بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

«كوباني»: الأكراد والثورة السورية

كوباني

يحاصر جنود الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش) مدينة كوباني، التي تقع في المنطقة الشمالية من سوريا وتعد موطن أغلب الأكراد في البلاد. وبينما يدافع المقاتلون الأكراد وأنصارهم، شارع تلو الآخر، عن المدينة ضد الرجعيين السنّة، كانت خيانة جميع دول العالم والقوى الإقليمية في انتظارهم.

وقعت مدينة كوباني السورية، المأهولة بأغلبية كبيرة من الأكراد، لعدة أسابيع تحت التهديد المباشر لداعش. ومنذ بداية هجوم داعش في السادس عشر من سبتمبر الماضي، لقى أكثر من 550 شخص حتفهم، بينهم 289 من متشددي داعش، و236 من المقاتلين الأكراد، وحوالي 20 مدنيًا. وحتى الآن لايزال هناك أكثر من 12 ألف مدنيّ في بعض المناطق من كوباني، في حين دفع هجوم ومحاصرة داعش للمدينة لتهجير نحو 200 ألف آخرين تهجيرًا قسريًا.

في الواقع، ربما كانت كوباني لتقع في يد مقاتلي داعش منذ وقت طويل، لولا المقاومة التي ينظمها حزب الاتحاد الديمقراطي السوري – الذي تربطه علاقات وثيقة مع حزب العمال الكردستاني في تركيا – وقواته العسكرية، المعروفة باسم وحدات حماية الشعب، وكذلك لولا المشاركة الفعالة لعلى الأقل ثلاثة من كتائب المقاتلين العرب في المدينة: كتيبة ثورية من الرقة، وأخرى من كتائب “شمس الشمال”، والثالثة كتيبة من جرابلس. وفي الرابع من أكتوبر الجاري، قرر الجيش السوري الحر أيضًا إرسال ألف مقاتل للدفاع عن كوباني.

لماذا كوباني؟
تمثل مدينة كوباني موقعًا استراتيجيًا لقوات داعش. أولًا، لأن كوباني تقع بين مدينتي جرابلس وتل الأبيض، وكلتاهما تحت سيطرة داعش، وبالتالي سوف يوفر لهم سقوط كوباني مواصلة احتلال الأرض. وثانيًا، لأن كوباني تعد بوابة العبور لتركيا. كذلك، لأن كوباني هي ثالث أكبر مدينة كردية في سوريا، وهي أول مدينة كردية نجحت في التحرر من نظام الأسد في 19 يوليو 2012.

بالإضافة إلى أن كوباني واحدة من المقاطعات الثلاث (مع عفرين وسيزر) التي أعلنت نفسها كمناطق حكم ذاتي ديمقراطي في كونفدرالية تضم “الأكراد، والعرب، والآشوريين، والكلدان، والتركمان، والأرمن، والشيشان”، وفقًا لما جاء في ديباجة ميثاق روج آفا، وهو اسم سوريا الشمالية، أو كردستان السورية.

والحقيقة، أن تجربة الحكم الذاتي في هذه المناطق تجربة مثيرة للاهتمام للغاية، خاصة فيما يتعلق بحقوق النساء، والأقليات الدينية والعرقية. لكن بالطبع، هناك بعض التناقضات، خاصة فيما يتعلق بسلطوية قوات حزب الاتحاد الديمقراطي التي لم تتردد في قمع النشطاء ومنعهم من المشاركة في مؤسسات الحكم.

فلا ينبغي علينا نسيان أن حزب الاتحاد الديمقراطي، تمامًا مثل منظمته الأم، حزب العمال الكردستاني، يفتقر للديمقراطية في تسيير شؤونه الداخلية، وفي علاقته بالمنظمات الأخرى المنافسة، أو حتى مجرد، كما رأينا بالفعل، المنظمات الناقدة له. علينا أن نتذكر، على سبيل المثال، الحركات الاحتجاجية التي اندلعت في أواخر يونيو 2013 في بعض مدن روج آفا، مثل عامودا ودرابيسيات، ضد الحملات القمعية والاعتقالات التي نفذتها قوات الحزب بحق المناضلين الثوريين الأكراد.

