بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فلسطين والثورة العربية المضادة

غارة جوية اسرائيلية على بيت حانون شمالي غزة

في الآونة الأخيرة تُقصف غزة بجميع آلات الموت البشعة، فتُصيب المواطنين، وتدفن البعض تحت الأنقاض، وتستهدف حتى سيارات الإسعاف المتوجهة لإنقاذ المصابين، من الصعب فعل أي شيء تجاه ما يحدث سوى الغضب العارم من الجرائم التي ترتكبها إسرائيل. ولكن مع الكمّ الهائل من الصور المروعة التي تأتي من غزة؛ نكتشف مدى خسة الكيان الصهيوني وافتقاره للأخلاق هو وحلفائه من دول العالم الغربي، لكن من المهم كذلك أن نفهم أن هذه الجريمة التي ضد الإنسانية ليست من فعل الكيان الصهيوني فقط ولكن أيضا بمشاركة الثورات المضادة التي تجتاح العالم العربي.

مراكز ردود الفعل العربية
إن النظام في القاهرة والرياض هما توأم هذه الثورة المضادة، فالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والعاهل السعودي مصممين على تدمير كل بقايا الثورة العربية التي اندلعت في 2011. ففي مصر استخدم السيسي العداء العميق للإخوان المسلمين بطريقة تدعو للسخرية لفرض سلطة المؤسسة العسكرية على البلاد، فتم سجن الآلاف في حرب السيسي على الإرهاب، والتي توسعت لتشمل كل من يتجرأ على النظام حتى من خارج الإخوان المسلمين، ناهيك عن الكفاح لإحياء الحركة الثورية. وأعاد النظام القديم فرض سيطرته مع إقالة عدد قليل من المسئولين الصوريين بمساعدة بلايين الدولارات المقدمة من السعودية.

والآن بينما تتصاعد حرب الكيان الصهيوني ضد غزة، تحول كل انتباه السيسي إلى حركة المقاومة الفلسطينية (حماس)، والتي اعتبرها لا شىء سوى امتداد لحركة الإخوان المسلمين. فكان النظام المصري قبل الثورة ومنذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد من الحلفاء المقربين لإسرائيل، وكان هذا مصدر الغضب الدائم في مصر، ولكن اليوم أصبح السيسي أكثر انحيازاً للكيان الصهيوني في تعامله مع القضية الفلسطينية عما كان مبارك من قبل. فقد انحاز لرأي اليمين المتطرف في إسرائيل، والذي دعا لحرب شاملة على غزة وإعادة إحتلال القطاع.

فالاقتراح المصري المثير للسخرية ”لوقف إطلاق النار“أُعلن عنه دون حتى الرجوع أو التواصل مع حركة المقاومة الفلسطينية (حماس)، فكان طلب للاستسلام المطلق، وتجاوز حتى أجبن الاقتراحات المصرية المؤيدة لإسرائيل في الحروب السابقة، فبدلا من أن يكون اقتراحا لوقف إطلاق النار، ظهرت الخطة المصرية كتحرك منظم وجيد لإعطاء إسرائيل الغطاء السياسي لغزو غزة بريا، وقد نُفذت في الموعد بعد الرفض الحتمي لحماس لهذه الاتفاقية.

السيسي مدعوم من قِبل الإعلام المصري إلى أقصى درجة
عزة سامي الكاتبة بجريدة الأهرام اليومية، كتبت على تويتر ”كتر خيرك يا نتانياهو ربنا يكتر من أمثالك للقضاء على حماس أُس الفساد والخيانة والعمالة الاخوانية“، كما صرح توفيق عكاشة المقدم بقناة الفراعين ”غزة ما فيهاش رجالة، قطاع غزة لو فيه رجالة كانوا عملو ثورة على حماس“.

