بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الانتخابات الأمريكية: “ترامب” والنظام الذي أفرزه

2016-03-07-1457372468-7442274-trump

يحتاج اليسار أن يكون واضحًا بشأن ما يمثله ترامب وبشأن برنامجه اليميني الذي لن يوقفه التصويت للحزب الأقل شرًّا بل سيمكن إيقافه بحشد قوتنا.
——————

قلبت حملة دونالد ترامب السياسية الأمريكية – وخصوصا الحزب الجمهوري وهو الحزب المفضل للشركات الأمريكية – رأسًا على عقب.

كما تطرح الحملة أسئلة هامة على اليسار: هل يتعدى ترامب كونه يمينيا عاديا؟ وهل تجاوز اليمينية المتطرفة نحو الفاشية كما يجادل العديد من الكتّاب سواء من من اليمين واليسار؟

وما الذي سيستتبع الإجابة على هذه الأسئلة بالنسبة لكيفية تنظيمنا لأنفسنا؟ وكيف سيؤثر ترامب و”الترامبية” على النغمة الأبدية للتصويت للحزب (الأقل شرا) والتي تدعو دائمًا للتصويت للديمقراطيين، حتى إن كانوا محافظين، لدرء (الشر الأكبر) للجمهوريين مع اقتراب انتخابات نوفمبر.

إنه من المهم أن نجد إجابات لهذه الأسئلة، فترامب قد لا يفوز بترشيح الرئاسة عن الحزب الجمهوريين، إذ أن أمامه مشوار طويل قبل الفوز بأغلبية المفوضين. لكن إذا نجح في الوصول لانتخابات نوفمبر الرئاسية؛ فسيزداد الضغط من الليبراليين لمنع انتقاد المرشح الديمقراطي، وسيُتّهم أي شخص سيطالب ببديل يساري مستقل عن نظام الحزبين بتعريض البلاد لخطر سياسي كارثي.

إن الخوف من ترامب أمر مفهوم، لكن ترامب ليس فاشيا، ومن المهم أن يؤكد اليسار علي هذه الحقيقة، وذلك كجزء من مقاومته لمحاولة إرهاب كل من يريد معارضة الشر الأكبر نحو دعم شر آخر لا يقل عنه كثيرا.

إن الرغبة المنتشرة في رؤية أن عنصرية ترامب العمياء وسياساته المحافظة قد صارت مواقف منبوذه لهي شيء إيجابي، لكن لابد وأن يصمم الاشتراكيون على أن تصويت (الأقل شرًا) لم يكن أبدًا وسيلة لإيقاف اليمين؛ لأن الديمقراطيين الأقل شرا يلتزمون بالحفاظ على الوضع السياسي والاجتماعي الراهن مثل التزام الجمهوريين، وهذا ما يفسر توافقاتهم وتنازلاتهم لليمين في كل خطوة.

إن الطريق الوحيد لإيقاف اليمين ومن ثم تراجعه هي بناء التنظيم وتعبئة قوة اليسار، بمعنى طرح مواقف وسياسات بديلة لمواجهة سياسات اليأس والخداع التي يتغذى عليها اليمين، مثلما فعلت حركة المتظاهرين في مواجهة كراهية ترامب في شيكاغو ومدن أخرى،
والتي مازالت مستمرة منذ أسابيع، وذلك سيساعدنا على اكتساب الثقة في قدراتنا الجمعية على تحدي الاضطهاد والظلم.
————

إن الدعم الذي يدّعيه ترامب اليوم لم يأت من الفراغ، لقد استغل ترامب استمرار حركة الحزب الجمهوري نحو اليمين منذ عقود؛ ليبني تأييدا لسياساته بين قواعد الحزب باستخدام دعوات محسوبة من العنصرية العمياء – خصوصا العداء الهيستيري للمهاجرين والإسلاموفوبيا.

استطاع ترامب اللعب بشكل خاص على الاستياء العنيف الناتج عن انخفاض مستوى المعيشة لغالبية الناس في الولايات المتحدة. لقد أثّر الركود الكبير وعواقبه فعليًا أشد تأثير على هؤلاء الذين يتخذهم ترامب ككبش فداء، لكن إلى جانب هؤلاء عانى أغلب البيض من انخفاض الأجور، وصعوبة الحصول على الرعاية الصحية، وانهيارالمعاشات، وتردّي شبكة الضمان الاجتماعي.

إن الدعم الذي تلقاه ترامب من قِبل قطاع من المحرومين يعكس شعورًا باليأس، وخصوصا إحساس قطاعات من الفقراء المهمشين بأن الحكومة لا تعمل لصالحهم، وأن السياسيين منفصلون عن همومهم.

