بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أهالي «فيرجسون» ينتفضون ضد العنصرية الأمريكية

متظاهرون أمريكيون في فيرجسون

في حادث قتل عنصري لشاب أسود أعزل – حادث يتكرر كل يوم في شارع ما، في مدينة ما بالولايات المتحدة – قتلت شرطة مدينة سانت لويس بولاية ميسوري في وسط البلاد الشاب مايك براون ذو الـ 18 عام، مما أشعل المظاهرات ضد عنصرية ووحشية الشرطة في المدينة وعلى مستوى أمريكا.

“لا عدالة – لا سلام”.. “لا تطلقوا النار”
“أبي، هل قتلوا مايك بالرصاص؟”، كان هذا هو السؤال الذي سألته ابنة “جاي” لوالدها عندما شاهدت الشرطة ترفع جثمان مايك براون من الأرض بعد أن تركوه ملقاً على الأسفلت أكثر من خمس ساعات.

كان جاي، الأمريكي من أصول أفريقية مثل مايك براون، والذي يبلغ من العمر 20 عاماً ويسكن في نفس البناية التي عاش فيها براون قبل موته. كان يعلم أنه لا يستطيع تفادي أن تسأله ابنته هذا السؤال. قال جاي أن ابنته تبلغ من العمر 3 سنوات فقط، وبالتالي استثار المشهد فضولها كطفلة. مضى جاي يشرح: “لقد رأته جثةً هامدة وذلك صدمها. وبدوري صُدمت أنا الآخر لأنها كانت تعلم بالضبط ما كانت تنظر إليه.. قلت لها “نعم قتلوه”، فقالت ابنتي: “أنا لا أحب الشرطة”، فقلت “وأنا لا أحبهم أيضاً”.

كان هذا يوم 9 أغسطس، عندما أطلق ضابط الشرطة دارين ويلسون 6 رصاصات على مايك براون والذي لم يكن مُسلحاً وكان يبلغ من العمر 18 عام فأرداه قتيلاً.

وبعد أسبوع من الحادثة، وقف جاي متأملاً أمام ضريح صغير أقامه جيران مايك له في المكان الذي قُتل فيه. قائلاً: “لم أتخيل أبداً أن يحدث مثل هذا الأمر لشخص مثل مايك. إنني أحاول فقط استعادة ذكريات صداقتنا. هذا كل ما تبقى لي منه”.

بعد مضي أسبوع على مقتل براون، مازال كل شخص أسود في فيرجسون، وهم أغلبية السكان في الضاحية، لا يهتف فقط “لا عدالة – لا سلام”، بل هم يمارسون الشعار ذاته.

في ساعات النهار من كل يوم منذ حدوث الواقعة، تتجمع الجماهير أمام محطة البنزين التي دمرها المتظاهرون بعد أن ادعت الشرطة أن مايك براون سرق منها سجائر قبل دقائق من مصرعه. كما تتجمع الأهالي كل يوم أمام قسم الشرطة على بعد ميل من مكان الواقعة، ويتظاهر آخرون أمام مبنى النيابة.

في كل بقعة في فيرجسون ترفع الجماهير أيديها إلى أعلى وتهتف: “لا تطلقوا النار!”. وفي الشارع الرئيسي الذي يقطع فيرجسون لا تنقطع الكلاكسات من راكبي السيارات الذين يرفعون أياديهم من نوافذ السيارات هاتفين “أيادينا مرفوعة. لا تطلقوا النار!”.

عنف الشرطة
أتمَّ مايك عامه الـ 18 قبيل مقتله بفترة قصيرة. ولطوله الفارع (190 سم) ولُطف أخلاقه، لقبه الجيران بـ “العملاق الرقيق”. وكان مايك يستعد لبدء عامه الدراسي الأول في كلية فاتيروت سانت لويس.

تابع جاي صديق مايك حديثه، قائلاً “لقد أنهى مايك دراسته الثانوية من أسابيع قليلة فقط. لابد أن يُسجن هذا الضابط وإلا سترون ما سيحدث! إذا ذهب للسجن، ستهدأ الأمور. هذا هو معني شعار: لا عدالة – لا سلام! إن التاريخ يُصنع هنا. سأستطيع أن أحكي لابنتي الطفلة عندما تكبر أنني كنت مشاركاً في صناعة هذا التاريخ”.

