بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساندرز والانتخابات الرئاسية الامريكية: من أين ستأتي الاشتراكية؟

بيرني ساندرز

ما نعنيه بالاشتراكية مرهون بسؤالين: ما هو تصورنا للكيفية التي يمكننا بها تحقيق مجتمع جديد، ومن القادر على تحقيق هذا المجتمع. آلان ماس يشرح لنا الأسباب.

حان الوقت لكي تطرح جريدة “العامل الاشتركي” هذا السؤال: ما الأمر المهم الذي حدث في يناير 1937؟

إنني أسأل هذا السؤال لأن ذِكْر ذلك الشهر (يناير 1937) قد ورد بشكل بارز في خطاب من الحملة الرئاسية لبرني ساندرز (1) الذي ألقاه الشهر الماضي وشرح فيه ما يعنيه بالاشتراكية. وقد أشار ساندرز، في جملته الافتتاحية، إلى خطاب التنصيب الثاني للرئيس فرانكلين روزفلت في يناير 1937، عندما وصف الآثار المدمرة الناجمة عن فترة الكساد الاقتصادي الكبير Great Depression الذي بدأ في 1929 ودافع عن تشريعات البرنامج الاجتماعي الاقتصادي الإصلاحي الجديد New Deal، مثل تشريعات حماية وإنعاش الصناعة الوطنية التي صدرت في فترته الرئاسية الأولى.

واستمر ساندرز في حديثه قائلا: “لم يتوانَ رزفلت عن العمل. ففي مواجهة المعارضة الشرسة للطبقة الحاكمة في زمنه، وهم الناس الذين أطلق عليهم روزفلت تسمية الملكيين الاقتصاديين، نفّذ سلسلة من البرامج التي أعادت ملايين من الناس إلى سوق العمل، وأخرجتهم من الفقر وأعادت بناء ثقتهم بالحكومة. وأعاد تحديد علاقة الحكومة الفيدرالية بشعب هذا البلد. وحارب روح التشاؤم والخوف واليأس. وبث الروح من جديد في الديمقراطية. لقد أحدث تحولًا كبيرًا في هذا البلد”.

وبعد ذلك بدقائق قليلة، أشار ساندرز إلى رئيس أمريكي آخر هو ليندون جونسون (1963 – 1968) – وهو اختيار أبعد احتمالا من أن يرد في خطاب عن الاشتراكية. قال ساندرز: “أصدر ليندون جونسون تشريعات الرعاية الطبية والدعم الطبي لتوفير الرعاية الصحية لملايين من المواطنين كبار السن، والأسر التي تعول أطفالا والأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة وبعض الناس الأشد فقرا في البلد”.

وكان رد فعلي الأول لما قاله ساندرز: مهلًا، هل فعلا ذلك من تلقاء نفسيهما؟

أما رد فعلي الثاني فكان يماثل ردود أفعال كثير من كتاب اليسار الذين لاحظوا أن قائمة ساندرز للشخصيات التاريخية المرتبطة بالاشتراكية قد خلت من الاشتراكي الحقيقي الذي يقال إن صورته معلقة على جدران مكتب ساندرز بمجلس الشيوخ: يوجين ف. ديبس الذي خاض سباق الرئاسة في 1914 و1918.

لم يشر ساندرز حتى إلى التقليد المعتدل للديمقراطية الاجتماعية الاسكندنافية كما فعل في المناظرة الأولى للمرشحين الرئاسيين من الحزب الديمقراطي. وبدلًا من ذلك، احتفى خطابه عن الاشتراكية بالإنجازات التشريعية لأرستقراطي أمريكي (روزفلت) وصف نفسه بأنه “أفضل صديق على الإطلاق لنظام الربح” وأحد الموالين الشرسين للجناح الديكسيراتي العنصري في الحزب الديمقراطي (جونسون).

حسنا، ولكن لنعد إلى السؤال الأول في هذا المقال: كان خطاب تنصيب روزفلت (1932 – 1944) حدثًا بالغ الأهمية.