إن الحليف الأهم للسيسي في عودة الحكم العسكري والقضاء على الإخوان المسلمين هو النظام الملكي السعودي، فبعد ساعتين فقط من تولي السيسي السلطة تلقى برقية تهنئة من العاهل السعودي والتي ذكر فيها: ”قد حان وقت قطف الفوضى الدخيلة علينا دون هوادة، وخلاف ذلك لا كرامة ولا عزة لأي دولة وأمة عاجزة عن كبح جماح الخارجين على وحدة الصف والجماعة“، وفي تهديد صريح للدول الأخرى قال: ”أناشدكل الأشقاء والأصدقاء للابتعاد والنأي بأنفسهم عن شئون مصر الداخلية بأي شكل من الأشكال، فالمساس بمصر، يعد مساساً بالإسلام والعروبة، وهو في ذات الوقت مساس بالمملكة العربية السعودية، وهو مبدأ لا نقبل المساومة عليه، أو النقاش حوله تحت أي ظرف كان“.

وخلال الأشهر الـ12 الماضية بذلت السعودية جهودا إستثنائية  لمنع وصول المساعدات العربية إلى الإخوان المسلمين، ووضعت قطر الموالية للولايات المتحدة تحت ضغط كبير بسبب انحيازها للإخوان المسلمين، وهددت بإجراءات عقابية في حال عدم قطع مساعدتها للإخوان المسلمين من السعودية ودول مجاورة كالإمارات المعروفة بعدائها الشديد لحماس والتي يُزعم أنها تقدم المساعدات لإسرائيل في الحرب على غزة.

غير واضح كيف ستنجح مبادرة ”وقف النار“ مع كل هذه الصراعات بين القوى المختلفة والتي تشمل أمريكا ومصر وقطر وتركيا، فقطر وتركيا تميلان بشكل واضح لاقتراح اتفاقية تصب في صالح الفلسطينين أكثر من الاتفاقية التي تقدمت بها مصر، ولكن هناك ضغط مذهل لتبني أساسيات الموقف المصري من القضية الفلسطينية.

وعلى أي حال، بعد موقف مصر – ذو التأثير الهام – من القضية الفلسطينية بعد 3 أعوام فقط من الثورة، هل من الممكن أن تصبح مصر موالية للكيان الصهيوني أكثر من أمريكا وقطر (التي تستضيف مقر القيادة المركزية الأمريكية في أراضيها)؟.

إن رغبة كل من البلدين – مصروالسعودية – في تدمير الإخوان المسلمين وحماس هو أكثر من مجرد عداء لهذه المنظمات بالخصوص، ولكن تأييد السيسي لإسرائيل في حربها الشاملة على غزة يثبت مدى عدائيته لكل حركات المقاومة الفلسطينية، وبالنسبة للجيش المصري فدائماً كان احتواء الأزمة الفلسطينية في جانب من استراتيجيته هو منع تحول الانتفاضة لصراع عربي قومي حقيقي من الممكن أن يُسقط الملوك الفاسدين والدكتاتوريات ويجلب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية إلى المنطقة العربية.

وبينما السيسي يُحكم قبضته ظاهريا على السلطة في مصر، هناك احتجاجات واسعة من الفلسطينين في الضفة الغربية وداخل إسرائيل، قد تتحول لانتفاضة تزعزع الاستقرار بشكل كبير في مصر والمنطقة العربية.

فزاعة الإسلاميين
إن أكثر الاستراتيجيات الفعالة المستخدمة من الثورة العربية المضادة إلى الآن هي جهودها في تحويل الصراع بين الديكتاتوريات والنضال الشعبي الجماهيري إلى معركة بين النظم السُلطوية (علمانية أو لا) والتطرف الإسلامي، بشّار الأسد هو الممارس الأول لهذه النظرية بطريقة مأساوية، فمن اليوم الأول ندد بشّار بالثوار السوريين وقال أنهم مجموعة من الإسلاميين الإرهابيين وبذل كل جهده لتحويل هذا الاتهام إلى حقيقة مصدّقة، فالشهر الماضي لم تقم قوات الأسد بضرب رصاصة واحدة ضد فرع تنظيم القاعدة في سوريا؛ لماذا؟ لأن قوات الأسد كانت تذبح الثوار السوريين وتهاجمهم من البر والبحر، بينما كان تنظيم القاعدة يهاجمهم من الجانب الآخر.

