بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الفاشية وداعش

bu2i87jcyaa8tcc.jpg-large

يعد مقال الرفيق غياث نعيسة “الثورة المضادة وتنظيم الدولة الإسلامية” إسهاما قيّمًا للغاية في النقاش حول طبيعة داعش. وبالأخص فإن تأكيد نعيسة على التأثير المدمر للحرب على المجتمعين العراقي والسوري – على مدار عقود في حالة العراق وعلى نطاق زمني أقصر بالنسبة لسوريا – عنصر حاسم في فهمنا للصراعات السياسية والعسكرية في البلدين. كما يؤكد كاتب المقال أيضا على رفض أي حل خارجي لمشكلة داعش في إطار مزيد من التدخل الإمبريالي. ويشير غياث على نحو صحيح الى “أن الاحتلال الأمريكي للعراق دمّر ما تبقى من بنية تحتية ونسيج مجتمعي للبلد وخلق شروط سمحت بنمو مثل هذه الحركات. علاوة على ذلك، فإن الحرب على داعش بقيادة أمريكية لتحالف إمبريالي لن تهزم داعش بل ستجعلها تبدو كقوة مناهضة للإمبريالية مما سيجلب لها مزيد من التعاطف الشعبي”.

وفي سياق الحملة التي تقودها حكومة المحافظين وقطاعات من الإعلام البريطاني لإثارة الخوف من داعش من أجل تبرير مزيد من التدخل العسكري، فإن توضيح هذا التحليل وكونه مٌقدم من اشتراكي ثوري سوري أمر في غاية الأهمية.

نتفق مع أغلب ما ناقشه غياث بعمق وإيجاز في مقاله. ومع ذلك هناك نقطة واحدة محددة في تحليله نرى أنها تحتاج للتعقيب والمزيد من المناقشة، وهي المقترح الخاص بالنظر لداعش من خلال منظور تجربة الفاشية في تاريخ أوروبا. نود مجددًا التأكيد على أن إسهام غياث في النقاش حول هذه المسألة مرحب به جدًا للمساعدة في إيضاح وصقل تحليل داعش بصورة شاملة. وكما سنوجز أسفل المقال، نعتقد حتى الآن بوجود عدد من المشكلات في أي تحليل داعش بالرجوع للفاشية، تظل الاختلافات بين داعش والحركات الفاشية الأوروبية في الثلاثينات أكثر أهمية من التشابهات بينهما.

كما نلاحظ أن غياث يطرح صراحة أن مدخله التحليلي لا يعتمد علي تفاصيل دينامية الفاشية ضمن حدود أوروبا، ولكنه يقترح أن يتم النظر لداعش من خلال تشابهاتها مع الحركات الفاشية الجديدة في إطار سياق خاص ومحدد. على الرغم من ذلك فالإطار الذي يقترحه نعيسة للتحليل والمقارنة بين كلٍّ من الحركات الفاشية وداعش يستند على نظرية “ليون تروتسكي” الكلاسيكية حول الفاشية، والتي وضعها تروتسكي في أوائل الثلاثينات ردًّا على أزمة اليسار في ألمانيا في سياق صعود النازية.

سنطرح هنا عدد من الأسباب توضح لماذا نعتقد أن المقارنة بين داعش والحركات الفاشية غير مفيدة لتحليل داعش وقد يفتح بابًا من الارتباك حول طبيعة كليهما. وأخيرًا فإننا نعتقد أن أساليب أخرى لدراسة القضية والمقارنة بين داعش وأشكال أخرى من المجموعات السياسية والدينية المسلحة سيكون على الأرجح أكثر إثمارًا في فهم صعود داعش والتطور المستقبلي المحتمل لهذا التنظيم الوحشي.

أولا، فإن السياق الذي صعدت فيه داعش في العراق وسوريا يختلف بشكل كبير عن كل من السياق التاريخي الذي صعدت فيه الحركات الفاشية الأوروبية، والسياق الذي تعمل فيه وريثاتها من الحركات الفاشية اليوم.

