ومسار الأحداث… هذا النموذج، في جوهره، هو تجسيد مثالي لمفهوم الفوضية للنظام الثوري”. ويُعتبر ذلك تفكير يغلب عليه التمني. فعندما ننظر للقيادات العليا، نجد أن زعيم الجمهورية الشعبية هو بافيل جوباريف، عضو سابق في حزب الوحدة الوطنية الروسي ذي الميول النازية، والذي يدعو، من بين أمور أخرى، إلى نبذ جميع الأعراق الغير روسية وطردها من روسيا.

دور روسيا في الحركة معقد. من ناحية، يرى بوتين أوكرانيا على أنها في حوزته – وكان ضم القرم إلى روسيا في بداية هذا العام خطوة حاسمة للحفاظ على السيطرة والنفوذ الروسي على أوكرانيا، وخاصةً خطوط أنابيب الغاز التي تمر من خلال القرم. كما أن لللكرملين تأثير بلا شك على الحركة المناهضة لميدان، فبعض قيادات الحركة مُدَرّبة في روسيا وتأتي عن طريق القرم.

مع ذلك، فإن المحتجين المناهضين لميدان ليسوا ببساطة دُمى روسية، فلديهم قوة دفع خاصة لا يستطيع الكرملين السيطرة عليها، وبوتين حذر للغاية من التورط في غزو جدي على أوكرانيا. وذلك لسبب بسيط، وهو أن التداعيات ستكون وخيمة وتتجاوز مدى تنبؤات الطرفين.

لا تزال خطابات روسيا وأوروبا والولايات المتحدة مبتذلة بخصوص نزع فتيل التوترات، وقد اعتادوا على إلقاء اللوم على بعضهم البعض، فهم يشعلون التوترات بشكل سري ودنيء آملين أن النزاع الناتج سيكون في مصلحة أحد الأطراف على حساب منافسيه الإمبرياليين.

المأساة الأخيرة هي الأحداث التي اشتعلت في أوديسا. في 2 مايو الجاري تظاهرت مجموعة من مقاتلي حركة ميدان عبر أوديسا لاستعراض القوة، بما في ذلك الفاشيين يمينيين وألتراس فريق تشيرنوموريتس لكرة القدم. واجههم المقاتلين المناهضين لحركة ميدان وفرقة أوديسا القتالية، وهي ائتلاف من اليمين المتطرف الموالي لروسيا من “الوحدة السلافية” و”تحالف مواطني أوديسا”. كلتا المجموعتين كانتا مسلحتين بالهراوات والسكاكين والفؤوس والدروع. تسببت المعركة في اندلاع الحرائق في حين وقفت الشرطة تشاهد دون تدخل. بحلول المساء، تفوق الألتراس واليمينيين على المحتجين المناهضين لحركة ميدان، وقاموا باقتيادهم من معسكرهم في كوليكوفو إلى مقر نقابات العمال في أوديسا. أصيب المقر بالعديد من قنابل المولوتوف، وأُحرق أكثر من 40 شخصاً حتى الموت أو ماتوا من الدخان المسمم.

على الفور قامت كييف وموسكو بإلقاء التهم على بعضهم البعض. والتكهنات كثيرة حول ما إذا كان الأمر مجرد حادث أو قتل عن عمد قامت به كييف من أجل تخويف خصومها، أو قامت به موسكو من أجل تشويه سمعة حكومة كييف وكسب التعاطف ضدها، وربما قامت به عشيرة يانكوفيتش من أجل جر روسيا إلى غزو كامل على أوكرانيا.

ما من شك في أن جميع الأطراف تمتلك القدرة على الانخراط في القتل العمد، ولا فائدة من التكهنات. ما أدى إلى مأساة أوديسا هو الحرب الأهلية التي تحفرزها القلة الحاكمة ورؤساء الدول، والتي جعات الأوكرانيين يكرهون بعضهم البعض. بدأت الأمور تخرج بشكل مخيف عن السيطرة. ومن المؤسف أن تتمكن القلة الحاكمة والطفيليين الذين يحكمون أوكرانيا وروسيا والاتحاد الأوروبي من تحويل الكراهية الكبيرة التي يكنها الأوكرانيون بعيداً عنهم. إذا كان هناك أي أمل لإنقاذ الوضع، يجب أن يتحول هذا الغضب مرة أخرى على الطبقة الحاكمة، لقطع الطريق على الدعاية القومية من كلا الجانبين.

* المقال باللغة الإنجليزية من جريدة “الراية الحمراء” الأسترالية

التعليقات