بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أورلاندو: اضطهاد المثليين والإسلاموفوبيا والحرب على الإرهاب

A5F19F7F-3BA3-4E84-8DE7-F718AC639ED4_mw1024_s_n

في هذا المقال يكتب إريك رودر عن فيض مشاعر الحزن والغضب على مذبحة أورلاندو الذي يقف في تناقضٍ صارخٍ مع الخطاب السام للشخصيات السياسية.

مع كل يومٍ يمر منذ مذبحة الملهى الليلي في مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا الأمريكية، يتحول حزني إلى غضب، لكنه بالطبع ليس غضبًا موجهًا نحو المستهدف معاقبتهم رسميًا، بل نحو المسئولين الذين يقومون بالمعاقبة.

بينما توجهت حشود من الناس إلى الشوارع لرثاء الضحايا معًا، رافعين شعارات مثل “لا تحولوا رهاب المثلية الجنسية إلى الإسلاموفوبيا”، تشارك موكب من المسئولين المنتخبين، والمرشحين للرئاسة، وصانعي الرأي في فعل هذا بالضبط – طرح “الحلول” التي تجعل من العرب والمسلمين كبش فداء والتي ستفاقم المزيج السام للكراهية والتعصب والعنف الذي قد جعل من أمريكا موطنًا لأكثر من نصف حوادث إطلاق النار الشامل حول العالم في الثلاثين عام الماضية.

كان من السهل الغضب من دونالد ترامب، الذي كالمتوقع لم يضع أي وقت وبادر بمهاجمة هدفيه المفضلين: اللاجئين السوريين وباراك أوباما. وصف ترامب اللاجئين السوريين – الذين يجدر التذكير بأنهم يفرون من عنف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش) – بأنهم “أعظم حصان طروادة في التاريخ” الذي يهدد “كامل أسلوب حياتنا” حيث أن اللاجئين “مرضى بالكراهية” و”لا فرق بينهم وبين هذا المجنون”.

اختار ترامب الكلمات هذه فيما يتعلق بأوباما: “فى تصريحاته، رفض الرئيس أوباما بشكل مخز أن يقول ولو هاتين الكلمتين “الإسلام المتطرف”. من أجل هذا السبب وحده، يجدر به أن يتنحى”. ووجه نفس التهمة لهيلاري كلينتون.

أما حاكم ولاية نيو جيرسي، كريس كريستي، والذي أيّد ترامب منذ وقتٍ مبكر ويُعتبَر الآن أحد ممثلي حملته، فقد جادل بوضوح أن الرد على مجزرة أورلاندو يكمن في تصعيد الحرب، قائلًا: “لسنا لنلام على وجود تلك الكراهية في العالم… ولكنها مسئوليتنا، في رأيي، أن نقضي على تلك الكراهية في العالم… علينا الذهاب إلى هناك وجعلهم يدفعون الثمن حيث يعيشون”.

لذا تسائلت؛ أين يمكننا مشاهدة تنفيذ تلك الضربات الجوية؟ هل عليّ شراء تذكرة سفر إلى مطار “لاغوارديا” في كوينز حيث وُلِدَ القاتل عمر متين، أم إلى “بالم بيتش” الغربية في ولاية فلوريدا وهو المطار الأقرب إلى “بور سانت لوسي” مكان إقامة متين؟ إن متين لم يتلق التدريب على السلاح في صحراء الشرق الأوسط، بل هنا في الولايات المتحدة؛ وهذا تلبيةً لمتطلبات عمله في الشركة الأمنية التي تدير السجون الخاصة ومراكز اعتقال اللاجئين ومؤسسات أُخرى من النوع عينه.

لكن غضبي لم يتوقف عند ترامب، خصوصًا بعد انضمام هيلاري كلينتون إلى قافلة صقور الحرب. قالت كلينتون في برنامج “اليوم” على قناة NBC: “لو كان ترامب يوحي بأني لم أسمِ هذا كما هو عليه، فهو لم يكن يصغي… أعلنت بوضوح أننا نواجه أعداءً إرهابيين يستعملون الإسلام لتبرير قتل الناس. علينا إيقافهم، وسنفعل ذلك. علينا الانتصار على الإرهاب الجهادي الراديكالي، وسنفعل.”

بهذا الإعلان، استعانت كلينتون نفسها بالحرب ضد الإسلام لتبرير قتل الناس، موحيةً بأن علاقة عمر متين الهشة بدينٍ يعتنقه 1.6 ميليار شخص حول العالم تشكل تبريرًا منطقيًا لإضافة المزيد من الضربات الجوية – والتي وصل عددها إلى 12 ألف حتى اللحظة – باسم الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد داعش. إن القصف لم يدمر قدرات داعش القتالية، لا بل لقد أعطى قيادييها الفرصة لإظهار أنفسهم كـ”مقاومين للإمبرطورية الأمريكية”.