ثانيا، إن الدور الذي لعبته الحركات الفاشية في مواجهة ،ثم هزيمة، الطبقة العاملة المنظمة يعد عمليا غائبا في حالة داعش (برغم أن سبب ذلك الغياب عند داعش سببه غياب الطبقة العاملة عمليا كفاعل منظم في سوريا والعراق وليس سببه كون داعش أيديولوجيا أو عمليًّا أقل عداءً للتنظيم الذاتي للطبقة العاملة).

ثالثا، ليست داعش منظمة في قالب حركة اجتماعية مثل الحركات الفاشية، حيث تعمل داعش في معاقلها بشكل أساسي كجيش يدّعي السيطرة على سلطة الدولة وليس كحركة سياسية ذات جناح مسلح. إنّ داعش ليست بالتأكيد حركة جماهيرية بل طليعة نخبوية من المقاتلين يستند تأثيرهم السياسي على قدراتهم العسكرية وليس العكس.

يقترح غياث عددًا من خصائص داعش تدعو للمقارنة بالحركات الفاشية. أولا: داعش مضادة للثورة صراحة “حيث سحقت كل مظاهر الثورة في مناطق سيطرتها”. ثانيا، يشير إلى استبداد ونخبوية داعش الممثَلين في “فرض أسلوب حياة عقائدي ومجتمعي” على المقيمين في مناطق سيطرتها. هذا يصلنا بالنقطة الثالثة وهي أن داعش تتبنى قالبًا معينًا من الأيديولوجية الرجعية، يتميز بالعسكرة وتمجيد العنف، ويتوق إلى ماض أسطوري و يطرح خلق أرستقراطية جديدة ستطهّر الدولة الفاسدة القائمة وتقيم دولتهم مكانها. لم يطرح غياث تحديد هذه النقطة ولكن يمكننا إضافة أن جوانب الأبوية ومعاداة المرأة بهذه الأيديولوجية قد تكون نقطة تصلنا إلى المقارنة بين الحركات الفاشية الكلاسيكية وداعش. كما أن الدافع وراء الإبادة الجماعية عند الحركات الفاشية الكلاسيكية والطائفية المقيتة عند داعش قد تكون نقطة التقاء أخرى بينهما.

ومع ذلك، فإن النقطة الحاسمة في تحليل غياث هي دفعه بأن داعش تشارك الحركات الفاشية الكلاسيكية في قاعدتها الاجتماعية، وهي التي سماها تروتسكي “الغبار البشري”، من حرفيي وتجار المدينة وموظفي الحكومة والكتبة والفنيين والانتلجنسيا والفلاحين المفلسين ويمكن إضافة العاطلين. علاوة على ذلك، يؤكد غياث أن حشد هذا الغبار البشري في شكل ميليشيات عسكرية لمحاربة الدولة القائمة وتأسيس دولة فاشية هو المفتاح لفهم تكوين كل من داعش والحركات الفاشية.

إن غياث محق تمامًا في أن يصر، كما أصر تروتسكي أيضا، على ما يسميه جيم وولفريز “قوة الفاشية كحركة مستقلة” بدلا من تصويرها بفجاجةّ كمجرد أداة في يد رأس المال. ومع ذلك، فالفاشية لم تصل للسلطة في ألمانيا من خلال محاربة الدولة القائمة عسكريا بل من خلال (كما أشار غياث على نحو صحيح في مكان آخر) عملية معقدة تضمنت مواجهات مباشرة مع منظمات الطبقة العاملة، ناشرة معاداة السامية ومعاداة الشيوعية لحشد قاعدتها الاجتماعية الجوهرية، وإقناع قطاعات من الطبقة الحاكمة الموجودة بالاستعانة بالحركة على رأس السلطة. وهنا كانت دعوة الرئيس هايندنبرج لهتلر لتولي منصب المستشار، باعتبار هايندنبرج ممثلا عن دوائر محافظة اعتقدت بقدرتها على استخدام “أدولف هتلر” لأهدافها، هذه الدعوة هي التي جعلت من هتلر مستشارًا وليست ببساطة معارك الميليشيات الفاشية في الشوراع. وبينما استند جزء من مطالبات الحركة النازية على تعبئة غضب البرجوازية الصغيرة الشديد ضد كل الأحزاب القديمة التي خدعتها، لم تكن الدولة وممثليها هي هدف الحركة بل كان الهدف آخرين ممن يمثلون مقاومة منظمة للحركة النازية أو كبش فداء مناسب مثل اليهود.