بالطبع أصاب موت براون، وهو في مقتبل العمر، الأهل والأصدقاء بالحزن. إلا أن الشرطة ما تزال المسئولة عن تحول الحزن إلى غضب، ومن ثم تحول الغضب إلى غضب عارم بعد أن استفزت المتظاهرين بهجومها الوحشي على اعتصاماتهم السلمية ليلة بعد ليلة. كما أدى عنف الشرطة إلى اندلاع وانتشار المظاهرات من مدينة سانت لويس إلى سائر أنحاء البلاد.

تعاملت الشرطة بعنف مع المحتجين منذ مقتل براون منذ عشرة أيام – كل ليلة ماعدا ليلة وحيدة هي ليلة الخميس 14 أغسطس. كانت هذه الليلة، والتي تظاهر فيها حوالي 7000 مُحتج، خالية من العنف ولم يحدث فيها أي “نهب محال” أو “فوضى”، وهي الأمور التي تولع الصحافة الرسمية بإبرازها.

ولكن بعد هذا الخميس الهادئ، عادت قوات الشرطة بأعداد كبيرة لمواجهة المتظاهرين بدءاً من يوم 16 أغسطس وفي كل مساء. عادت الشرطة بأدواتها القمعية وعصيّها ودروعها. وقد أعلن محافظ ولاية ميسوري حظر التجوال من منتصف الليل حتى الخامسة صباحاً، وهو القرار الذي لم يكن ليعني أي شيء إلا أن المواجهات العنيفة مع المتظاهرين قد تحدد لها موعد ثابت كل ليلة.

وأكد أحد الشبان، ويبلغ من العمر 20 عام – والذي فضل عدم ذكر أسمه – نفس الشيء الذي سمعناه من أهالي آخرين: “الأمور دائماً ما تكون سلمية حتى تظهر الشرطة. نكون في نقاش، نتواصل كأهالي بشكل سلمي. ولكن إنها الشرطة. أنهم من يبدأون العنف”.

مُعلقاً منديل أزرق مُشبع بالخل حول وجهه ليحميه من الغاز المُسيل في الجو الحار، يخبرنا الشاب أنه قضى الأيام الأربع الماضية يتظاهر في الشارع مُتجاهلاً حظر التجوال. وعلّق قائلاً: “نعم سمعت عن حظر التجوال ولكنني لن أترك المكان. لا يحق للشرطة أن تأمرنا ونحن واقفون أمام بيوتنا بالدخول، ثم يمطرونا بقنابل الغاز. إذا كانوا يريدون حرباً، فسنعطيهم ما يريدون”.

تأتي تعزيزات الشرطة في السابعة إلا الربع مساءاً. وتجري الأطفال مرعوبين قبل أن تهدئهم أسرهم. في هذه اللحظة تصرخ إحدى السيدات في الشرطة: “هل ابني هو الضحية القادمة؟”، وتهتف معها كل المتظاهرات في صوت يمزج الحزن بالغضب.

مع مرور الساعات تحولت الشوارع في هذه الليلة إلى ساحات حرب، ويمتلئ الهواء بالغاز المُسيل للدموع. ويسقط متظاهر أصيب بطلق ناري من مصدر مجهول ويُنقل للمستشفى في حالة حرجة. وتنفي الشرطة علاقتها بالحادث.

وفي يوم الجمعة، وبعد أسبوع من مقتل مايك براون، تعلن الشرطة أخيراً اسم الظابط القاتل في محاولة واضحة لتهدئة أهالي فيرجسون الغاضبين. إلا أن الشرطة أخرجت من جعبتها لعبة قذرة للتضليل والتشويش. فقد نشرت أيضاً فيديو يُظهر براون وهو يسرق سجائر رخيصة من محل بقالة. وبعد دقائق من نشر الفيديو اضطر مأمور شرطة فيرجسون للاعتراف بأن الضابط القاتل دارين ويلسون لم يكن على علم بواقعة السرقة في البقالة وأنه أوقف براون فقط لأنه كان “يقطع الطريق”.

وبحلول يوم السبت يشتاط أهالي فيرجسون بسبب محاولة الشرطة الصريحة لتلويث سمعة براون من أجل تحسين صورة الظابط الذي قتله في دم بارد في منتصف الشارع. وهنا أخبر أنتوني جراي، محامي أسرة براون، شبكة تليفزيون CNN أن الأسرة غاضبة من نشر هذا الفيديو وأن والدة براون حزينة للغاية لأن الشرطة تحاول مجدداً أن تقتل ابنها الميت.