إن لهذا الإحساس سنده في الواقع، فرغم أن باراك أوباما الديمقراطي كان قد وصل للبيت الأبيض في 2008 بوعوده في التغيير، إلا أنه استمر في اتّباع الأجندة النيوليبرالية التي خيبت رجاء الجميع تقريبا فيما عدا الشركات الكبيرة والأغنياء.

وعندما يحاول الإعلاميين الأوفر أجرا في الإعلام الرأسمالي أن يفسروا التأييد الذي يلقاه ترامب تتكشف أفكارهم النخبوية عن الطبقة العاملة على حقيقتها. إذ يختزل بعض هولاء الإعلاميين الطبقة العاملة “مجموعة من العمال البيض السهل خداعهم وشحنهم للتحمس للهجوم على كبش الفداء التي يقدمه لهم ترامب. أما بالنسبة لهؤلاء الإعلاميين الذين يصفون ترامب بالفاشي المنحط فإنهم يعتبرونه مجرد “زعيم كاريزمي يمكنه خداع الجماهيرالواسعة الساذجة بأفكاره المتخلفة”.

لكن الجماهير العاملة في الولايات المتحدة اليوم لا تحتاج للخداع حتى تفكر في تدهور مستوى معيشتها. ويجد ترامب من ينصت للقباحات التي تخرج من فمه؛ لأن الرموز الممثلة للسياسة الأمريكية التقليدية ليس لديها ما تقدمه للجماهير العادية سوى التهديد بأن المستقبل سيكون أسوأ.

وقد تطلب الأمر ترشح اشتراكيٍّ – حسبما عرّف نفسه – مثل بيرني ساندرز ليقدم بديلا يساريًّا يعطي جماهير عريضة بعض الأمل في المستقبل، وهذا هو سر النجاح غير العادي لساندرز، وهو الأمر الذي يعجز الإعلام الرسمي عن فهمه.

يعبر خطاب ترامب عن نفس مصادر عدم الرضا عند بعض الجماهير، ولكن رسالته هي رسالة التضحية بكبش فداء وليس التضامن.

وصل ترامب، على سبيل المثال، لمستويات منحطة جديدة من كراهية الإسلام مما شجع آخرين أن يحذو حذوه. فبعد الهجوم الإرهابي في بروكسل هذا الأسبوع لم يكن ترامب هو وحده من طالب بغلق الحدود واقترح مزيد من التعذيب عند استجواب المشتبه فيهم من “الإرهابيين” بل إن تيد كروز – المرشح الجمهوري المنافس لترامب – أعلن في بيان له عن رغبته في أن تفرض الشرطة سياجًا أمنيًّا على أحياء المسلمين قبل أن يتحولوا لمتطرفين.

كانت تلك المزايدات بالطبع جزءًا من تكتيكات جذب الحملات الانتخابية الانتباه لأنفسها، لكننا منذ الماضي القريب قد أدركنا أن الخطاب المليء بالكراهية للزعماء السياسيين له تأثير حقيقي على أرض الواقع، يمكن قياسه من خلال تزايد الاعتداءات الجسدية على المسلمين والعرب.

إن لترامب والترامبية خطورتهما. إذ يضفي ترامب الشرعية على الأفكار العنصرية والرجعية، ويسهم في استقطاب المجتمع الأمريكي نحو اليمين.

وبهدف دق ناقوس الخطر يتعجل بعض اليساريين لنعت ترامب بالفاشية. ولا ينجح هذا الوصف حتى ولو بعض الشيء في توضيح ما يمثله ترامب فعليا، بل ويصعب مهمتنا في النضال ضد برنامج اليمين.

بدايةً، وبرغم العنف الفردي المخيف الذي يمارسه بعض أنصار ترامب؛ إلا أن ذلك لا يقارن بالعصابات شبه العسكرية المرتبطة بالحركات الفاشية سواء في الماضي مثل النازيين في ألمانيا، أو في الحاضر مثل حركة الفجر الذهبي في اليونان.

بالإضافة لذلك، فإن أحد السمات المركزية للمنظمات الفاشية هي استعدادها للتخلي عن الأليات الديمقراطية الأساسية مثل التصويت والانتخابات، ويحدث ذلك غالبًا بدعم – ولو جزئي – من الطبقة الرأسمالية. وهذا ما لم تظهره حملة ترامب ولن تظهره، وإن حدث ذلك فعندها لن يحصل ترامب على دعم أي قطاع هام من رأس المال.

