بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثوار يعودون إلى الشارع في سوريا

12800169_1090195587699564_4109623338080673608_n

خلال الهدوء الذي ساد الأجوء بعد الهدنة الجزئية، عاد الثوار السوريون إلى الشوارع بمظاهرات في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام لأول مرة منذ 2013. نظموا أكثر من 100 مظاهرة يوم الجمعة 4 مارس، في استعادة لتقليد مظاهرات الجمعة، رافعين شعار “الثورة مستمرة”.

رفع المتظاهرون علمهم ذا النجوم الثلاث، والذي صار شعارًا للانتفاضة، ليملأون شوارع حلب ودمشق وحمص ودرعا، كما رفعوا شعار “خمس سنوات منذ بدء الثورة، ولا يزال الشعب يريد إسقاط النظام”. أكد الثوار في مظاهرات 4 مارس على مطلبهم المركزي بإسقاط النظام، وهتفوا نفس الهتافات التي تنادي بالحرية والكرامة والديمقراطية، وهتافات أخرى مناهضة للطائفية، تلك الهتافات التي سادت الثورة السورية منذ بدايتها في 2011.

يقول حسن أبو نوح، أحد المتظاهرين في مدينة حلب المُحاصرة حيث خرج المئات للتظاهر، أن “هذه الهدنة قد منحت لنا الفرصة للتعبير عن مطلبنا الذي خرجنا من أجله للشوارع منذ البداية وهو إسقاط النظام”. وأوضح أنهم يريدون أن يقولوا للعالم أن السوريين “ليسوا تلك العصابات المسلحة، بل شعب يريد الحرية”. استكمل أبو نوح حديثه قائلًا: “يمكننا القول أننا عدنا إلى نقطة البداية. كان الناس فرحين للغاية، كانوا يبكون من الفرحة رغم المرارة. الكثير من الشباب الذين اعتادوا التظاهر معنا ليسوا موجودين الآن لأنهم قُتِلوا”.

الأسد وداعش والثورة
جاءت المظاهرات مفاجئة للجميع، خاصةً لأولئك اليساريين الذين تنكروا من الثورة السورية بل ونددوا بها باعتبارها مؤامرة أمريكية لتأسيس نظام موالي للولايات المتحدة في دمشق. في الحقيقة، ثار السوريون ضد نظام حكم بشار الأسد لنفس الأسباب التي انتفض لها إخوتهم وأخواتهم في تونس ومصر ومناطق أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

عبَّرت الانتفاضة في سوريا عن التحرر الجماهيري من أوهام نظام بشار، وعن عدم فيض الكيل من الديكتاتورية والليبرالية الجديدة والفقر والقمع. وقد انتفضت الجماهير السورية في البداية حينما رأت اندلاع الانتفاضات في مصر وتونس. انتفضت الجماهير السورية في مظاهرات بعشرات الآلاف للمطالبة بالديمقراطية والحرية والمساواة. وقد استند الأسد إلى سياسة “فَرِّق تَسُد” لتقسيم الجماهير بالفوارق الطائفية والإثنية.

وصف الأسد الاحتجاجات ضده بأنها مؤامرة “طائفية” و”أجنبية” لتنظيم الأغلبية السنية ضد الأقليتين العلوية والمسيحية، اللتين يعتمد عليهما في حكمه. ومن أجل إضفاء بعض المصداقية إلى هذه الكذبة، أطلق سراح 1500 جهادي سني من السجون، وقد عمد الكثير منهم لتشكيل ميليشيات مسلحة واصلت بالفعل الهجمات الطائفية.

تنازل الأسد عن السيطرة على المناطق الكردية شمالي البلاد لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وجناحه المسلح “وحدات حماية الشعب”. لم يفعل ذلك بناءً على قناعته أو التزامه بتحقيق الحكم الذاتي للأكراد، ناهيكم عن الاستقلال، فلطالما كان الأسد يضطهد الأكراد ليحرم مئات الآلاف من المواطنين من حقوقهم، ولطالما كان يقمع أحزابهم واحتجاجاتهم، لكنه منح حزب الاتحاد الديمقراطي السيطرة على المناطق الكردية لتجنب انضمام الأكراد للانتفاضة ضده.

وعندما لم تفلح إجراءات الأسد في إخماد الثورة، اتجه إلى سياسة “الأرض المحروقة” في حربٍ شرسة ضد محاولات المقاومة التي يتصدرها السُنَّة ضده. انسحب من المناطق التي فقد السيطرة عليها، وأطلق حملاته الجوية لقصف المدن وهدمها، بل أنه قد استخدم أيضًا الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين. وهكذا لم يترك الأسد للثورة السورية خيارًا إلا أن تتسلح للدفاع عن نفسها. شكَّل نشطاء وجنود منشقون عن جيش الأسد الجيش السوري الحر، والذي كان شبكة فضفاضة من الميليشيات التي ضمت حوالي 150 ألف مقاتل.

حررت هذه الميليشيات المزيد من المناطق والبقاع من سيطرة الأسد، وقد أدارت لجان التنسيق المحلية بعضًا منها. ولم يساهم ذلك فقط في تنظيم الثورة، بل أيضًا في استبدال الدولة التي كانت قد انسحبت بالفعل، لإدارة المستشفيات والمدارس وجمع القمامة في الأحياء، وحتى الانتخابات.