لم تستطع ماريا شابيل نادال، عضو مجلس نواب الولاية، أن تخفي غضبها:

“يحفظون للضابط حقوقه القانونية ولكنهم يهدرون حقوق براون. حتى لو قام براون بالسرقة فهذا لا يبرر قتله. وهؤلاء المتظاهرون لهم الحق الدستوري في التعبير عن الرأي. وهؤلاء الضباط الأوغاد يحاولون حرمان أهالينا من ممارسة هذا الحق. إننا نعيش لحظة تاريخية مثل انتفاضة السود ضد العنصرية في واتس عام 1965، ثم الانتفاضة في 1992 بعد ضرب الشرطة للسائق الأسود الأعزل رودني كينج. ولن يقف القتل يا أعزائي إلا عندما تتحقق العدالة في المجتمع”.

العنصرية
إن تاريخ ضاحية مثل فيرجسون هو نتاج التفرقة والفصل العنصري. تبعد الضاحية 15 دقيقة فقط من وسط مدينة سانت لويس ولا يزيد تعداد سكانها عن 50 ألف نسمة مثلها مثل 90 ضاحية تشكل بُعد المدينة. وحتى نهاية السبعينات اضطرت القوانين واللوائح العنصرية، مثل فرمانات تقييد أماكن السكن للسود بالإضافة للتواطئ بين المستثمرين العقاريين والسياسيين، اضُطرت السود إلى العيش داخل حدود المدينة.

ومع صعود حركة الحقوق المدنية المتساوية في الستينات والسبعينات، والتي أضعفت الجدارات العنصرية التي منعت السود من العيش في الضواحي، بدأ السود في النزوح إلى ضواحي المدن الكبيرة مثل فيرجسون بالقرب من سانت لويس وذلك بحثاً عن فرص إقامة وتعليم أفضل مثلما فعل البيض من قبل. ودفع هذا انتقال السود إلى ضواحي المدينة بالبيض للتحرك خارج حدود الولاية باتجاه ولاية اللينوي.

لقد أثّر وجود شبكة من الأحياء المفصولة قانونياً – والمرتبطة عضوياً أيضاً – أثّر على السود بشكل غير متكافئ. فما زالت مراكز الحكم في ضاحية مثل فيرجسون تقبع بين أيدي سياسيين ورجال أعمال بيض، رغم أن غالبية السكان اليوم في الضاحية من السود.

ففي عام 1980 مثّل البيض 85% من إجمالي سكان فيرجسون، في حين مثّل السود 14% فقط. ولكن بعد 30 سنة، أصبحت نسبة البيض 29% بينما ارتفعت نسبة السود إلى 69%. ورغم هذا التغير الديموغرافي الضخم، مازال عُمدة المدينة ومأمور الشرطة من البيض، ولا يوجد أسود واحد في مجلس إدارة التعليم، ولا يوجد إلا 3 ضباط شرطة سود من مجموع 53 ضابط، وعضو أسود وحيد في مجلس المدينة.

وبالتالي، فليس من المُستغرب أن نجد أنه في عام 2013 يمثّل السود 86% من السائقين الذين أوقفتهم الشرطة للتحقق من الهوية، ويمثلون 92% من أصحاب السيارات الذين يتم تفتيشها، و93% ممن أُلقيَ القبض عليهم بناءاً على تلك التفتيشات.

لقد أدى استمرار واقع العنصرية إلى إغراق الضواحي ذات الأغلبية السوداء، مثل فيرجسون، في معدلات فقر عالية (22%) أي أعلى من المناطق البيضاء الفقيرة بـ 10 نقاط مئوية.

لقد شهدت مدينة مثل فيرجسون، مثلها سائر البلاد، تغييرات اقتصادية عميقة في السنوات الأخيرة. فقد ارتفع معدل البطالة إلى 13% في عام 2012 من 5% في عام 2000، وانخفض الدخل الحقيقي للسكان بالثلث في تلك الفترة، وبات 25% من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

الشرطة والسود
تساءل الشاب براندون ذو الـ 17 عام: “كيف كان يمكن لمايك أن يحاول انتزاع سلاح الضابط إذا كان الأخير هو الذي بادر بإطلاق النار عليه من خارج السيارة؟ أنا لم أسمع عن أي شخص في العالم حاول أن ينتزع سلاح ظابط شرطة!”.