لقد نشأت الحركات الفاشية في أوروبا ما بين الحربين (العالميتين الأولى والثانية) في سياق سحق الطبقات الاجتماعية الوسيطة (الغبار البشري حسب تعبير تروتسكي) من “أصحاب الملكيات الصغيرة المثقلون دائما بالإفلاس وأعباء أبنائهم الخريجيين العاطلين، وأعباء بنات بلا خاطبين أو مهور”، المطحونين دوما من الأزمات الاجتماعية المتكررة من الحرب والهزيمة والتضخم، وعبء التعويضات (التي فرضها المنتصرون في الحرب الأولى على ألمانيا)، الغاضبين من الشعور بالمهانة الوطنية من جراء احتلال إقليم “الروهر” مع استمرار أزمات الفقر واليأس لسنوات وسنوات بدون أمل.

ولذلك ظلت تلك الفئات الوسيطة، على العكس من العمال، المنظمين في منظمات جماهيرية قوية تعبر عن مصالحهم وتقدم أيضًا بديلا اشتراكيا للدولة والمجتمع القائمين، ظلت غير قادرة على التعبير عن مصالحها بشكل منظم، وغير قادرة بالطبع على الهروب من براثن أزماتها ويأسها وغضبها.

إن خيانة وهزيمة ثورة العمال (في ألمانيا 1918) مهدت الطريق لصعود الفاشية. ومن رحم العصابات المسلحة التي لاحقت واغتالت القيادات الثورية مثل “روزا لوكسمبورج” و”كارل ليبكنخت” ولدت أولى المنظمات الفاشية.

كما أشار تروتسكي في 1933 “أنه مثلما أنقذت الديمقراطية الاجتماعية الطبقة البرجوزاية من الثورة البروليتارية؛ جاءت الفاشية بدورها لتحرير البرجوازية من الديمقراطية الاجتماعية”.

ويتجسد الدور التاريخي للفاشية في تدمير كل وأي شكل من أشكال تنظيم الطبقة العاملة سواء كان اتحادات عمالية أو أحزاب جماهيرية ثورية أو إصلاحية، إنها تفعل ذلك بالنيابة عن الطبقة البرجوازية الرأسمالية ولو لم تكن مكلفة بذلك من البرجوزاية صراحة. هذا الدور هو، كما كتب الاشتراكي الثوري البريطاني الراحل “كريس هارمن”، هو مفتاح فهم ما يميز الحركات الفاشية عن حركات أخرى لها نفس القاعدة الاجتماعية تظهر في لحظات مختلفة في التاريخ.

يكتب هارمان: “فقط تصبح حركات البرجوازية الصغيرة فاشية عندما تصعد عند نقطة معينة في الصراع الطبقي وتلعب دورًا محددًا، هذا الدور ليس فقط لحشد البرجوازية الصغيرة، وإنما لاستغلال المرارة التي تشعر بها هذه الفئات نتيجة أزمة حادة سببها لها النظام، وتحويلهم إلى بلطجية منظمين جاهزين للعمل لمصلحة رأس المال في تمزيق التنظيمات العمالية.

هناك مظاهر أخرى للحركات الفاشية ليست حكر على الفاشية – مثل تكوينها الاجتماعي أو منها إيدولوجيتها الرجعية (و ما تشمله من عبادة الزعيم وعشق النخبوية العسكرية الدموية والإبادة الجماعية على أساس عنصري) ، أو أشكال تنظيم الحركة قبل تولي السلطة وممارساتها أثناء وجودها في السلطة – كل هذه المظاهر لا تختص بها الفاشية وحدها.