إن أفكار ترامب العنصرية تذكرنا بالديماغوجيين اليمينيين من التاريخ من أمثال جورج والاس في الستينات، كما توضح فعليًا من هم الفاشيون. لكن أفكاره مازالت تدور داخل حدود الجناح اليميني للحزب الجمهوري، وتحديدًا كما نما هذا الجناح خلال سنوات إدارة أوباما.

اعتمد الجمهوريون لعقود على وسائل يمينية مختلفة لبناء تأييد شعبي لأجندة لرجعية معادية للطبقة العاملة، تضم مناهضة حق المرأة في الإجهاض ومعارضة هيستيرية لحق المساواة في الزواج، والذي تم الحشد له من قِبل اليمين الديني. وحديثًا، شجعت مؤسسة الحزب الجمهوري صعود ظاهرة حزب الشاي اليميني Tea Party وهي “حركة قاعدية” زائفة وجهها الجمهوريين في البداية ضد رموز “الحكومة الكبيرة المتغولة على حقوق الفرد”، قبل أن تتحول بسهولة إلي معاداة المهاجرين ومعاداة المرأة والكراهية العنصرية.

ولكونه مليارديرًا وشخصية مشهورة على برامج Reality TV، لا تبدو حملة ترامب للوهلة الأولى كحملة تقليدية من حملات الحزب الجمهوري، لكنها تضم بالفعل أعضاء مُحنكين من الحزب الجمهوري يستشيرهم ترامب من أمثال البلطجي كوري ليوندوسكي مدير حملة ترامب الذي التقطته عدسات الكاميرات مؤخرا وهو يشارك في ضرب أحد المتظاهرين ضد ترامب، وهو موظف سابق في مؤسسة (الإخوة كوتش) الداعمة لمجموعة (أمريكيون من أجل الازدهار)، والتي هي المصدر الرئيسي لتأييد حزب الشاي والرموز السياسية التي أنتجها.

إن المقصود مما سبق أن مؤسسة الحزب الجمهوري – على الرغم من كرهها لترامب الآن – إلا إنها هي التي فتحت بنفسها الباب لحملته ليكسب تأييد قواعد الحزب، ولذا يجب رؤية ترامب كإبن الحزب الجمهوري في ثوبه الحالي في القرن الواحد والعشرين – إبن يتمنى أبائه من زعماء الحزب أن تبتلعه الأرض، ولكن في الوقت نفسه لا يمكنهم إنكار وجوده.

من المهم جدا أن نحدد كيف نصنف ترامب؛ لأن ذلك سيشكل فارقًا في طريقة بناء معارضتنا له.

بالنسبة لبعض اليساريين الذي يشعرون بالهلع من فاشية ترامب المفترضة أنه فاشي، فلا يوجد سوى رد واحد على هذا التهديد وهو دعم المرشح الرئاسي للحزب الديمقراطي، والذي من المرجح أن يكون هيلاري كلينتون.

لقد ناشد بيان صدر حديثًا عن العديد من المنظمات الليبرالية، ومن ضمنها “MoveOn.org” و”لون التغيير” و”السلام الأخضر” و”وظائف مع عدالة”، المجموعات الليبرالية الأخرى الالتزام بالتصويت ضد ترامب:

“إن (ترامب) يمثل التهديد الأخطر على ديمقراطيتنا، فهذا المُتعصب الأعمى الناشر للكراهية والمُحرض على العنف هو أحد مرشحي الحزبين الرئيسيين لأمتنا. وهذا أمر مقلق وخطير”.

ولكن ما الحل من وجهة نظر الموقعين على البيان الذي طرحته هذه المنظمات؟
“صحوة تصويتية، فنحن نعلم أن غالبية الأمريكيين يرفضون إثارة الكراهية والعنصرية، وإذا صوتنا سنوقف ترامب وسنثبت أن بلدنا أفضل من ذلك”.

إن تنظيم بعض الاحتجاجات ضد الترابية أمرٌ مقبول – طبقًا لهذا البيان – إلا أنه لا يجب أن يحاول النشطاء تنظيم مواجهات مباشرة ضد فعاليات ترامب نفسه، ويجب على المحتجين على الترامبية التركيز علي الاستراتيجية الفعالة وهي حشد التصويت لصالح الديمقراطيين.

إن النصيحة الأخيرة أعلاه لا تعني أي شىء – غالبًا – إلا التصويت لهيلاري كلينتون.

