بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية: سرطان في جسد البشرية

“لقد تبين أنه يمكن أن تمر أيام وأسابيع على معتقل دون أن يراه أحد. أحد هؤلاء المعتقلين كان مُقيداً إلى الجدار في وضعية الوقوف لمدة 17 يوماً. ووفقاً لمحقق وكالة الاستخبارات المركزية فقد بدا المعتقلين تماماً مثل الكلاب المقيدة. كانوا ينكمشون حين تُفتح أبواب زنارينهم”.

أوضحت دراسة جزئية السرية قامت بها لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي، عن برنامج الاعتقال والاستجواب التابع لوكالة الاستخبارات المركزية، صورة شاملة عن شبكة من معسكرات الاعتقال التي تديرها الولايات المتحدة.

القسوة التي لحقت بالنزلاء تُذهب العقل. في أحد المرافق الرئيسية الذي يُطلق عليه إسم “كوبالت” كان “يتم التحفظ على معتقلي وكالة الاستخبارات المركزية مكبلين بشكل دائم في ظلام دامس في زنازين انفرادية. كل ما الزنازين كان فقط موسيقى صاخبة وضوضاء ودلو للتبول والإخراج. وصف قائد التحقيقات كوبالت بالـ”حصن”، كما وصف أحد كبار شُرطيي وكالة الاستخبارات المركزية كوبالت بأنه في حد ذاته “أسلوب استجواب متقدم”.

يوضح التقرير تقنيات التعذيب المستخدمة من قِبل عملاء وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بالتفصيل الدقيق. كان المعتقلون يُكبّلون إلى الجدران وهم عراة في درجة حرارة تصل إلى التجمد. أُجبر المعتقلون المصابون بكسور في الأرجل على الوقوف عليها لساعات طويلة. وخلال التحقيقات كانوا يتعرضون للضرب مراراً على الجدران الأسمنتية للسجن، وغمرهم في المياه (أبو زبيدة، المتهم بالتعاون مع بن لادن – 84 مرة. وخالد شيخ محمد المتهم بأنه العقل المُدبر لهجمات الحادي عشر من سبتمبر – 183 مرة على الأقل). بالإضافة إلى تعصيب الأعين والسحل في الممرات.

لقد تم إذلالهم وقيل لهم أنهم لن يروا ضوء الشمس مرة أخرى، قيل لهم أنهم سيُغتصبون، هم وأمهاتهم، من قبل عملاء وكالة الاستخبارات المركزية. تعرضوا لأقصى درجات الحرمان من النوم، الأمر الذي أدى إلى إصابتهم بهلاوس مزعجة. تعرضوا لإقحام الغذاء في الشرج. وقد استمر هذا التعذيب لأيام وأسابيع وشهور وسنين.

“تضمنت الانتهاكات تلاعب المحققين بأعصاب المعتقلين عن طريق “الروليت الروسي”، حيث وضع المعتقلين في حمامات من الماء المثلج. دفعت وكالة الاستخبارات المركزية الكثير من المعتقلين للاعتقاد بأنهم لن يُسمح لهم بمغادرة أماكن الاحتجاز على قيد الحياة، موحين لأحد المعتقلين بأنه لن يغادر إلا في تابوت. قال أحد المحققين لمعتقل آخر أنه لن يذهب للمحكمة أبداً “لأننا لا يمكن أن نسمح للعالم أن يرى ما فعلناه بك”.

أحد المعتقلين يُدعى جول رحمن، لم يستطع البقاء على قيد الحياة في ظل هذا التعذيب حيث تجمد حتى الموت.

“أمر أحد ضابط وكالة الاستخبارات المركزية أن يتم تقييد جول رحمن إلى جدران زنزانته في وضع يُجبر فيه على الاستلقاء على الأرضية الأسمنتية، لم يكن جول يرتدي سوى سُترة، فقد الضابط بتجريده من جميع ملابسه حينما رأى أنه لم يكن متعاوناً في تحقيق سابق. في اليوم التالي، عثر الحراس على جثة جول، وقد كشف التشريح والتحقيقات الداخلية لوكالة الاستخبارات المركزية أن جول رحمن قد مات على الأرجح نتيجة انخفاض حاد في درجة حرارة الجسم – نتيجة لإجباره على الجلوس على أرضية الزنزانة الأسمنتية بدون سروال”.