بالإضافة إلى ذلك فإن هناك صعوبات في محاولة تطبيق نسخة من هذا التحليل لجذور وخصوصيات الفاشية على نشأة داعش في العراق وسوريا. فالحقيقة هي، كما أشار غياث ذاته في مقاله، أن نظام بشار الأسد شديد القمعية والذي نهج سياسة القتل الجماعي الممنهج والتدمير الشامل هو ما قصم ظهر الحركة الشعبية وخلق ظروف من الدمار الاجتماعي والاقتصادي استغلتها داعش منذ صيف 2014 لتوسعها الطاغي في سوريا. وبالطبع فإن داعش تقمع هي أيضًا أي محاولة للعمل الجماهيري أو الديمقراطي في مناطق سيطرتها، ولكن تظل حقيقة أن تراجع وانهيار الحركة الشعبية كان شرطا مسبقا لتوسع داعش، وليس نتيجة له.

كما أشار غياث في مقاله، ففي المناطق التي تحكمها تحاول داعش إعادة فرض النظام العام ليس فقط من خلال الترويع والعنف ولكن أيضا من خلال تقديم حد أدنى من الخدمات العامة والمرافق والغذاء ودعم الوقود. من خلال هذا المزيج من الإرهاب والرعاية يبدو في بعض الحالات أن داعش تكسب على الأقل تأييدًا سلبيًّا من قطاعات كبيرة من المواطنين المحليين الذين عانوا لسنوات حرمانا قاسيا وانعداما للأمن. ولكن هل هذه الطبقات الداعمة جزء متأصل ونشط في دعم داعش سياسيا ناهيك عن دعم داعش من خلال الانضمام لهم كقوة عسكرية؟

في محاولة للإجابة على هذا السؤال يمكننا أن نلقي نظرة على ديناميكة توسع داعش والطريقة التي احتلت بها مناطق في سوريا وفرضت سيطرتها فيما أسمته “دولة الخلافة”.

تمددت داعش بشكل مذهل بواسطة خليط من الانتصارات العسكرية وضمان ولاء آخرين من المجموعات الجهادية الأصغر.

أكثر انتصارت داعش العسكرية إثارة للدهشة حدث في العراق أمام الجيش العراقي: احتلال داعش السريع للموصل في يونيو 2014 لم يكن فقط دليل على الحالة الكارثية للجيش العراقي بل أيضا مؤشر على القدرات العسكرية لداعش أيضا إذ لم يتمكن قبل ذلك أي فصيل جهادي آخر من إلحاق هزيمة كارثية بجيش مدرب من قِبل الولايات المتحدة. وكما يشير غياث، فإن وجود عدد من الضباط البعثيين السابقين في قيادة داعش يمكن أن يكون أحد العوامل وراء هذا التفوق من ناحية التنظيم والتكتيكات العسكرية مقارنةً بالمجموعات الأخرى.

نتج عن احتلال الموصل أن داعش استطاعت أن تستحوذ على كم هائل من المعدات العسكرية التي استخدمتها لاحقًا في احتلال مناطق شاسعة مُستنزفة من العراق وسوريا وفرض سيطرته عليها.

لا يمكن إنكار التفوق العسكري الكمي والكيفي لداعش على المجموعات الجهادية الأخرى. وكما جاء في شهادة حديثة للكونجرس الأمريكي من “ليندا روبنسن” الباحثة في مؤسسة “راند” فإن نجاح داعش في الاستيلاء على الموصل جعل المجموعة أفضل عتادًا بالمدرعات والأسلحة الثقيلة من الجيش العراقي. هذا التطور في قوة داعش، بالإضافة إلى دعايتها المحرضة على الإرهاب، أدى إلى أن مجموعات كثيرة صغيرة من الجهاديين أقسمت الولاء لما يُسمى بدولة الخلافة دون أي قتال، وآخرون هزمتهم داعش وأبادتهم.

بالتأكيد فإن داعش ليست محصنة ضد النكسات كما اتضح من معركة مدينة كوباني الكردية في سوريا في 2015 إذ منعت المقاومة العنيفة من المقاتلين الأكراد داعش من احتلال المدينة مما اضطرها لفرض حصار عليها من الخارج، وهو الأمر الذي جعل قوات داعش فريسة سهلة للقصف الجوي الأمريكي.