وبدأت المباحث الفيدرالية (ذات التاريخ العنصري الأسود) الدق على الأبواب في محولة للوصول لشهود على الواقعة. وكان رد براندون بسيط: “ما الذي يدفعنا للتعاون معهم؟”. ويستكمل جاي (صديق براون) كلام براندون: “سيغطي الإعلام الحادث بكثافة، ولكن هذا لن يغير من الأمور في شيء كما حدث مع ترافون مارتين وكل الشباب الذي قتلتهم الشرطة من قبل”.

بالنسبة لأهالي فيرجسون، فإن عنف الشرطة ليس بالأمر الجديد عليهم. الجديد هو روح التضامن في سانت لويس وما ورائها. والجديد أيضاً هو درجة وحشية رد فعل الشرطة.

قالت كريستيان بلاكمون، وهي شابة صغيرة نشأت في فيرجسون: “أنا لم أتعرف على شوارع المدينة من كثرة عدد الشرطة المنتشرة في كل مكان. كان المنظر يبدو وكأننا في العراق”. وأضافت كريستيان: “طوال الوقت توقف الشرطة أصدقائي الذكور السود بسبب وبدون سبب ويستجوبونهم. إن أصدقائي من البيض لا يفهمون هذا الأمر وهذا الشعور، وأجد نفسي مضطرة أن أشرح لهم.. أنا لا أوافق على نهب المحال. ولكني أتفهّم الغضب الذي نتج عن عدم حل المشاكل، والانفجار الذي تلى ذلك. ولكن في نهاية الأمر، فقد كانت هناك مظاهرات سلمية كثيرة، وتضامن بين السود والبيض والصغار والكبار وسائر الجنسيات”.

التضامن
كان التضامن في شوارع فيرجسون بالفعل رائعاً. لقد تقاسم المعتصمون الأكل والمياه في جو النهار الحار وشديد الرطوبة. كما أحضر 5 عمال من مطاعم شيبوتلي للأكل المكسيكي السريع وجبات للمعتصمين في المساء تساوي ألف دولار.

وبعد توزيع الوجبات على المتظاهرين الجوعى انضم العمال إلى المسيرات المسائية. وقالت إحدى العاملات – التي فضلت عدم ذكر اسمها خوفا من انتقام الإدارة: “لا شك لديّ في أهمية هذه المظاهرات. أنا أؤيدها تماماً”. وأضاف زميل لها أن عمال “بيتزا هات” أيضاً أرسلوا وجبات سريعة للاعتصام.

كان من المنطقي أن يتضامن هؤلاء العمال – وأغلبيتهم من الأقليات من السود والأسبان – مع اعتصام فيرجسون لأن العمال قضوا الشهور الماضية يناضلون من أجل الحد الأدنى للأجور (15 دولار في الساعة)، فهم كأقليات يمثلون القطاعات الأكثر فقراً في الطبقة العاملة في الولايات المتحدة.

وبالإضافة للتضامن العمالي المحلي، جاءت أيضاً وفود من النشطاء من أجل الحد الأدنى للأجور من الولايات المجاورة لميسوري، مثل أركنسا وتينيسي. وعلّق أحد عمال “ماكدونالدز” القادم من مدينة ليتل روك في أركنسا قائلاً: “لا يمكن أن ننسى مايك. هذا لا يحدث فقط في فيرجسون. هذا كان ممكن أن يحدث في أي مكان”.

كما حضر أيضاً حفنة من أعضاء “المحاربين القدامى من أجل السلام” من مدينة سانت لويس الوقفة التي نُظمت لإحياء ذكرى أسبوع على مقتل براون، والتي خطب فيها القس جيسي جاكسون، ثم شاركوا في المسيرة التي شارك فيها ألف شخص والتي مرت بشوارع امتلأت بفوارغ الطلقات المطاطي.. ومضى أحد المتظاهرين يحمل لافتة في المسيرة كُتب عليها: “نعم، تستحق حقوق الإنسان النضال من أجلها!”.

* المقال منشور باللغة الإنجليزية في 18 أغسطس 2014 بموقع جريدة العامل الاشتراكي الأمريكية

التعليقات