مثلما يعد من الأمور المهمة أن يخوض بارني ساندرز معركة الترشح عن الحزب الديمقراطي ويسمي نفسه اشتراكيا ويدعو، في أثناء ذلك، لأفكار سياسية تقدمية، فقد كان أمرا مهمًا أن يعيد روزفلت، والذي كان قد خرج لتوه من انتصار ساحق في الانتخابات التي جرت في شهر نوفمبر 1936، تأكيد التزامه بجدول عمل إصلاحي في مواجهة عداء بعض القطاعات من زملائه الرأسماليين.

ولكن إذا كان روزفلت هو الأمر الوحيد المهم الذي أخذته في اعتبارك وانت تجيب على السؤال، فإنني لا استطيع أن أعطيك الدرجة كاملة.

فبالنسبة للاشتراكيين، كان هناك أمر أكثر أهمية يحدث في يناير 1937، وهو إضراب عمال جنرال موتورز للسيارات واعتصامهم بالمصنع في مدينة فلِينْت Flint بولاية ميشيجان.

بدأ الإضراب قبل أيام قلائل من بداية السنة الجديدة، ولم ينته إلا في منتصف فبراير عندما استسلمت جنرال موتورز ووقعت لأول مرة اتفاقية تعترف فيها بنقابة تمثل عمال الشركة. ولكن اعتصام العمال ظل على قدم وساق على امتداد يناير. فبينما كان روزفلت يلقي خطاب تنصيبه في واشنطن، كان المضربون المعصتمون، على بعد 500 ميل في فلينت، في طريقهم لكسب المعركة المحورية في أهم فترة في تاريخ حركة الطبقة العاملة في الولايات المتحدة الأمريكية.

كان العمال قد أحرزوا من قبل انتصارات في النضالات العمالية العظيمة التي شهدتها الثلاثينيات لكنها لم تكن انتصارات كثيرة، وبقيت الشركات الصناعية الكبيرة وفي مقدمتها “جنرال موتورز” تتمسك بلا هوادة بسياسة المنشأة الصناعية المفتوحة Open Shop Union Policy(2) دون أن تتورع عن استخدام أي شكل من أشكال العنف البدني أو الاقتصادي مهما كانت قسوته. وعلى ذلك فإن مؤتمر المنظمات الصناعية (CIO)، وهو التنظيم النقابي الذي كان قد شكله منذ فترة قصيرة قطاع من القيادات النقابية تحت ضغط من جماهير العمال بغية تنظيم العمال غير المنظمين، كان مازال يبحث عن سبيل لإحراز تقدم في تحقيق هذا الهدف.

إن مفتاح الفوز في فلينت كان المشاركة الحاشدة لعمال جنرال موتورز والدعم الذي حظوا به من الطبقة العاملة خارج المدينة. فما إن بدأ العمل باحتلال المصنع في فلينت، حتى كانت تتابعت الإضرابات على امتداد السلسلة الإنتاجية لجنرال موتورز في مدن أخرى. وفي تلك اللحظة أذعنت الشركة لمطالب 140 ألف عامل من أصل 150 ألف في خطوط انتاج جنرال موتور شاركوا في الإضراب سواء بالتوقف عن العمل أو باحتلال مصانعهم. كانت مطالبهم تشمل الاعتراف بالنقابة، وعقود عمل موقعة، وثلاثين ساعة عمل في الأسبوع، وست ساعات عمل في اليوم، ونظامًا للأقدمية، ومشاركة النقابة في تحديد سرعة خط التجميع.

وقد أثبت احتلال المصنع أثناء الإضراب أنه وسيلة فعالة للغاية في الضغط. فباحتلال العمال للمصنع لم تتمكن الإدارة من اللجوء إلى تشغيل عمال غير مضربين (كاسري الاضرابات) للاستمرار في الإنتاج، كما أن خوف الشركة من تدمير ممتلكاتها ساعد على كبح عنف رجال الشرطة.