مع ذلك، علينا أن نتذكرأيضًا، أن حزب الاتحاد الديمقراطي، ليس التنظيم الوحيد في سوريا، ولا هو الممثل الوحيد للمعارضة السورية. ولا ينبغي أن يمنعنا ذلك عن تقديم الدعم الكامل لحركة التحرر الوطني الكردية في نضالها من أجل تقرير المصير في العراق وسوريا وتركيا وإيران ضد الأنظمة الاستبدادية التي تقمعهم و/أو تمنعهم من تقرير مصيرهم. بل أن هذا أيضًا سبب يدفعنا للمطالبة برفع اسم حزب العمال الكردستاني من كل قوائم المنظمات الإرهابية في أوروبا وأماكن أخرى.

يمكننا نقد قيادات حزب العمال الكردستاني، أو حزب الاتحاد الديمقراطي بسبب بعض سياساتهم، لكن كما ذكرت من قبل، مبدأ الثوريين الأساسي هو دعم جميع أشكال التحرر دون قيد أو شرط أولاً، قبل أن ننتقد طريقتهم في النضال.

كوباني والتحالف الدولي
فشلت عمليات القصف التي شنتها قوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، بالتعاون مع ممالك الخليج الرجعية، في وقف هجوم داعش الذي بدأ في الثالث والعشرون من سبتمبر الماضي. وعند بداية عمليات القصف، كانت داعش على بعد حوالي 60 كيلو متر من كوباني، اليوم نجحت داعش في دخول واحتلال عدة أحياء من المدينة، كما دمرت قواتها عددًا من المنازل والمباني الحكومية.

وهذا يؤكد، مرة أخرى، أن عمليات التدخل العسكري لا تهدف لمساعدة السكان المحليين في نضالهم من أجل الحرية والكرامة، وإنما تخدم أهداف الغرب الإمبريالي، بالإتفاق مع الإمبريالية الروسية وكل أعوان الإمبريالية الأقليمين – سواء بالمشاركة المباشرة كما في حالة المملكة العربية السعودية وقطر، أو غير المباشرة مثل تركيا، أو بصمتهم حيال التدخل العكسري كما في حالة إيران. كل هذه الجهات تريد إنهاء الحالة الحالة الثورية في المنطقة واستعادة الاستقرار، لصالح الأنظمة الاستبدادية التي تخدم مصالحهم، على حساب مصالح شعوب المنطقة.

من جانبها، أثبتت الحكومة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية، مرة أخرى معارضتها لأي مشروع كردي لتقرير المصير إذا ما شكل هذا المشروع تحديًا لمصالحها السياسية. وتتهم الحكومة التركية حزب العمال الكردستاني بأنهم إرهابيون كداعش. ومن خلال هذه الاتهامات، تريد الحكومة التركية أن تفتك بالمنظمات التركية العاملة على أراضيها أو في محيطها، أو على الأقل استمالة بعضها.

وفي الواقع، هدف الحكومة التركية الأساسي، هو منع إقامة منطقة حكم ذاتي كردية على طول حدودها مع سوريا. وهذا هو السبب وراء أن طالبت الحكومة في أنقرة بإقامة منطقة عازلة في سوريا، بل وجعلته أحد مطالبها الأساسية من قوات التحالف والمجتمع الدولي، وليس كما ادعت حكومة أردوغان، لحماية المناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر، الذي يحارب الآن إلى جانب القوات الكردية لصد هجوم داعش.

وفي السياق ذاته، منعت الحكومة التركية أيضًا، وتستمر في منع، مقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي من عبور الحدود والانضمام إلى الرفاق الأكراد في كوباني في نضالهم ضد داعش. كما فرضت، لأول مرة منذ عام 1992، حظرًا للتجول في ست محافظات تقطنها أغلبية كردية، وذلك بعد إندلاع مظاهرات كردية ضخمة احتجاجًا على سياسة الحكومة وامتناعها عن تقديم العون لمدينة كوباني، ورفضها السماح للمقاتلين الأكراد بالعبور إلى سوريا.