وحينما أعلنت الولايات المتحدة عن دعمها للجيش السوري الحر، لم يكن ذلك يعني دعم الثورة بأي شكلٍ كان، بل كان الهدف الأمريكي هو استمالة الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة الكائن خارج البلاد، من أجل “الانتقال المُنظَّم” للسلطة، حيث التخلص من الأسد واستبداله بشريحة من المعارضة السياسية في مقابل الحفاظ على الدولة القائمة. وهكذا رفضت الولايات المتحدة إعطاء الجيش السوري الحر أية أسلحة ثقيلة، مثل مضادات الطائرات التي احتاجها الأخير للدفاع عن نفسه ضد هجمات الأسد الجوية، وذلك خوفًا من أن تفكِّك هذه الأسلحة الدولة التي تريد الولايات المتحدة الحفاظ عليها.

أما نظراء الأسد الإقليميين، مثل تركيا والسعودية، فقد أسسوا مجموعات إسلامية متنوعة داخل الثورة. وفي نفس السياق، صعد تنظيم داعش إلى جانب جبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة في سوريا)، مستندًا إلى الانتصار الذي حققه في العراق للاستيلاء على المزيد من المناطق في سوريا. لم يوجِّه تنظيم داعش، بالأخص، أسلحته ضد الأسد لكن ضد الثوريين في ظل سعي التنظيم المعادي للثورة لتأسيس الخلافة الإسلامية.

روسيا وإيران والولايات المتحدة
وبرغم مواجهة الثورة للأسد من ناحية وداعش من ناحية أخرى، إلا أنها تمكنت من السيطرة على مساحات متزايدة في سوريا. وحينما كان النظام على شفا الانهيار في أواخر العام 2015، تدخلت روسيا وإيران وحزب الله لإنقاذ الأسد، وقد عملوا معًا لتوفير الغطاء الجوي والقوات البرية للنظام في سوريا من أجل إعادة فرض السيطرة على المعاقل الأساسية له، وكي يتمكن من شن المزيد من الهجمات – تحت الغطاء الجوي الروسي – على المناطق التي يسيطر عليها المتمردون.

جلبت قوى الثورة المضادة هذه الخراب والدمار للبلاد. قتل الأسد، وليس داعش، أغلبية الضحايا الذين يُقدَّرون بـ 470 ألف شهيد لقوا حتفهم منذ 2011. ويتحمل النظام المسئولية الأكبر في هجرة نصف السكان، البالغ إجمالي عددهم 22 مليون نسمة، منازلهم، حيث نزح 7 مليون مواطن من منطقة لأخرى داخل سوريا، واضطر 4 مليون آخرون للجوء خارج سوريا إلى بلدان أخرى في المنطقة، واتجه ما يقرب من مليون مواطن إلى أوروبا.

وحينما أدركت الولايات المتحدة الأمريكية تفوُّق روسيا عليها بموطئ قدم في سوريا، وخوفًا من أن تُحفِّز موجة اللاجئين أزمة سياسية في الاتحاد الأوروبي، توسطت من أجل وقف إطلاق النار الحالي. وبعدما تخلت الولايات المتحدة عن مطلب تنحي الأسد الفوري عن السلطة، اتجهت لتنظيم جولة جديدة من مباحثات السلام بدأت في 10 مارس في جينيف.

لكن الشعب السوري كان له رأيٌ آخر – استكمال الثورة. إن المقاومة والصمود المذهلين اللذين يظهرهما الثوار السوريون وسط هذه الظروف شديدة الصعوبة لهي بمثابة توبيخ قاسي لأولئك الذين اعتبروا الثورة السورية “جهادية” أو “داعمة للولايات المتحدة”. لكن هذا لا يعني أن النضال سيكون سهلًا على الإطلاق، فالاحتجاجات لا تواجه الأسد وداعميه الروس فقط، بل أيضًا تنظيم داعش وجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة. وهكذا، حينما انطلقت مظاهرات الثوار في إدلب في 4 مارس الجاري، ووجهت بجبهة النصرة التي كانت قد فرضت سيطرتها على المدينة منذ مارس 2015.

يقول الناشط إبراهيم الإدلبي أن “مقاتلي جبهة النصرة ظهروا وبدأوا في العراك مع المتظاهرين وتهديدهم بالسلاح قائلين: سنطلق النار إن لم تعودوا إلى بيوتكم”. احتجز الجهاديون 10 من الثوار لعدة ساعات، مثيرين بذلك غضب المتظاهرين الذين لم يرتعدوا جراء ذلك. ذكر الإدلبي أيضًا أن الثوار يخططون لتنظيم المزيد من المظاهرات “ضد كل من يضطهد السوريين”.

ومع دعم روسيا للأسد، وانتظار الولايات المتحدة الفرصة لاستمالة الثوار ودمجهم في نسخة مُعدَّلة أخرى من النظام القديم، وغلق أوروبا وبقية بلدان العالم أبوابهم أمام اللاجئين، يبقى نهوض الاحتجاجات الشعبية السورية هي الأمل للوصول لحل للمعضلة السورية.

لابد أن يجد السوريون طريقًا لبناء التضامن فيما بينهم عبر الانقسامات الدينية والإثنية، وان يتوحدوا مجددًا في نضالهم. وعلى المستوى الدولي، يجب أن يقف اليسار تضامنًا مع مجهودات وتضحيات الشعب السوري، وأن يطالب في كل بلدٍ بفتح الحدود لاستقبال ضحايا الثورة المضادة بزعامة الأسد.

* المقال منشور باللغة الإنجليزية في 10 مارس 2016 بموقع جريدة “العامل الاشتراكي” الأمريكية

      

التعليقات