تبنّى الجيش المصري نفس الإستراتيجية ولكن بتغيير طفيف، ففي السنة الماضية عاد للسلطة على ظهر الموجة الثورية القوية والمبررة  من الجماهير بسبب خيانة حكومة محمد مرسي والإخوان المسلمين للثورة، وادعى الجيش أنه عاد لحماية الثورة من الفاشية الإسلامية، ولكن في الحقيقة هو عاد للقضاء على الثورة ودفنها.

وفي العراق رد رئيس الوزراء نور المالكي على احتجاجات العام الماضي بحملة من الهجمات والتفجيرات على المناطق السُنّية المتمردة مثل الفلوجة، التي ولدت فيها مقاومة الاحتلال الأمريكي، ولم يكن تجاوبه مع الانتصارات العسكرية لقوات ”داعش“ محاولة للتوفيق بين قيادات السُنّة والشيعة، ولكن لحشد قوات الشيعة الطائفية، بالإضافة تلك التي في إيران وأمريكا وغيرها لسحق السُنّة تحت اسم ”محاربة الإرهاب“. فاستخدام الطائفية ضد الإسلام المتطرف، ومحاولة عسكرة الصراع الدائر في المنطقة كل هذا كان له آثار مدمرة، وبعد أن كانت القوى الشعبية تناضل من أجل تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، والتي جمعت الناس دون النظر إلى طائفة أو عرق أو دين، عادت بها إلى الوراء مرة أخرى.

حتى الآن هذه الاستراتيجية مليئة بالتناقضات، فالثورة المضادة خلقت وضع غير مستقر في جميع أنحاء المنطقة العربية. فعلى سبيل المثال؛ سهلت السعودية في البداية التمويل الشامل – في الأغلب يتم عن طريق قنوات خاصة – لعناصر التمرد في سوريا، بسبب عدائها الشديد لإيران المنحازة لنظام الأسد، ولكن أيضاً لمحاولة منع القوى الثورية من تولية السلطة لشخصية علمانية وديمقراطية. وفي العراق تمرر هذه التمويلات إلى جماعة السُنّة التي تقف ضد المالكي، والذي ترى فيه وسيلة لإحراج إيران.

وعلى نحو آخر، وبالرغم من سعادة السعودية بتزايد الصراعات في سوريا والعراق وأخذها طابع عسكري وطائفي، إلا أن هذه الظروف ساعدت بشراسة في ظهور قوات ”داعش“ المعادية للسعودية، فمنذ سيطرتها على جزء كبير من شمال العراق تقوم بتدعيم موقفها الآن في سوريا وهذا يُشكل خطر كبير لكلاً من السعودية والأردن. لخص فهد ناظر؛ محلل سابق بالسفارة السعودية في أمريكا الموقف وقال ”إن السعودية ستكون أكبر الخاسرين من الصراع المتفاقم في العراق والخارج عن السيطرة، أكبر من أي دولة مجاورة“.

ليسوا ضد الإمبريالية
إن جماعات الجهاد الإسلامي وخاصة ”داعش“ الرجعية، تدّعي أنها صديقة للفلسطينين، هم أي شيء غير ذلك. إنهم لا يشكلون حتى خطرا عسكريا بسيطا على إسرائيل، وبالفعل فقد أعلنت ”داعش“ سابقاً في أكثر من مناسبة إنها أكثر اهتماماً بالسيطرة على الشعب (بما في ذلك العرب السُنّة)، وتنفيذ حملات للتطهير العرقي، من أن تكون عوناً للفلسطينين ضد الكيان الصهيوني، والأهم من ذلك أن الطائفية والتزمت في الإسلام لايؤديان إلا إلى تقسيم كتلة الشعوب العربية، وحجب الانقسام الحقيقي الموجود بين العمال والفلاحين والفقراء والأقليات وبين الطبقات العليا.

