بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

«كوباني» تواجه خيانة الجميع

مقاتلات المقاومة في كوباني

تتصاعد الأدخنة السوداء فوق مدينة كوباني الكردية، شمالي سوريا على حدود تركيا، حيث تتصدى وحدات الحماية الشعبية الكردية لقوات الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). لازالت المقاومة إلى الآن صامدة وتوقع خسائر في صفوف مقاتلي داعش الذين يتفوقون على الأكراد بالأسلحة، أمريكية وروسية الصنع، التي استحوذوا عليها من الجيشين السوري والعراقي خلال انتصاراتهم عليهما في معارك سابقة.

غادر مئات الآلاف من الأكراد كوباني والقرى المحيطة عابرين الحدود للجوء إلى جنوب شرق تركيا، بينما يرحل آخرون إلى شمال العراق حيث تتولى قيادات كردية حكومة إقليمية هناك تأسست بعد الغزو الأمريكي. لكن لايزال هناك عشرات الآلاف من الأكراد باقين في المدينة يتسلل إليهم الخوف مما سيحدث إذا قهرت داعش المقاومة.

داعش الآن على وشك تحقيق انتصار كبير آخر، برغم إعلان الولايات المتحدة، ذات الجيش الأقوى في العالم، الحرب عليها بمساندة عشرات من الدول الأخرى. بدأت الغارات الجوية على داعش في العراق منذ شهرين، وامتدت إلى سوريا، إلا أن من المتوقع سقوط كوباني بين يدي داعش التي تفيد التقارير أنها تواصل تقدمها في العراق أيضاً.

من الواضح أن حملة الولايات المتحدة بالغارات الجوية قد مُنيت بالفشل، حتى إذا نظرنا إلى الأمر من خلال الاعتبارات العسكرية المحدودة، وذلك بعكس مزاعم باراك أوباما بأن حرب جديدة في الشرق الأوسط ستضع حداً لداعش. بينما يعترف المسئولون الأمريكيون صراحةً أن إنقاذ أكراد كوباني ليس أولوية استراتيجية.

معاناة الأكراد
حكومة الولايات المتحدة ليست فريدة في خيانة توسلات ومناشدات الأكراد؛ فإذا نظرنا شمالاً، نجد الدبابات التركية ثابتة على الحدود لا تحرك ساكناً بينما تحتدم المعارك مع داعش. وفي حين عبر اللاجئون الحدود من كوباني إلى تركيا هذا الشهر، يمنع الجنود المرور إلى الجهة الأخرى – كوباني – للانضمام إلى المقاومة ضد داعش. أما في داخل تركيا، فقد قوبلت المظاهرات الجماهيرية التضامنية مع أكراد روج آفا – وهي منطقة كردستان الغربية داخل سوريا حيث تقع مدينة كوباني– كالعادة بقوات الأمن التي أطلقت قنابل الغاز والرصاص الحي واستخدمت خراطيم المياه ضدها.

يقول رئيس وزراء تركيا، رجب طيب أردوجان، زعيم حزب العدالة والتنمية الإسلامي، أنه يعارض داعش. لكن تركيا طالما كانت تضطهد المواطنين الأكراد وتزهق أرواحهم طوال عقود من الحرب الأهلية. الحقيقة أن تركيا – عضو الناتو وأحد أقوى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة – تخشى من انتصار المقاومين المتمردين الأكراد على داعش أكثر من خوفها من سقوط المدينة. لكن تقاعس الحكومة التركية الباعث للسخرية له رد فعل عكسي تماماً؛ حيث زعزعة الاستقرار ومواجهة التمردات.

ساهم نظام بشار الأسد في سوريا هو الآخر في تعميق معاناة أكراد كوباني. وباتباع استراتيجية “فَرِّق تسد” وتغذية الحرب الأهلية لمواجهة ثورات الربيع العربي، حفّزت ديكتاتورية الأسد المجموعات الإسلامية الرجعية مثل داعش بين قوى المعارضة.