ما تفتقده الصورة العامة المذكورة أعلاه هو أي شيء يمكن اعتباره محاولات من داعش وداعميها لبناء حركة سياسية تكسب تأييد جماهيري في المناطق التي تسيطر عليها داعش قبل الاستيلاء عليها.

ورغم أن القنوات الإعلامية تحاول أن تصور الحياة تحت حكمها كحياة مزدهرة آمنة تقية مما يوحي أن التنظيم يتفهم ضرورة الموازنة بين الإكراه والقبول، رغم ذلك لا يوجد أي دليل أن داعش تحاول أن تنظم نفسها في شكل حركة اجتماعية (مثل الفاشية) في المناطق تحت سيطرتها العسكرية. علي النقيض من ذلك فإن مقاتلي داعش يتصرفون مثل “الفتوة الشبيح” الذي يظهر فجأة لجبي الأموال من أصحاب المحلات والمطاعم المرعوبين مقابل الحماية أو ليهدد أصحاب الصيدليات بالإغلاق في حال العثور على أدوية مغشوشة معدة للبيع.

تقدم تجربة استيلاء داعش ثم فقدانها لمدينة درنة في ليبيا درسًا مفيدًا في هذا الصدد. إذ أعلنت داعش في نوفمبر 2014 درنة ولاية تابعة لها بعد إعلان المجموعة الجهادية المسيطرة آنذاك محليا (مجلس شورى شباب الإسلام) الولاء لزعيم داعش أبو بكر البغدادي. وعلى مدار الستة أشهر التالية حاولت داعش إدارة بعض الأنشطة الحكومية ترواحت بين إصلاح الشوارع وتشغيل المحاكم (مرورا بالاعدامات العلنية). إلا أنه في يونيو 2015 على الخروج من المدينة في يونيو 2015 بعد أن خسرت صراعًا مسلحًا مع مع فصيل جهادي مسلح آخر هو سرية شهداء أبو سالم والذي كما يبدو كان مدعوما من السكان المحليين.

في ظل الطابع الطائفي وغير المتناهي العنف لدعاية داعش كان يمكننا أن نتصور أن التنظيم سيحرض مؤيديه من المدنيين على ارتكاب مذابح ضد الأقليات الدينية والعرقية، ولكن على النقيض من ذلك، تمجد داعش في دعايتها عن نفسها من دور مقاتليها أنفسهم في تنفيذ المذابح الطائفية، وتكتفي بتشجيع أعضائها المرتقبين على التطوع كجنود تحت قيادة داعشية وليس لتنفيذ الهجمات الطائفية بأنفسهم.

تشير كل هذه النقاط إلى حقيقة كون داعش في جوهرها مجموعة مسلحة، ظهرت في سياق من التمرد والحرب الأهلية، وليست حركة اجتماعية. هذا لا يعني أن قضية الأساس الاجتماعي للتنظيم هي قضية غير هامة في فهم طبيعة هذا التنظيم – فجنود داعش وقادتها ربما يكونوا إلى حد كبير منتسبين لخلفيات اجتماعية محددة. ولكن يظل الفارق الحاسم بين داعش و الحركات الفاشية أن الحركات الفاشية أثبتت تاريخيا قدرتها على توليف قوات ميليشيات عسكرية إلى جانب مدنيين منظمين في حركة واحدة متماسكة (وهو ما لم تفعله أو حتي تريده داعش).

إن ما أدّى للنجاح السياسي الغريب لمنظمة مثل داعش هي الظروف التي وصفها غياث بدقة في مقاله: عقود من الحرب والعقوبات والاحتلال في حالة العراق والدمار التام لأجزاء كبيرة في حالة المجتمع السوري.