إن تسمية الأسد في سوريا ”بالعلماني“ أو ”معادي الإمبريالية“ ليست بالتشبيه الصحيح، فبشار يتاجر بموقفه المؤيد للقضية الفلسطينية، ولا يختلف كثيراً عن والده الذي كان بمثابة الحارس الوفي لحدود إسرائيل. ولكن ربما في ظل هذه الاضطرابات الموجودة في سوريا يأخذ الأسد أو ”داعش“ موقف لدعم القضية الفلسطينية، ولكن لو فعل ذلك فستكون مجرد دعاية لا أكثر.

ليس من قبيل الصدفة استقبال إسرائيل ثورة سوريا بنوع من الخوف وليس بالتأييد، فهناك بالطبع مجموعة من السذج في إسرائيل – اليسار الإسرائيلي – يأخذون تصريحات الأسد المعادية للصهيونية في بعض الأحيان كذريعة ضده، ولكن مثل هؤلاء لا يتدخلون في السياسات الخارجية، فالأغلبية الساحقة من المؤسسة الإسرائيلية ترى أن هزيمة الأسد ستضعف حتماً الدولة الصهيونية.

أثر كل هذا على المقاومة الفلسطينية
إن الصراعات العسكرية الدامية متعددة الجوانب التي تحتدم في جميع أنحاء الوطن العربي، وخنق الحركات الثورية الشعبية، لاتضيف شيء للقضية الفلسطينية إلا زيادة الصعوبات التي تواجهها، فبينما تتظاهر أعداد كبيرة لمناصرة القضية الفلسطينية في أوروبا والدول الأخرى، توجد مظاهرات قليلة في العواصم العربية. فأكثر الحركات مقاومة ضد إسرائيل (حزب الله في لبنان وحماس في غزة) تأثرت بشدة من جراء تداعيات الانتفاضات العربية.

غطت حزب الله نفسها بالعار وتنازلت عن أي حق لها في القيادة العربية بعد مساندتها لبشار الأسد في ذبح الثورة السورية، وحتى أثناء الحرب على غزة لن يقدم حزب الله على خطوة فتح جبهة مع إسرائيل في هذا الظرف بالذات في ظل حالة الإنهاك التي تعانيها عناصره نتيجة مشاركتهم في القتال إلى جانب قوات الأسد في الصراع الدائر في سوريا منذ أكثر من 3 سنوات. ورغم أن أي اشتباك مع الكيان الصهيوني من جانب حزب الله سيلقى ترحيباً من الفلسطينين العاديين، لكن شرعية حزب الله في التحدث للجماهير العربية لن تعود كما كانت من قبل.

أما حماس فتختلف عن حزب الله فلديها مواقف جيدة، فقد رفضت دعم الأسد في ذبح الثورة السورية، لكن الثورات العربية تتعرض لنقد من حماس، التي تعتمد كلياً على الدعم من إحدى الأنظمة المستبدة، فبعد انفصال حماس الجزئي عن سوريا وأنصارها الإيرانيين (لازال مقاتليها يحصلون على السلاح من سوريا وإيران). اعتمدت حماس بشدة على الإخوان المسلمين في مصر، لكن بعد سقوط مرسي وجدت لديها عددا قليلا من الأصدقاء في الحكومات العربية، والوضع أصبح الآن متفاقم بشدة بسبب الضغط الذي يسببه الجانب السعودي على أي دولة تقدم لحماس المساعدات.

وهذا ما دفع حماس لقبول ”حكومة الوحدة الوطنية“ مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، من الممكن أن تكون حماس أصبحت غير قادرة على دفع رواتب الموظفين الحكوميين، لذلك كانت مستعدة لقبول الحكومة التي تنازلت فيها عن كل شيء تقريباً لعباس. إن هذا الوضع المزري، وتقويض إسرائيل لـ”حكومة الوحدة الوطنية“ هو الذي أكسبها ثقة في شن هجومها الأخير على غزة.