ولكن الاعتصامات كان لها تأثيرًا أوسع نطاقًا. فقد حفزت هؤلاء الذين شاركوا فيها وأكسبتهم الجرأة، فكما قالت شارون سميث في كتابها “نار تحت السطح”:

“لكي ينجح احتلال مصنع ما لابد أن يكون هناك تنظيم واسع النطاق إلى حد كافٍ، سواء لحماية المصنع أو لتوفير الاحتياجات المادية الأساسية للمضربين. ومن هنا، كان معتصمو فلينت يعقدون اجتماعات يومية يشارك فيها كل المضربين في المصنع. ويضعون نظامًا روتينيًا للتنظيف ويقومون بتدريبات للدفاع عن النفس، وينظمون برامج ترفيهية. بل أنهم أقاموا “محاكم” يمكن لها النظر في المظالم (وكانت كثيرة على على سبيل المزاح فيما يبدو، وكنوع من الترفيه).

كان مؤيدو الإضراب وعائلات المضربين ينظمون [خارج أسوار المصنع] صفوفًا للدعم ولتوفير الوجبات للمعتصمين، وجمع التبرعات لهم. وقامت شبكات التضامن للنشطاء النقابيين بتنظيم نقابيين للمجيء إلى فلينت للمشاركة في فعاليات التضامن والدعم الجماهيري.
وباختصار، فإن احتلال العمال للمصانع قد أتاح لهم أن يتذوقوا طعم السيطرة الحقيقية على حياتهم.”

إن انتصار العمال في جنرال موتورز ، قلعة الشركات الصناعية الأمريكية، فتح الباب أمام الفيضان – فخلال أسابيع، وافقت شركة أخرى عملاقة هي شركة الفولاذ الأمريكية (US Steel Corp) على العقد الذي طرحه مؤتمر المنظمات الصناعية وبدون الحاجة إلى إضراب. وخلال شهور، انضم 3,7 مليون شخص لعضوية المؤتمر(CIO) بحيث تجاوز في عدد أعضائه الاتحاد الأمريكي للعمل (AFL) الأقدم والمحافظ في سياساته، والذي نما هو الآخر نتيجة لقوة موجة الإضرابات.

وكما ذكر المؤرخ سيدني فاين، فقد جرى تبني الإضراب مع الاعتصام من كل نمط يمكن تصوره من العمال -عمال المطبخ والمغسلة في مستشفى “إسرائيل- صهيون” في بروكلين، وعمال صناعة أقلام الرصاص، وحارسي العقارات، وعمال جمع الكلاب الضالة، وعمال طباعة الصحف، والبحارة، وعمال شركات التبغ، وعاملات شركة “وولورث”، وعمال نسيج السجاد، وموظفي الفنادق والمطاعم، وخبازي الفطائر، وعمال صناعة الساعات، ورجال جمع القمامة، وسعاة البريد في وسترن يونيون، وعمال صناعة النظارات، وعمال قطع الأخشاب.
وبنهاية العام، كان حوالي نصف مليون عامل في جميع أنحاء الولايات المتحدة قد شاركوا في شكل من الأشكال في اعتصام، وحوالي مليوني عامل قد شاركوا في شكل من أشكال التوقف عن العمل.

لقد غيرت حركة النضال العمالي الجماهيرية من المجتمع الأمريكي، ونجحت في تنظيم العمال في الصناعات الإنتاجية الأساسية.
– – – – – – – – – – – – – – – –

وسبب الرجوع إلى ذلك الماضي – بالإضافة إلى تذكر التمرُد المُلهم للطبقة العاملة الذي لا يعرفه سوى عدد قليل جدًا من الناس – هو دلالات هذا الماضي بالنسبة لموضوع خطاب ساندرز: معنى الاشتراكية.