في النهاية؛ يوجد سياقات وأنواع أخرى من الحركات التي قد تمدنا بمقارنات أكثر نفعًا مع داعش من المقارنات مع الفاشية. لو انطلقنا ليس من الطابع الأيديولوجي لداعش كحركة وإنما من ظروف المنطقة التي نشأت فيها سيكون من السهل إيجاد مقارنات أخرى محتملة.على سبيل المثال، في أفريقيا الوسطى، التي خُرِّبت عبر سنوات من الحرب بين وداخل دول المنطقة وعانت من النزوح الجماعي للسكان والإبادة الجماعية والتطهير العرقي. ظهرت ونمت في منطقة أكوليلاند في أوغندا في أواخر الثمانينات مجموعات مثل “جيش الرب” المقاوم بقيادة “جوزيف كوني”.

تدعي مجموعة “جيش الرب” رغبتها في بناء نظام اجتماعي جديد مستمد من الوصايا العشرة للكتاب المقدس. ويتحمل جيش الرب مسئولية مذابح وحملات منظمة من الاغتصاب الجماعي والتشويه الجسدي، بالإضافة إلى جرائم لا حصر لها في خطف الأطفال وتجنيدهم، مع وجود تقارير عن إيذاء واغتصاب آلاف من النساء والفتيات الصغيرات. على الرغم من كون جيش الرب أضعف كثيرا اليوم من وقت ذروة حملاته في التسعينات إلا أن عدد من قتلهم في أوغندا وحدها يقدر بمائة ألف مواطن وتسبب في نزوح 1.6 مليون أخرين. وقد كان الدافع الأوّلي لظهور هذا التنظيم هو تمرد في منطقة “أكوليلاند” على خلفية مذابح قام بها الجيش الوطني المقاوم بقيادة “يوري موسيفيني” الذي استولى على السلطة في أوغندا عام 1986.

قد يبدو إن روابط داعش العابرة للحدود – وما تشمله من تطور دورها كمركز ثقل بديل عن القاعدة بالنسبة لشبكة الجهاد الدولية – تفصلها عن حالات مثل حالة أوغندا. إلا أنه إذا تفهمنا صعود داعش في سياق هزيمة الثورات العربية وأزمة الحركات الإسلامية ذات الطابع الإصلاحي مثل الإخوان المسلمين في مواجهة الثورة المضادة كعامل مؤثر في شرح كيف حازت داعش هذا الصدى فيما هو أبعد من مناطق سيطرتها، سيمكننا أن نرى أن داعش لديها الكثير من القواسم المشتركة مع تنظيمات الميليشيات المسلحة مثل “جيش الرب” المقاوم – والتي ظهرت أيضا في سياقات من الحروب والصراعات العرقية والدينية المتصلة والمؤججة بمنافسات من دول إقليمية والتدخلات الإمبريالية – أكثر مما تقتسمه مع الحركات الفاشية.

إن الفاشية في جوهرها هي حشد لفئات كبيرة من البرجوازية الصغيرة في حركة جماهيرية عنيفة تهدف لتدمير قدرة الطبقة العاملة على النضال. إنّ هذا التحليل هو مفتاح فهم الدور التاريخي للفاشية. من وجهة النظر هذه، علينا أن نجادل أن داعش لا يمكن اعتبارها فاشية لأنه، وعلى الرغم من عنفها الشديد ورجعيتها الشديدة، لا يوجد دليل على عزمها أو محاولتها بناء أي حركة جماهيرية (فاشية)، ويظل الواقع أن داعش نشأت في لحظة مختلفة من الصراع الطبقي في العراق وسوريا عن تاريخ وسياق نشأة الفاشية.

إن القمع الوحشي لنظام الأسد هو ما دمر الحركة الشعبية السورية وثورة الشعب السوري، ومن ثَم أوجد ظروف نمو داعش كمجموعة عسكرية نخبوية. أما في حالة العراق فلم تقم ثورة من الأساس ولهذا لم تظهر داعش هناك من الأساس كقوة مضادة للثورة.

إنّ غياث محق تماما في تأكيده على أولية النضال ضد نظام الأسد، وإصراره على أن أن إسقاط النظام هو شرط أساسي لسحق أي قوى الفاشية والرجعية. وكما أكد هو ذاته سابقًا أن التدخل الإمبريالي فقط سيغذي الخطاب المعادي للغرب وسيساعد على إعادة إنتاج الديكتاتورية البعثية.