الفرصة الضائعة
ثورة 2011 التي بدأت في تونس ثم انتشرت في باقي الدول العربية كمصر وسوريا واليمن وليبيا والمغرب والأردن وغيرها من البلاد العربية، قدمت الفرصة الوحيد للمقاومة الفلسطينية للخروج من المأزق الذي شل النضال؛ وكان يجب أن تُستغل!. وكما نعلم، فالطريق إلى تحرير القدس يمر عبر العواصم العربية، فالملايين الذين ثاروا ضد الأنظمة الديكتاتورية في الدول العربية كانوا دائما رافعين العلم الفلسطيني بجانب علمهم.

كنت في القاهرة في مايو 2011، بعد الإطاحة بمبارك بوقت قصير، والمظاهرة الأولى التي رأيتها في ميدان التحرير كانت تقّدر بـ 50.000 متظاهر، كان هناك بحر من الأعلام الفلسطينية تضامناً مع الفلسطينيين الذين يقاتلون قوات الاحتلال في الضفة الغربية وهضبة الجولان في ذكرى النكبة، وكان هتافهم ”على القدس رايحين، شهداء بالملايين“. وفي الليلة التالية انضممت لآلاف المتظاهرين الذين حاصروا مقر السفارة الإسرائيلية بالجيزة، وبعد بضعة أشهر نجحت مظاهرة أخرى في اقتحام السفارة، وقامت قوات الجيش بالدفاع عنها وأخذت في إطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والذخيرة الحية على المتظاهرين الشجعان الذين لم يرهبوا الرصاص حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي. أصيب المئات واعتُقل البعض، وأكد السيسي بعد ذلك ”أن العلاقات بين القيادة العسكرية المصرية وإسرائيل قوية“، وهذا ما كان يتحدث عنه اليسار من قبل.

ولكن لم تكن المؤسسة العسكرية والليبرالين فقط هم الذين نددوا بالمظاهرات واقتحام سفارة الكيان الصهيوني، لكن أيضا جماعة الإخوان المسلمين نددت بها وصرحت بأن يجب على الثورة المصرية تسوية خلافاتها الداخلية قبل التعامل مع السياسة الخارجية. الأسوأ من كل هذا أن الإخوان المسلمين في هذه الفترة كانوا على تعاون وثيق مع حماس، ولكنهم تعاونوا مع الجيش المصري أيضاً لمنع سفر مئات من المصريين عبر معبر رفح لتوصيل المساعدات لغزة، والمطالبة بفتح الحدود.

تصرفات حماس في غزة تشبه إلى حد كبير تصرفات محمود عباس في الضفة الغربية، عزم كلاً منهم على منع الفلسطينيين من المشاركة في الربيع العربي، فحتى حماس التي انتُخبت في 2006 لرفضها سياسات فتح في التعامل مع العدو، خشت الاضطراب الذي من الممكن أن يسببه التحرك الشعبي، ورأت في ذلك خطرا على حكمها وسيطرتها على غزة، وتحالفاتها مع الدول المجاورة. قطعت حماس علاقتها جزئياً مع سوريا اعتراضاً على سياسات القمع التي يتبناها بشار الأسد، ولكنها لم تتخلى عن سياستها التي نكبت بها جميع أجيال المقاومة الفلسطينية: الدعم، أو على الأقل ”عدم التدخل“ في سياسات الأنظمة العربية القائمة.

لا شيء من هذا يقلل من بطولة المقاومة الفلسطينية إطلاقاً، فهم يقاتلون ويموتون تحت راية حماس اليوم، ومهما كانت الانتقادات الموجهة لحماس، يجب على كل من يريد تحرير فلسطين أن يتضامن مع مقاتليها في صد الهجوم الوحشي من قوات الاحتلال على غزة.