هناك حالة غير معلنة من وقف إطلاق النار بين داعش والنظام، بينما يكثّف جيش الأسد نيرانه على الجماهير، ومنهم المجموعات المسلحة التي نشأت للدفاع عنهم. في حين أن داعش قد استطاعت بسط نفوذها على شرق سوريا امتداداً إلى الحدود الشمالية مع تركيا، لتشن حرباً بالأساس ضد أعداء النظام. إذا تمكنت داعش من هزيمة كوباني، واستطاعت ربط مناطق عديدة تحت سيطرتها سوياً، سيكون ذلك في مصلحة الحكومة السورية.

كان الأكراد في شمال سوريا قد حظوا بالاستقلال الذاتي في 2012 عقب انسحاب قوات الأسد عن المنطقة. هؤلاء يمثلون جزءاً من الأكراد المنتشرين عبر سوريا وتركيا والعراق وإيران، دون دولة خاصة بهم. إن تطلعات الأكراد، الشرعية والممتدة منذ زمن، لتقرير مصيرهم تتخذ مسارات مختلفة، أحياناً بسبب تلاعب القوى الخارجية بها. على سبيل المثال، تُعتبر النخبة الكردية في شمال العراق حتى الآن حليفاً لصيقاً لحكومة الولايات المتحدة منذ ربع قرن من الحرب على العراق، على الرغم من تأييد واشنطن لقمع تركيا للنضال الكردي، والآن صمتها عن المجزرة في كوباني.

المقاومة
وهكذا تبقى كوباني وحيدة في تاريخ متشابك من الاضطهاد والصراع على أصعدة مختلفة. يبدو أن المثل الشائع الذي يقول “ليس لدى الأكراد أصدقاءٌ سوى الجبال” صائباً اليوم أكثر من ذي قبل.

كانت المدينة لتسقط منذ شهور لولا المقاومة المستميتة لحزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الفصيل السياسي النافذ بين أكراد سوريا الذي تأسس منذ عقود في تركيا، ويعد تنظيماً شقيقاً لحزب العمال الكردستاني. وفقاً لجوزيف ضاهر، عضو تيار اليسار الثوري في سوريا، فإن العديد من الوحدات القتالية العربية تدافع أيضاً عن كوباني. الجيش السوري الحر، وهو شبكة من المجموعات المسلحة التي تقاتل ضد كلٍ من نظام الأسد وداعش، أيضاً قرر في أوائل أكتوبر إرسال مقاتلين إلى كوباني، بحسب ما ذكره ضاهر.

بثت وسائل الإعلام، كما انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، العديد من الروايات عن الإقدام الهائل لدى مقاتلي المقاومة الصامدين في وجه مذابح قوات داعش المتفوقة في التسليح. بالنسبة لهؤلاء المقاتلين، الاستسلام لا يعني سوى القبول بديكتاتورية داعش بما تمارسه من عنف تجاه الأقليات الدينية والعرقية، والقمع عديم الرحمة تجاه أي معارضة. لذا اختار هؤلاء القتال حتى الموت.

وفقاً للكثير من التقارير، تشكل النساء عدداً كبيراً من المقاومين المتبقين. في أوائل هذا الشهر، وفقاً للجزيرة، قتلت واحدة من القيادات العسكرية في الميليشيات النسائية لوحدات الحماية الشعبية الكردية، تُدعى دايلار قاني خامس، ومعروفة باسمها العسكري آرين ميركان، عشرة مقاتلين من داعش في هجوم فدائي. فبعدما نفذت ما تملك من رصاصات، بقيت في الخلف أثناء انسحاب المقاتلين الأكراد إلى وسط المدينة، فاشتبكت مع جنود داعش ودخلت بين صفوفهم لتفجر نفسها وتودي بحياة العشرة.

يشكل ضحايا كوباني هم في الحقيقة آخر حلقة في السلسلة المروّعة من كابوس الطغيان والاضطهاد والحرب الإمبريالية. تدعي حكومة الولايات المتحدة أن هجماتها على داعش ستنقذ ضحايا هذا الصراع المميت، لكن ما أدركه أكراد كوباني كان غير ذلك؛ فحرب أوباما الجديدة لن تزيد العنف والمعاناة إلا سوءاً.