وقد ظل هذا المعنى موضع نقاشٍ، بين أناس لهم أفكار ورؤى شديدة الاختلاف، على امتداد ما يقرب من قرنين من الزمان، ولكن الانقسام الأساسي على امتداد تاريخ الحركات والأفكار الاشتراكية كان، حسبما يقول الاشتراكي الأمريكي هال دريبر، بين المؤمنين بالاشتراكية (من أعلى) والقائلين بالاشتراكية من (أسفل).

الشيء المشترك بين كثير من مختلف أشكال الاشتراكية من أعلى هو تصور أن الاشتراكية (أو نسخة مقبولة منها) يجب أن تٌمنح بشكل أو بآخر للجماهير، التي يجب أن تكون مُمتنة، من قبل النخبة الحاكمة التي لا تخضع لسلطتهم في الحقيقة. وجوهر الاشتراكية من أسفل هو النظر إليها بأنها لا يمكن تحقيقها إلا من خلال تحرك الجماهير المستنفرة للنضال من أجل الانعتاق، ساعية للحصول بأيديها على الحرية، بعد أن يجري حشدها لتأخذ مصيرها بأيديها، كقوة فاعلة (وليس كمجرد أداة) على مسرح التاريخ.

ولن يكون أي قارئ لهذا الموقع مندهشًا لو أنني وضعت اشتراكية برني ساندرز في فئة الاشتراكية “من أعلى”.

إن من الصعب أن نصف الكثير مما يقوله ويفعله ساندرز بالاشتراكية على أية حال. مثل إشادته في خطاب نوفمبر ليس فقط برئيسين ممن يناصرون الرأسمالية بشكل مُعلن، بل إشادته كذلك بتحالف الناتو العسكري الذي اتخذته الولايات الأمريكية والحكومات الأوروبية وسيلة لشن حروب وتحقيق مصالح إمبريالية. وهناك أيضا موضوع وعده بأن يدعم، كما فعل لعقود كثيرة، من يختاره الحزب (الديمقراطي) المناصر للشركات الكبيرة، أيًّا كان، ضد أي مرشح يساري مستقل، حتى وإن كان هذا المرشح يُعرِّف نفسه كاشتراكي.

فإن نحينا ذلك جانبا، فإن التقليد الذي تنبع أفكار ساندرز منه إلى حد كبير – الديمقراطية الاجتماعية التي ازدهرت في أوروبا، على النقيض من انعكاسها الشاحب والمشوه في الولايات المتحدة، خلال سنوات ما بعد الحرب في القرن العشرين – هو، وبامتياز، معسكر الاشتراكية من أعلى.

فإن كان يمكن اختصار رسالة حملة ساندرز الرئاسية، فإنها ستكون كالتالي: إنه يرغب في حمل الحكومة على العمل لصالح الطبقة العاملة التي تشكل غالبية المجتمع، لا لصالح الطبقة الحاكمة التي تشكل الأقلية.

وليس هناك من شك أن ساندرز كانت لديه حسابات معينة في إعطاء خطاب له قبول في القاعدة الليبرالية للحزب الديمقراطي، بحيث يقرن نفسه باثنين من قادة الحزب الديمقراطي التاريخيين اللذين مازالا يحظيان بأعلى درجات الاحترام في الحزب، بدلا من أن يقرن نفسه بالاشتراكيين الحقيقيين. وتظل حقيقة أن مرجعيات ساندرز كانت وما تزل دائمًا نفس البرامج الحكومية للبرنامج الإصلاحي الاجتماعي الجديد لرروزفلت والحرب على الفقر لجونسون التي أشار إليها – وليس النضال الطبقي في أماكن العمل مثل فلينت والذي شكل ضغطًا على الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة لتقبل هذه الإصلاحات حتى لا تواجه خطر الثورة.

هل هذه النقطة على درجة كبيرة من الأهمية؟

إن كثيرين من أنصار ساندرز في صفوف اليسار يمكن أن يتفقوا مع كل النقاط أعلاه، ولكنهم يقولون أنهم لا ينتظرون منه أن يُعرف لهم الاشتراكية، وأن أهمية حملته تكمُن في تقديم الأفكار الاشتراكية إلى الحياة السياسية العامة.