لقد بدأ المعلقون الليبراليون بالفعل يكثفون من تحقيرهم للذين يؤيدون بيرني ساندرز؛ لأنهم يكرهون الاتجاه الذي دفعت فيه كلينتون وزعماء الحزب الديمقراطي، الذي يصف نفسه على أنه حزب الشعب، وينعتونهم بأنهم “حالمين سذج” فقط لأنهم سيلتزمون بمبادئهم ولن يصوتوا لصالح كلينتون.

عبّر عن مثل هذا النعت “جويل بليفاس” في مجلة In These Times التقدمية قائلًا:
“بالتأكيد سيصوت مؤيدو كلينتون لصالح ساندرز حال ترشحه للرئاسة، لكن هل ينوي “ثوريو ساندرز” أن يتحملوا عقد تسوية وصفقة مع هؤلاء الذين يختلفون معهم في بعض القضايا، والتصويت لكلينتون أمام ترامب؟
هل يمكن أن يصبح أصحاب المبادئ من السذاجة لدرجة رفضهم التصويت لكلينتون أمام ترامب؟ نعم إنه أمر ممكن. فلنتذكر كيف أن الأمر يشابه حملة رالف نادر (التقدمي) عام 2000، وكيف أيّده الكثيرون على اليسار ممن لم يروا آنذاك أي اختلافٍ بين المرشح الديمقراطي “آل جور”، والجمهوري “جورج بوش”، وبالتالي لم يجدوا غضاضة في التصويت لمصلحة “رالف نادر”، وهو الموقف الذي كان له نفس تأثير موقف الامتناع عن التصويت: “الدعم السلبي لبوش”.

إن الذين أيدوا حملة نادر الشعبية المستقلة حينها سيذكرون أننا لم نر (أي اختلاف) بين آل جور، وجورج بوش، وإنما وجدنا اختلافًا كبيرًا ومفيدًا في انتخابات 2000 عن الانتخابات السابقة، وهذا الاختلاف هو وجود فرصة للتصويت لصالح بديل يساري أصيل في مواجهة سيطرة الحزبين (الدميقراطي والجمهوري) على النظام السياسي الأمريكي.

سيتكرر ترديد ترنيمات مثل الخطاب السابق كلما اقترب موعد الانتخابات الرئاسية في نوفمبر، وسيتلخص مضمون شجب اليسار في التالي: ليس خطأ الديمقراطيين من أمثال “جور” و”كلينتون: أنهم لم يبذلوا مجهودًا كبيرًا لكسب أصوات يسار الوسط لصالحهم، بل إنه خطأ الناخبين لعدم تحمسهم للتصويت لصالح مرشح لا يؤمنون بما يقوم به.

سيسمع مؤيدو ساندرز هذه الرسالة قريبا من مصدر مختلف: ساندرز نفسه. فقد أعلن ساندرز من قبل أنه سيدعم المرشح النهائي للحزب الديمقراطي، حتى وإن كان في مواجهة مرشح يساري مثل “جيل ستين” مرشحة حزب الخضر، والقريبة من ساندرز في وجهات النظر، وبالطبع سيكون هذا المرشح الذي يقصده ساندرز هو “هيلاري كلينتون”، التجسيد الأبرز لنظام الوضع الراهن الذي يدعو ساندرز مؤيديه للتمرد ضده.
——————–

في مقال كُتب منذ نصف قرن تقريبًا، لخّص الاشتراكي الأمريكي “هال دريبر” الحالة الكلاسيكية للتصويت لصالح المرشح (الأقل شرًّا) في انتخابات ألمانيا 1932، والتي تضمنت فاشيا حقيقيا، لخصها كالآتي:
“في انتخابات الرئاسة الألمانية عام 1932 رشح النازيون هتلر، فيما رشحت الأحزاب البرجوازية الرئيسية فون هاينبرج الجنرال الأرستقراطي الذي مثّل الجناح اليميني لجمهورية فايمر، لكنه لم يكن يمثل الفاشية.

لم يتردد الديمقراطيون الاجتماعيون، الذين كانوا يقودون حركة عمالية ضخمة، حيال ما يمثل “السياسة العملية الواقعية”، وما يمثل “السياسة الخيالية الطوباوية”، وأسرعوا إلى تأييد هايدنبرج من منظور أنه كان يمثل “الشر الأقل”، ورفضوا بشدة المقترح الثوري بتقديم مرشحهم المستقل في الانتخابات في مواجهة البديلين الرجعيين. وهكذا نجح هايدنبرج (الأقل شرًا) وهُزم هتلر، ولكن ما لبث الرئيس هايدنبرج إلا وعيّن هتلر مستشارًا، وبدأ النازيون في فرض السيطرة. كانت هذه هي الحالة الكلاسيكية في تصويت الجماهير لصالح ” الأقل شرًا” ثم حصولهم على كلا الشرين معًا.”