لم يُدان ضابط وكالة الاستخبارات المركزية المسئول عن هذه الجريمة – وبالطبع حُجِبَ إسمه في التقرير – ولم يواجه أية عواقب لتعريض شخص لهذه الميتة المرعبة. وبدلاً من ذلك تلقى بعد ذلك بأربعة أشهر جائزة نقدية قدرها 2500 دولاراً مكافأةً له على “عملة المتميز”، بل وبعد مُضي أقل من شهر على وفاة جول صدرت التعليمات بتجريد كافة المعتقلين من ملابسهم في المنشأة التي بلغت درجة حرارتها فقط ٧ درجات مئوية.

أوضحت هذه الدراسة بالتفاصيل المؤلمة كيف كانت وكالة الاستخبارات المركزية تُصمم وتُشجع التعذيب حتى انفجر بعض عملائها القائمين على التعذيب في البكاء، وحتى الأطباء والطاقم الطبي صاروا متواطئين وتغاضوا عن هذه الاعتداءات، مُصرحين بالمزيد من العنف الجسدي تجاه المعتقلين.

إنها دراسة عن تجرد تام من الإنسانية تقشعر له الأبدان. وبرغم أن الدراسة محصورة على تقييم وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية فقط، إلا أن الفظائع التي ارتُكبت في أبي غريب أظهرت أن مثل هذه الأساليب الوحشية قد استُخدمت على نطاق أوسع من قبل الجيش كذلك.

حقق اثنين من علماء علم النفس العسكريين، وهم چيم ميتشيل وبروس جيسين، ثروة طائلة من التعذيب. فقد ابتكرا الكثير من أساليب التعذيب، وقاما بالإشراف عليها، كما أنشئا شركة أشرفت على تنفيذ برنامج وكالة الاستخبارات المركزية وتوسعت فيه، وفي المقابل كافأتهم الوكالة بمبلغ 81 مليون دولار.

صرحت إدارة أوباما أنها لن تحاكم أي شخص قام بالممارسات المذكورة في التقرير. الشخص الوحيد الذي حوكم على ذلك كان ضابطاً سابقاً ومحللاً بالوكالة، يُدعى جون كيرياكو الذي يقضي 30 شهراً بالسجن.

النفاق الصارخ في أسلوب الولايات المتحدة، حيث قرع طبول الحرية والديمقراطية والسلام، بينما جرائم التعذيب والقتل وغزو البلاد، يكاد لا يصدق. سفارات الولايات المتحدة في مختلف أنحاء العالم حالياً في حالة تأهب قصوى تحسباً لهجمات إرهابية مُحتملة. لا يهم عدد الأشخاص الذين عُذّبوا، ولا يهم عدد البلدان التي تُغزى، ولا يهم مئات الألاف من الأرواح التي تُزهَق، ولا يهم التمادي في كل ذلك، فالولايات المتحدة “تُقاتل من أجل الحرية والديمقراطية”، لقد قُتل أكثر من 2400 شخص في غارات عصر أوباما وحده.. وتستمر الحروب.

الولايات المتحدة دولة إرهابية بشكل واضح، ولا يزال قادة وكالة الاستخبارات المركزية، وكبار القادة العسكريين واليمين السياسي يصطفون من أجل التبرير والتهليل للتعذيب. ووفقاً لممثل الجمهوريين السابق ومذيع الراديو، جو والش، فهؤلاء الذين يقومون بالتعذيب “أبطال أمريكيون”.. هذا هو المنطق الملتوي للإمبريالية.

* المقال منشور باللغة الإنجليزية في ديسمبر 2014 على موقع “الراية الحمراء” الأسترالي

التعليقات