الإمبريالية الأمريكية
حينما أعلن أوباما الحرب على داعش، كان قد أقر في خطابه في الأمم المتحدة بأن الولايات المتحدة سوف “تعمل ضمن حلف واسع لتفكيك شبكة الموت هذه”، بما يتضمنه ذلك من دعم “العراقيين والسوريين الذين يقاتلون لاسترداد مجتمعاتهم”. لكن في مواجهة أول هجوم كبير لداعش ضد من “يقاتلون من أجل مجتمعاتهم”، صرّح المسئولون الأمريكيون أن ما من شيء يمكن فعله من خلال الغارات الجوية، والأكثر من ذلك أن كوباني ليست بأي حال جزءاً من الخطة.

وكما أعلن وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، فإن “كوباني ليست هي ما يحدد استراتيجية التحالف تجاه داعش. كوباني منطقة واحدة، وما يحدث هناك مأساة. نحن لا نقلل من هذا الشأن. لكننا قلنا منذ اليوم الأول أن الأمر يستلزم بعض الوقت.. ولابد أن تكون البداية من العراق. هذه هي الاستراتيجية الراهنة”.

معنى ذلك أن المسئولين الأمريكيين سعدوا بحديثهم الغليظ عن توسيع الغارات الجوية ومدها إلى سوريا، لكن اهتمامهم الرئيسي ينصب على حماية المصالح الأمريكية في العراق. هناك يمكن لواشنطن مواصلة العمل من أجل تثبيت الحكومة المركزية، والأهم من ذلك أن الإمبراطورية الأمريكية تريد حماية مصالحها في النفط، بالأخص في الشمال حيث تتعرض هذه المصالح لتهديد مباشر بعد سقوط العاصمة الكردية، أربيل، في يد داعش، أغسطس الماضي، وهو ما دفع الولايات المتحدة في المقام الأول لبدء القصف.

وبرغم ذلك، وفقاً للصحفي باتريك كوكبرن بصحيفة الإندبندنت البريطانية، لم تفلح الولايات المتحدة حتى فيما حددته لنفسها كأولوية قصوى؛ فقوات داعش في العراق تمكنت من السيطرة على أغلب محافظة أنبار في الغرب، وأجزاء من العاصمة الإقليمية رمادي، علاوة على التقدم في من المناطق غربي بغداد، حيث يمكنهم شن هجوم مدفعي شرس على المطار الدولي الرئيسي في البلاد بوابل من القذائف.

يستنتج كوكبرن أن “نجاح مقاتلي داعش في التقدم هكذا يوضح أن الجيش العراقي أقل قدرة على المقاومة مما كان عليه حينما فقد الموصل وتكريت في يونيو الماضي”، أي في بداية هجوم داعش في العراق.

المنطقة الوحيدة التي يمكن للولايات المتحدة أن تدعي نجاحها فيها، هي تلك التي كثّفت غاراتها الجوية عليها لصد هجوم داعش على أربيل، حيث أن ذلك الهجوم لم يكن فقط يهدد الموظفين الأمريكيين المتعاونين مع حكومة كردستان الإقليمية، بل أيضاً آبار احتياطي النفط الرئيسية الهائلة شمالي العراق.

تبدو حسابات الولايات المتحدة لأولوياتها في هذه الحرب مثاراً للتهكم حين ندرك أن صعود داعش كان مباشرةً نتيجة للاحتلال الأمريكي للعراق. لم تكن داعش، ولا القاعدة في من قبلها، موجودتين في العراق قبل الغزو في 2003. لقد اعتمدت الولايات المتحدة سياسة “فَرِّق تسد” بغية مواجهة ما تشكله مقاومة مسلحة موحدة من تهديد لها، فعمدت إلى إذكاء الصراع الطائفي بين السنة والشيعة. والقاعدة في العراق كانت لاعباً رئيسياً في الحرب الأهلية المخيفة والتطهير العرقي الذين قاموا بعد الغزو.

وحينما امتد الصراع الطائفي خارج حدود العراق، موّلت المملكة العربية السعودية وقطر، حلفاء الولايات المتحدة، مجموعات سنية لمجابهة ما يُسمى بـ”الهلال الشيعي”، الممتد من إيران إلى نظام الأسد في سوريا إلى حزب الله في لبنان.