والآن إذا انتخبَت هيلاري كلينتون رئيسةً، فليس مرجحًا أن تعيّن دونالد ترامب في أي منصب، ولكن ستسير الأمور وفق ديناميكة مشابهة اعتادتها السياسة الأمريكية خلال العقود الأخيرة، إن لم تكن بدرجة درامية كالأحداث في ألمانيا. وعند تذكر كل التوقعات التي عُلِّقت على باراك أوباما عند قدومه رئيسا في 2008، ووعده بإجراء تغييرات رئيسة في واشنطن بعد ثمان سنوات طويلة من حكم بوش والجمهوريين، فماذا كانت النتيجة؟

تبنى أوباما سياسة إدارة بوش نفسها لإنقاذ وول ستريت بعد الانهيار المالي عام 2008، بينما تخلى عن المواطنين الذين خسروا منازلهم بسبب الإفلاس الناتج عن تراكم فوائد الديون الباهظة على العقارات، كما واصل أوباما حرب بوش على الإرهاب مع بعض التغييرات البسيطة في التكتيكات والاستراتيجية. رحّل أوباما كذلك من المهاجرين غير الموثقين عدد أكبر مِمّا رحله بوش وفي وقتٍ أسرع، كما رفع من وتيرة خصخصة التعليم.

يمكننا مواصلة قائمة ما فعله أوباما، ويعتبر السبب الذي أدى إلى هذه النتيجة هو غياب حركة اجتماعية قوية مستقلة عن الأحزاب التقليدية، ومُصمّمة على النضال من أجل برنامجها. ويعلم الديمقراطيون أن تأييد قواعدهم لهم هو أمر مضمون، وبالتالي يتجهون يمينَا وبارتياح للعمل لصالح الشركات والنخبة السياسية التي تدير الأمور فعليا داخل الحزب.

كما كتب درابر منذ خمسين عاما، فإنك إذا انتخبت الأقل شرًا لإيقاف الأكثر شرًا، فعادة سينتهي بك الأمر مع مزيج من النوعين.

يمكننا تحدي بل وهزيمة برنامج الجناح اليميني الذي يدعو له ترامب، لكن ذلك لن يتحقق من خلال دعم مرشح نظام الوضع الراهن الذي أفرز لنا ترامب، بل سيتحقق من خلال تنظيم الجماهير الراغبة في تغيير الوضع الحالي، وحشدها للنضال والحراك لإجبار اليمين على التراجع ودفع اليسار للتقدم.

هذا ما حدث في مدينة شيكاغو بداية هذا الشهر، عندما خرجت عدة آلاف من الناس لتحدي ترامب وإجباره على إلغاء اجتماعه الجماهيري. توحد المتظاهرون من خلال رغبتهم في الوقوف ضد العنصرية والرجعية اليمينية، وكانوا بالأعداد التي سمحت لهم بالنجاح.

ظهر في تلك اللحظة الوجه الحقيقي للديمقراطيين، مثل كلينتون التي شجبت مما فعله المتظاهرون ضد ترامب ومؤيدي ترامب على السواء.

حتى باراك أوباما انضم إلى الجوقة التي وجهت نقده للمتظاهرين ضد ترامب ووصفهم بأنهم “مضلَلين”. نعم، هو نفس باراك أوباما الذي قال في 2008 عندما كان مرشحًا رئاسيًا: “إنني أؤمن بأن التغيير لا يحدث من أعلى لأسفل، وإنما يتحقق التغيير من الأسفل للأعلى”.

منحت التظاهرات، على النقيض من ذلك، ثقة كبيرة لهؤلاء الذين شاركوا فيها بالآلاف، وللملايين التي شجعتهم وشاهدتهم في البث الحي وقرأت عنها في الاعلام، منحتهم الثقة بأن الكراهية والقمع يمكن محاربتهما. إنها خطوة هامة في اتجاه بناء حركة يمكنها مواجهة اليمين بثبات ونجاح، حركة يمكن حشدها ليس فقط عندما يكون اليمين الجمهوري، بل أيضًا “اليسار” الديمقراطي، هو المسئول عن الظلم واللامساواة.

* المقال منشور في 23 مارس 2016 على موقع “العامل الاشتراكي” – الولايات المتحدة

التعليقات