وبعد أربعة أيام من الاشتباكات، قدّم وزير الداخلية أفكان آلا تقريرًا أوليًا يعترف بسقوط 31 قتيل، و60 جريح، وأكثر من ألف معتقل، ويكشف عن أضرار واسعة النطاق، خاصة في الجزء الجنوبي الشرقي من البلاد حيث تتواجد غالبية كردية. وتقريبًا، كانت جميع الإصابات والاعتقالات في الصفوف الكردية.

وبينما يحثّ زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي، صالح مسلم، تركيا على السماح بعبور المقاتلين والأسلحة عبر حدودها لكوباني، فإنه يعارض بشدة أي تدخل للجيش التركي في المدينة، الذي سيكون، وفقًا له، بمثابة “الاحتلال”. أما داخل تركيا، فقد حذرّ زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون، عبدالله أوجلان، من أن سقوط كوباني سيعني نهاية كل جهود السلام المستمرة طيلة العامان الماضيان بين تركيا وحزب العمال الكردستاني. جدير بالذكر، أن هناك ما يقرب من 8 آلاف سجين سياسي كردي في السجون التركية متهمين بالإرهاب.

ماذا لو سقطت كوباني؟
إن سقوط مدينة كوباني، واحتلال داعش لها يمثل هزيمة مزدوجة: لقضية تقرير المصير للشعب الكردي، وللثورة السورية.

إن أحد النتائج المباشرة والإيجابية للثورة السورية هي تجربة الحكم الذاتي المستقل بروجافا، التي ما كان لها أن توجد إلا بحركة شعبية واسعة النطاق قادمة من أسفل، تشمل الشعب السوري بأكمله – العرب، والأكراد، والآشوريين معًا – ضد نظام الأسد الإجرامي المستبد. هذه القوى الشعبية نفسها اتحدت ضد القوى الرجعية الإسلامية حين هاجمت روجافا في وقتٍ سابق، وتستمر في مهاجمة مناطق منها الآن. اليوم في كوباني، يقاتل الجيش السوري الحر والقوات الكردية كتفًا بكتف لدحر داعش، كما شهدنا أيضَا مظاهرات في المناطق السورية المحررة تضامنًا ودعمًا لكوباني.

إن ثورة من أسفل قوامها الجماهير الشعبية في سوريا، العرب، والأكراد هي الحل الوحيد ضد الطائفية والعنصرية والشوفينية الوطنية. لقد عززت الثورة السورية حق الشعب الكردي في تقرير مصيره، وهذا يجب أن يستمر. أنها علاقة جدليّة، وكلتاهما ترتبط بالأخرى.

وربما، على الأرجح، قد تمثل هزيمة العملية الثورية السورية وأهدافها، نهاية تجربة الحكم الذاتي بروج آفا، وتحطيم آمال الشعب الكردي في أن يقرر مستقبله بنفسه في مواجهة معارضة جهات متعددة: الإمبريالية الغربية والروسية، والشوفينية القومية العربية والتركية، والقوى الرجعية الإسلامية الرجعية.

من ناحية أخرى، لن تكتمل العملية الثورية السورية دون أن يتمكن الأكراد من تقرير مستقبلهم بحرية: الانفصال، أو المشاركة في سوريا الديمقراطية، الاجتماعية، العلمانية، مع ضمان كافة حقوقهم الوطنية.

وهذا هو تحديدًا السبب الذي يحتم علينا معارضة كل المحاولات الرامية لتقويض الحق الكردي في تقرير المصير، والعملية الثورية السورية – لأن مصيرهما مرتبطان بعضهما البعض – سواء كانت هذه المحاولات من نظام الأسد، أو القوى الإسلامية الرجعية، أو الإمبريالية الغربية (الولايات المتحدة وروسيا) وحلفائهم في المنطقة إيران وتركيا والسعودية وقطر.علينا معارضة كل القوى المعادية للثورة، لأنهم يريدون تقسيم الطبقات الشعبية من خلال الطائفية والعنصرية.

تحيا الثورة السورية.. يحيا حق الأكراد في تقرير المصير. يحيا الإخاء الشعبي في النضال من أجل التحرير والتحرر.

وأخيرًا، في الصراع الشعب واحد!

* المقال بقلم جوزيف ضاهر، منشور باللغة الإنجليزية في 12 أكتوبر 2014 على مدونة “سوريا الحرية للأبد“.

      

التعليقات