هناك شيء من الحقيقة في هذه المقولة. لاشك أنها دفعة قوية وفرصة رائعة للجميع في صفوف اليسار عندما تصف شخصية سياسية رئيسية تقف تحت سطع الأضواء نفسها بأنها اشتراكية، مهما كانت محدودية مواقفه. فساندرز يبث طاقة للملايين من الناس بمناصرته لمواقف اليسار الأساسية – الناس الذين يريدون أن يروا تغييرًا جذريًّا وقد تبينوا أنه لن يأتي من الحالة الراهنة لكل من الحزبين السائدين.

في بداية هذا العام، وفي أحد استطلاعات الرأي التي سألت الناس عن آرائها في الاشتراكية في مقابل الرأسمالية، انقسم أعضاء الحزب الديمقراطي الذين أجابوا عن هذا الاستبيان بشكل متساوي بـ 43% لكل من الجانبين. ولكن عندما سئلوا نفس السؤال بعدها بشهور قليلة – بعد أن بدأت حملة ساندرز في تجميع آلاف الناس في مؤتمرات شعبية وأشعلت جذوة السباق الرئاسي المنطفئ سابقا داخل الحزب – مالت النتائج لصالح الاشتراكية بنسبة 49% في مقابل 37% للرأسمالية. وإلى ساندرز يرجع كل الفضل في هذا التغيير.

يعطي هذا دليل واضح على بزوغ جمهور جديد يستطيع اليسار أن يتحدث إليه عن الاشتراكية. ولكن الفرصة لا تكمُن فحسب في كون هناك إمكانية للمناقشة، بل في ما نقوله عندما نحصل على هذه الإمكانية. إن لدينا فرصة ليس فقط لإظهار التباين الصارخ بين التجليات القبيحة للرأسمالية في القرن الحادي والعشرين والبديل الاشتراكي، ولكن لنصل إلى فهم أوضح لما نعنيه بالاشتراكية.

وفي هذا الصعيد، يصبح موضوع الاشتراكية من أعلى والاشتراكية من أسفل مهمًا للغاية – لأن مفهومًا كالاشتراكية يكون مرتبطًا بكيفية تحقيقها.

الاشتراكية التي يمكن تأسيسها من الناحية النظرية لصالح الطبقة العاملة، على أيدي قادة يتحدثون باسمها، لن تكون شبيهة على الإطلاق باشتراكية تصنعها حركة الطبقة العاملة الجماهيرية الديمقراطية من خلال عملية نضالها.

وكما كتبت الثورية البولندية روزا لوكسمبرج في سياق آخر في كراسة لها بعنوان “الإصلاح أم الثورة”: “الناس الذين يعلنون تأييدهم لطريقة الإصلاحات التشريعية بدلا من أو بالتعارض مع الاستيلاء على السلطة السياسية والثورة الاجتماعية لا يختارون طريقًا أهدأ وأبطأ إلى نفس الهدف، وإنما يختارون طريقا يصل بهم إلى هدف آخر”.
– – – – – – – – – – – – – – – –

وتناول كارل ماركس وفريدريك إنجلز السؤال نفسه عندما طرحوا أفكارهم لأول مرة في معارضة مع التقاليد السائدة للاشتراكية في منتصف القرن التاسع عشر. فقد انتقدوا الاشتراكيين الحالمين بالعالم المثالي من الذين خططوا لإقامة مجتمع المستقبل، ولكنهم افتقدوا الطريقة التي تجعل هذا المجتمع حقيقة واقعة؛ كما انتقدوا المتطرفين الذين كانوا مستعدين للانخراط في أعمال عنف لتحويل أفكارهم إلى واقع، وخططوا لإنجاز ذلك كأقليلة متآمرة تعمل بالنيابة عن الجماهير.