داعش هي نتاج لفوضى العنف والكراهية المسمومة التي أطلقتها الإمبريالية الأمريكية، والتي ستزيدها حرب أوباما الجديدة سوءاً. كتب الثوري السوري جوزيف ضاهر:

“التدخل العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة لا يهدف لمساعدة المواطنين في نضالهم من أجل الحرية والكرامة، بل لحماية أهداف الإمبرياليين الغربيين، بموافقة من الإمبريالية الروسية وحلفاء الإمبريالية الإقليميين الأقل شأناً، سواء بالمشاركة المباشرة كالسعودية وقطر، أو بشكل غير مباشر كتركيا، أو من خلال الصمت عن معارضة التدخل كإيران.

كل تلك الأطراف تريد أن تضع حداً للعملية الثورية في المنطقة وأن تستعيد الاستقرار، بأنظمة مستبدة تحمي مصالحهم وليس مصالح الجماهير الشعبية في المنطقة”.

غدر تركيا
يبدو غدر الحكومة التركية تجاه المذبحة غير المسبوقة في كوباني أكثر فجاجة حتى من نفاق واشنطن. فالقوات التركية التي تستطيع التصدي لترسانة داعش العسكرية تظل بلا حراك على حدود كوباني، بينما توجّه قوات أمن الحكومة قمعها للمتضامنين مع الأكراد، بمن فيهم أولئك الذين يأملون في عبور الحديد للانضمام للمقاومة في كوباني.

أحد مشاهد الفيديو الصادمة يُظهر هجوماً مدفعياً عنيفاً لداعش على كوباني في الخلفية، بينما في المقدمة تظهر اعتداءات الشرطة التركية على المتظاهرين الأكراد. اعترفت الحكومة بالفعل بمقتل 30 متظاهر على الأقل في الاشتباكات بين قوات الشرطة والمتظاهرين عبر البلاد. المذهل أن الحكومة التركية ترى معركة كوباني – على حد وصف موقع “مونيتور” الإخباري – باعتبارها “فرصة” لكسب تنازلات من القوى السياسية الكردية.

في أوائل الشهر الجاري، حضر القيادي بحزب الاتحاد الديمقراطي، صالح مسلم، اجتماعاً سرياً مع موظفين بالمخابرات التركية، حيث ناشدهم السماح بعبور الأسلحة – خاصةً القذائف المضادة للدبابات – من الحدود إلى المقاتلين في كوباني. قوبل هذا الطلب بمجموعة من الشروط، التي تتضمن حل الحكومات المحلية التابعة التابعة للحزب والتي تدير الجيوب الكردية شمالي سوريا، وقطع الصلة بحزب العمال الكردستاني.

إذن، تضع الحكومة التركية الأمر كالتالي؛ إما أن تتحول منطقة الحكم الذاتي التي يحكمها الأكراد منذ 2012 إلى سيطرة القوات التركية، أو أن تسقط كوباني.

ليس من الصعب تصديق أن الحكومة التركية تتعاطى مع كارثة كوباني الآن بابتزاز الضحايا. فمنذ عقود لم تتوقف تركيا عن قمع الأكراد الذين يمثلون ما يقرب من ربع سكان البلاد. تاريخ من الاضطهاد والقمع يمتد منذ نهاية الحرب العالمية الأولى حينما تمزقت الإمبراطورية العثمانية. لم يُمنح الأكراد دولة قومية لهم، وبدلاً من ذلك أضحوا أقلية مُضطهدة، مُوَزعين بين عدة بلدان – أغلبهم في تركيا.

تمتد جذور حزب العمال الكردستاني إلى السبعينات حين تأسس كمنظمة ماوية للنضال من أجل دولة كردية مستقلة. وقد راح حوالي 40 ألف قتيل، أغلبهم من الأكراد، جراء الصراع مع الدولة التركية. ووفقاً لـ”هيومان رايتس ووتش”، فقد انمحت ثلاثة آلاف قرية كردية من على الخريطة بحلول نهاية القرن العشرين بسبب سياسات الحكومة.

بعد الكثير من مراحل القتال والسلام النسبي، أعلن حزب العمال الكردستاني وقف إطلاق النار في 2013 لتتبع ذلك مفاوضات مطوّلة بين القيادي بالحزب عبد الله أوجلان والحكومة التركية بقيادة حزب أردوجان منذ أوائل العقد الماضي.