تكمن حيوية الثورة السورية في تعبئة الجماهير التي أطلقت شرارة النضال الثوري في 2011. كما أوضح غياث، حتى في المناطق التي يحكمها مجموعات إسلامية رجعية أو يحكمها نظام الأسد يستمر النشطاء في تنظيم الاحتجاجات والحملات مستلهمين مطالب وآمال الحركة الشعبية.

إن أفضل ما نرجوه لمستقبل الحركة الثورية السورية يكمن بالتأكيد في حفظ هذا التراث الشجاع حيًا لجيل جديد.

هوامش:
1: Naisse, 2015, p86.
2: Naisse, 2015, p86.
3: Naisse, 2015, p86
4: Naisse, 2015, p86.
5: Naisse, 2015, p86.
6: Naisse, 2015, p88.
7: Naisse, 2015, p87.
8: Naisse, 2015, p88.
9: Wolfreys, 2006.
10: Trotsky, 1971, p400.
11: Trotsky, 1971, p400.
12: Trotsky, 1971, p400.
13: Trotsky, 1971, p402.
14: Harman, 1994, p20.
15: Robinson, 2015, p2.
16: Gambhir, 2015, pp4-5; Fowler, 2014; Institute for the Study of War, 2015.
17: Pells, 2014.
18: Gatten, 2015.
19: International Crisis Group, 2004.
20: See Alexander, 2015, and Alexander, 2016 (forthcoming), for more on this point.
21: Naisse, 2015, p89.

مراجع:
– Alexander, Anne, 2015, “ISIS and Counter-revolution: Towards a Marxist Analysis”, International Socialism 145 (winter), http://isj.org.uk/isis-and-counter-revolution-towards-a-marxist-analysis
– Alexander, Anne, 2016 (forthcoming), “ISIS after Mosul”, Critical Muslim, issue 17 (January).
– Fowler, Evan, 2014, “From Raqqa to Derna: Exceptionalism in Expansionism”, Jadaliyya (4 December), http://tinyurl.com/qawczqd
– Gambhir, Harleen, 2015, “ISIS Global Intelligence Summary”, Institute for the Study of War (May), www.understandingwar.org/sites/default/files/ISIS%20INTSUM_Final.pdf
– Gatten, Emma, 2015, “LRA War Crimes Trial: Joseph Kony General Abducted into Lord’s Resistance Army as a Child is Charged with Crimes against Humanity”, Independent (26 January), http://tinyurl.com/o898qoe
– Harman, Chris, 1994, “The Prophet and the Proletariat”, International Socialism 64 (autumn), www.marxists.org/archive/harman/1994/xx/islam.htm
– International Crisis Group, 2004, “Northern Uganda: Understanding and Solving the Conflict” (14 April), www.crisisgroup.org/~/media/Files/africa/horn-of-africa/uganda/Northern%20Uganda%20Understanding%20and%20Solving%20the%20Conflict.pdf
– Institute for the Study of War, 2015, “ISIS Loses Libyan Stronghold” (24 June), www.understandingwar.org/backgrounder/isis-loses-libyan-stronghold
– Naisse, Ghayath, 2015, “The ‘Islamic State’ and the Counter-revolution”, International Socialism 147 (summer), http://isj.org.uk/the-islamic-state-and-the-counter-revolution
– Pells, Rachel, 2014, “Sexual Violence in the Democratic Republic of Congo: ‘I Went to Speak about Human Rights…People Believed they had none’”, Independent (24 November), http://tinyurl.com/q56gkrd
– Robinson, Linda, 2015, “An Assessment of the Counter-ISIL Campaign”, RAND Corporation, (24 June), www.rand.org/pubs/testimonies/CT435.html
– Trotsky, Leon, 1971 [1933], The Struggle Against Fascism in Germany (Pathfinder), www.marxists.org/archive/trotsky/germany/1933/330610.htm
– Wolfreys, Jim, 2006, “What is Fascism?”, International Socialism 112 (autumn) http://isj.org.uk/what-is-fascism

* المقال منشور في مجلة “الاشتراكية الأممية” الفصلية البريطانية – عدد أكتوبر 2015

   

التعليقات