بدلا من ذلك، بدأ ماركس وإنجلز في وضع الخطوط العريضة لطريقة مختلفة في التفكير حول الاشتراكية، ركّزت ليس على “ترقب تغيير العالم بصورة متعسفة”، كما كتب ماركس، ولكن على “العثور على العالم الجديد” انطلاقًا مما هو موجود في القديم – وخاصة من خلال النضال ضد القديم.

في ذلك الوقت، كان النضال من أجل المساواة الاقتصادية مازال في بداياته، وكانت القضية السياسية المركزية هي النضال من أجل تحقيق الحقوق الديمقراطية الأولية والحريات الشخصية. واشتبك ماركس وإنجلز اشتباكًا وثيقًا بهذه النضالات خلال الأربعبنيات من ذلك القرن.

وبمرور الوقت، أصبح ماركس وإنجلز على اتصال أوثق بحركات الطبقة العاملة الناشئة، التي شكلت محور أنشطتهم العملية في السنوات اللاحقة. كل هذا كان اعترافًا بأن المجتمع الاشتراكي المستقبلي سيؤسس ليس وفقًا لخطة وضعها سابقًا المنظرون أو القادة السياسيون، ولكنه سيتحقق ويكتسب شكله من خلال النضال نفسه.

ولهذا السبب فإننا معتادون على فكرة أن الاشتراكية مرتبطة بالحركات الثورية الجماهيرية مثل روسيا في عام 1917، أو مع نضالات العمال الملحمية مثل إضراب فلينت. جعل ماركس وإنجلز الشعار المركزي للحركة الاشتراكية التي حاولا بناءها: “إن تحرر الطبقات العاملة يجب أن تحققه الطبقات العاملة نفسها.”

هذا بعيد جدا عن إشارات ساندرز إلى روزفلت وليندون جونسون. ثم إننا، مرة أخرى، بعيدون جدا حتى من انتصار يغير بقوته اتجاه الجذر مثلما حدث في إضراب فلينت، ناهيك عن اعتصام شامل يعم البلاد.

شعبية حملة ساندرز، مهما كانت انتقاداتنا له، هي دليل على وجود غضب واسع النطاق من التفاوت الطبقي والظلم في وقت أصيبت فيه منظمات العمال والمظلومين بالضعف وانخفضت فيه ثقة الجماهير في النضال.

نبدأ من حيث نحن. ولكن في الوقت نفسه، لا يريد أي اشتراكي أن تغيب عنه الصورة الأكبر. نحن بحاجة إلى حركة اشتراكية جديدة تصل إلى أبعد من الحملات الانتخابية والدفاع عن الإصلاحات القائمة، وتجذِّر نفسها في المجتمعات المحلية وأماكن العمل في كل ركن من أركان المجتمع؛ لتصبح حركةً شعبيةً جماهيريةً تنتمي إلى الغالبية التي تكونها الطبقة العاملة.
– – – – – – – – – – – – – – – –

هوامش:
1- برني ساندرز يساري أمريكي – عمدة مدينة برلينجتون بولاية فيرمونت من 1981 – 1991، ثم عضو مستقل بمجلس النواب الامريكي من 1991 – 2007، ثم عضو مستقل بمجلس الشيوخ 2007 – 2015 قبل أن يقرر الانضمام للحزب الديمقراطي للترشح للرئاسة في 2015.

2- جناح عنصري في الحزب الديمقراطي في الولايات الجنوبية ظهر عام 1948 وكان أنصاره يرفضون قانون الحقوق المدنية وانخراط الأمريكيين من أصل إفريقي في الحياة المدنية. (المترجم)

3- سياسة اتبعتها الشركات الامريكية لاضعاف التنظيم النقابي حيث لا يكون هناك عضوية تلقائية للعمال الجدد في النقابات العمالية إذ وجدت. (المترجم)

* المقال منشور باللغة الإنجليزية في 17 ديسمبر 2015، على موقع جريدة “العامل الاشتراكي” الأمريكية

التعليقات