يحاول حزب العدالة والتنمية الحفاظ على صورة التسامح مع الأكراد مقارنةً بالحكم العسكري الذي سبقه، لكن ذلك لم يمنع أردوجان من الجهر بأن حزب العمال الكردستاني لا يقل خطراً عن داعش، وكما صرّح للصحفيين أوائل الشهر الجاري أن “من الخطأ أن نراهما مختلفَين. نحن بحاجة للتعامل معهما على السواء”.

ترى الحكومة التركية أن داعش – التي تسعى لتأسيس خلافة إسلامية تزيل الحدود القومية التي أقيمت بعد الحرب العالمية الأولى – تعمل على زعزعة الاستقرار في المنطقة. لكنها أيضاً ترى في الاضطرابات الكردية خطراً داهماً.

اليوم صارت كوباني رمزاً للمقاومة الكردية، لتجد أصداءاً قوية في كلٍ من تركيا وسوريا – حتى أنها دفعت رئيس الحكومة الإقليمية الكردية في العراق، مسعود بارزاني وهو أحد الوجوه الرئيسية في خطط الولايات المتحدة في المنطقة، للنداء بدعم كوباني. وبناءاً على ذلك، يستنتج موقع “مونيتور” أن “ربما تسعد تركيا بسقوط كوباني”.

لكن الحكومة التركية تلعب بالنار؛ فالمظاهرات الضخمة التي خرجت تضامناً مع كوباني تُظهر أن الغضب إزاء تقاعس تركيا ربما يصبح أكثر تهديداً.

تقرير المصير
أحد أسباب عدائية الحكومة التركية تجاه كوباني هو أنها تمثل رقعة مركزية لمنطقة الحكم الذاتي التي أسسها الأكراد شمالي سوريا. كوباني هي المدينة الرئيسية وسط الأقاليم الثلاثة التي تتألف منهم روج آفا.

كانت الانتفاضة الشعبية التي اندلعت ضد ديكتاتورية بشار الأسد في 2011 قد انتشرت عبر البلاد، بما يشمل المنطقة الكردية في الشمال. ردة فعل النظام كانت دموية ضد كل المعارضين، لكن الأسد حاول أيضاً أن يجلب تأييد الأقليات من خلال تصوير ثورات الربيع العربي وكأنها من فِعل الأصوليين السنة وتحت سيطرتهم. في نفس الوقت، عمل على تحفيز أكثر المجموعات السنية رجعية بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين الإسلاميين من السجون في محاولة لقلب الموازين بين صفوف المعارضة.

كان النظام السوري بلا شك يأمل، من خلال سحب قواته من روج آفا في 2012، تاركاً حزب الاتحاد الديمقراطي ليؤسس نظام الحكم الذاتي، في فصل الأكراد عن بقية المعارضة، وأيضاً كي تمثل المنطقة، خلال الحرب الأهلية، حاجزاً أمام أي تحركات من تركيا، والتي تعد واحدة من أعداء سوريا الرئيسيين.

وكما أشار جوزيف ضاهر، فإن “إدارة الحكم الذاتي في روج آفا لم تكن ممكنة من دون الحركة الجماهيرية الهائلة من أسفل للشعب السوري – عرباً وأكراداً وأشوريين معاً – ضد نظام الأسد الاستبدادي والإجرامي”.

في نوفمبر 2013، أسس ممثلون عن مجموعات عرقية مختلفة حكومة رسمية – اتحاداً بين “الأكراد والعرب والأشوريين والكلندانيين والتركمان والأرمن والشيشان”، وفقاً لديابجة ميثاق هذه الحكومة. وكما كتب ضاهر، فإن:

“خبرة الإدارة الذاتية في هذه المنطقة هامة ومثيرة للغاية، فيما يتعلق على وجه التحديد بحقوق المرأة والأقليات الدينية والعرقية. إلا أن بعض التناقضات ظلت باقية، بالأخص استبداد قوى حزب الاتحاد الديمقراطي التي لم تكن لتتردد في قمع النشطاء أو إقصائهم عن المؤسسات الحاكمة.