الثورة العربية الجديدة
في السنوات القليلة الماضية ارتفعت حدة المذابح في غزة مع وجود تناقضات كثيرة، فمن ناحية حولت الثورة العربية العالم العربي بأكمله، وأحيت آمال الملايين في شرق أوسط جديد، ولكن من ناحية أخرى لا يزال الجزء الأكبر من الأنظمة القديمة في مكانه، وصراعات دموية جديدة تفصل بين الذين وضعوا أيديهم في أيدي الكيان الصهيوني، ومرة أخرى تعمل على إفلات القتلة من العقاب وتقف ضد الفلسطينيين بينما يقف العالم العربي يشاهد.

يوجد نوعان من الاستنتاجات الممكنة التي يمكن استخلاصها؛ الأول هو أن خلو الشرق الأوسط من الانقسام الطبقي والاضطهاد والصهيونية والطائفية أمر مستحيل، هذا الاستنتاج هو ما يريد حكام السعودية ومصر وسوريا، وداعش كذلك، أن نعلمه، أنه لايوجد أمل وعلينا اختيار واحدا منهم، وأن هذا هو أفضل ما سنحصل عليه. أما الاستنتاج الثاني المحتمل هو أن الثورة العربية لن تنجح لافتقارها لسياسة ”النفس الطويل“.

إن نزول الحركة الجماهيرية  إلى الشارع للاحتجاج وحمل السلاح، دون السيطرة على أموال المليارديرات العرب ومحاولة وقف أرباحهم، لن يكون كافياً لإسقاط الديكتاتوريات وأنظمتهم الفاسدة. إن الحشد ضد المؤامرات الإمبريالية لم يكن كافياً؛ فالثورة بحاجة لطرد الإمبرياليين وعملائهم من كل ركن من أركان المجتمع العربي. لم يكن كافياً تفكيك النظام القديم، كان من الضروري خلق منظمات جديدة لتسيير مرحلة ما بعد الثورة. لم يكن كافياً إعلان ”إسقاط الأيديولوجيات القديمة“.

كان هدف الثورة التعبير عن رؤيتها الخاصة وأيديولوجية جديدة تعبر عنها وهذا ما ظهر في شعارها العظيم ”الديمقراطية.. الحرية.. العدالة الاجتماعية“. هذه المفاهيم والكلمات البسيطة لها أثرها الكبير لا نعلم لماذا؟ ربما لأنها خرجت من صُلب الحركة الجماهيرية وخرجت ضد اليأس والظلم.. انها كانت البداية.

وأياً كان الذي سيحدث؛ فهناك أمران مؤكدان، الأول؛ أنه حتى هذه اللحظة لم تُحل أزمات الفقر، أوالتفاوت الطبقي، أوالظلم، التي كانت السبب في قيام الثورات العربية. أما الثاني؛ بالرغم من الهزائم الرهيبة التي تعرض لها الثوار في جميع أنحاء الوطن العربي، إلا أن شعلة المقاومة لم تنطفيء، وأكبر مثال على هذا هم الفلسطينيون، فهم حتى هذه الساعة يقاومون الاحتلال الإسرائيلي من شوارع غزة إلى الضفة الغربية، وينعشون الانتفاضة من جديد.

إنه تاريخ من معاناة العرب، ولكنه أيضا تاريخ من المقاومة الذي ظهر بشدة خلال الربيع العربي. لعل عواصف رد الفعل في العالم العربي تجاه القضية الفلسطينية، وقدرة الفلسطينيين على المقاومة والنهوض من بين الأنقاض والدمار الذي خلّفه الاحتلال الإسرائيلي في الشجاعية؛ تكون بمثابة قبلة الحياة للربيع العربي.


* المقال منشور باللغة الإنجليزية في 23 يوليو 2014 بموقع جريدة الراية الحمراء الأسترالية

         

التعليقات