لا ينبغي أن ننسى أن حزب الاتحاد الديمقراطي، مثله في ذلك مثل حزب العمال الكردستاني، يفتقر إلى العملية الديمقراطية في حياته الداخلية وفي علاقته بالمنظمات الأخرى المنافِسة له… لابد أن نتذكر، على سبيل المثال، حركات الاحتجاج التي اندلعت في أواخر يونيو 2013 في بعض مدن روج آفا، مثل عامودا ودرابيسيات، ضد قمع الحزب واعتقاله للنشطاء الأكراد الثوريين.

إلا أن ذلك لا يجب أن يمنعنا عن توجيه الدعم الكامل لحركة التحرر الوطني الكردية في نضالها من أجل تقرير المصير في العراق وسوريا وتركيا وإيران ضد الأنظمة الاستبدادية التي تضطهدهم و/أو تمنعهم من تحديد مصيرهم. وهذا أيضاً هو ما يستوجب علينا المطالبة بحذف حزب العمال الكردستاني من قوائم المنظمات الإرهابية في أوروبا وفي كل مكان.

يمكننا انتقاد قيادة حزب العمال أو الاتحاد الديمقراطي على بعض سياساتهم، لكن… مبدأ أساسي لنا كثوريين هو الدعم الكامل غير المشروط لكل أشكال النضال من أجل التحرر قبل أن ننتقد الطرق التي يتبعونها”.

ليس غريباً أن تضع داعش منطقة روج آفا في مرمى أهدافها منذ أعلن الأصوليون ما يسمونه بالخلافة. إن حرب داعش على كوباني هو محاولة لتصفية الحكم الذاتي القائم هناك، تماماً كما هي حربها على كل القوى – بما يشمل السنة – التي تختلف مع عقائدهم الرجعية.

أوجه الثورة المضادة
هناك الكثير من الأمور التي ينبغي فهمها في الشبكة المعقدة من الصراع والعنف في الشرق الأوسط اليوم. لكن يجب أولاً البدء بالانحياز للنضال الشعبي من أجل الديمقراطية وتقرير المصير والعدالة الاجتماعية.

وكما يستنتج ضاهر في مقال كتبه مؤخراً، فإن:

“سقوط مدينة كوباني واحتلال داعش لها سيمثل هزيمة مزدوجة؛ أولاً لحق الشعب الكردي في تقرير مصيره، وثانياً للثورة السورية…

هناك علاقة جدلية تربط الاثنين معاً. هزيمة العملية الثورية السورية وأهدافها ستكون، في الغالب، علامة على نهاية خبرة الحكم الذاتي في روج آفا، وآمال الشعب الكردي في تحديد مستقبله في مواجهة أطراف عدة – الإمبرياليتين الغربية والروسية، والشوفينية العربية والتركية، والقوى الإسلامية الرجعية.

وعلى الجانب الآخر، لن تكتمل العملية الثورية السورية دون أن تتوافر للشعب الكردي إمكانية تحديد مستقبله بحرية؛ إما الانفصال أو المشاركة والعيش مع الآخرين في ظل دولة سورية علمانية ديمقراطية تصون حقوقهم القومية”.

علينا أن نناهض محاولات الثورة المضادة سواء لإجهاض حق الأكراد في تقرير مصيرهم أو لوأد الثورة السورية. تمثل داعش الرجعية أحد وجوه هذه الثورة المضادة بحربها البربرية على كوباني، بينما الوجه الآخر تجسده الأنظمة الاستبدادية وغير الديمقراطية في المنطقة – حتى وإن عارضوا بعضهم البعض، مثلما يواجه نظام أردوجان نظيره الأسد.

وأخيراً وليس آخراً، هناك الإمبريالية الأمريكية، التي تتحمل بالأساس مسئولية كل هذه الفظائع المروّعة في الشرق الأوسط اليوم. وسواء من خلال التدخل المباشر، أو بواسطة دعم القوى الرجعية، فإن الولايات المتحدة تسعى لإحكام قبضتها للسيطرة على مصدر الطاقة الأكثر قيمة في العالم – النفط.

* المقال منشور باللغة الإنجليزية في 14 أكتوبر 2014 على موقع “العامل الاشتراكي” الأمريكي.

      

التعليقات