كما أعلن باراك أوباما في بيانٍ له عقب الحادث أن هجوم أورلاندو هو “هجوم علينا جميعًا وعلى القيم الأساسية التي تعنينا من كرامةٍ ومساواة”. ولكن هذا الرئيس الذي استلم منصبه مدعيًا مناهضته للحرب، قد صعَّد حرب الطائرات دون طيار ودعم ديكتاتوريات مستبدة في الشرق الأوسط ومناطق أخرى، كما عزز دوامات العنف في أفغانستان والعراق وسوريا. إن قائد أعظم ماكينة لإنتاج العنف في العالم لا يمكنه إعطاء دروسٍ في القيم الأخلاقية.

أما فيما يخص الجاني عمر متين، فيبدو أنه كان شديد الارتباك حول الدين الإسلامي نفسه – فقد أعلن ولائه لكلٍ من حزب الله، وجبهة النصرة وداعش، وهي ثلاثة قوى مختلفة وتتقاتل عسكريًا، بالإضافة إلى خلافاتها العقائدية والأيدولوجية.

قالت زوجة متين السابقة سيتورا يوسفي، التي هربت بعد زواجهما بفترة قصيرة عام 2009 من اعتداءاته المتكررة عليها، أنه لم يكن متدينًا بشكل خاص عندما عرفته، وكان يمضي غالب وقته في النادي الرياضي؛ لكنها أكدت أنه كان يدخل في حلقات من الغضب العنيف، يكرر خلالها الإهانات المعادية للمثليين.

هذه المعلومات، بالإضافة الى تقارير عن زياراته المنتظمة للملهى الليلي للمثليين (حيث ارتكب المذبحة) ودلائل على استعماله تطبيق هاتفي خاص بمواعدة المثليين، تدل على أن هذا الحقد الأسود الذي انفجر في ساعات فجر 12 يونيو منبعه في بالوعة البطش والعداء للمثلية، الأمريكية حتمًا، وليس تحريم المثلية الموجود في الدين الإسلامي – هذا التحريم الذي تعتنقه أيضًا الديانتان المسيحية واليهودية على حد سواء.

في هذا السياق، يجدر التذكير بأن هيلاري كلينتون لم تعلن تأييدها لزواج المثليين إلا بعد عام 2013، بعدما عارضته لمدة عقد من الزمان. كما أن اليمين المسيحي هو الذي صاغ حوالي 200 مشروع لقوانين معادية للمثليين خلال الأشهر الستة الأخيرة. وأخيرًا، تظهر استطلاعات الرأي أن المسلمين الأمريكيين اكثر تقبلًا لمساواة الزواج (أي الزواج المثلي) من المسيحيين الإنجيليين.

علينا أن نرفض مقولة أن مذبحة أورلاندو هي من فعل “الإسلام الراديكالي”، على عكس كلينتون التي تتبنى هذه الرؤية كما يتبناها الليبراليون البارزون. لقد فجَّر عمر متين حقده ضد أمريكا التي تتناقض مع عقليته السوداء، الأصغر والأكثر اضطهادًا، كما كتب فرانك بروني في صحيفة نيو يورك تايمز، وهو من مؤيدي كلينتون المثليين.

في الحقيقة، فإن متين – الذي كان يعمل كحارس سجن ويحلم بالانضمام إلى شرطة نيويورك – هو منبثقٌ من أمريكا وقد فجَّر حقده هذا ضد بعض الفئات الأكثر ضغفًا والأكثر تهميشًا في تاريخ الولايات المتحدة، وهم المثليين والمثليات والمتحولين والمتحولات جنسيًا الذين يأتي أغلبهم من أصول لاتينية (أي من قارة أمريكا الوسطى والجنوبية).

ويتضمن تاريخ اضطهاد هؤلاء جرائم إيريك رودولف الذي فجَّر عيادات منع الحمل وحانة للمثليين في تسعينات القرن الماضي، بالإضافة إلى الحرق المعمَد (المنسي غلى حد كبير) لملهى مثلي سنة 1973 في مدينة نيو أورلينز والذي أسفر عن مقتل 32 شخصًا. كاد جايمس ويسلي هاول أن يضيف اسمه إلى جنب رودولف؛ حيث كان متوجهًا إلى مسيرة للمثليين في لوس أنجلوس وبحوزته ثلاث رشاشات آلية ومتفجرات، في نفس أسبوع جريمة الملهى الليلي في أورلاندو، لكن الشرطة تلقت اتصالًا دفعهم للبحث عن سيارته. لو لم يكن قد تم إيقافه، فلعل جريمة متين لم تكن لتبقى وحيدة في ذلك الأسبوع.

يمكننا إضافة قاتلي ماثيو شابارد، والعديد من ضحايا الاعتداءات والجرائم بحق المثليين والمتحولين. لكن من الواضح أن مذبحة أورلاندو ليست خاصة بالإسلام. ربما القناعة الدينية قد زوَّدت عمر متين بمبررٍ أو غطاء مقبول يعفيه من مواجهة مخاوفه الخاصة حول جنسانيته، وبذلك قد يكون أقنع نفسه بأنه يقوم بواجب مقدس – كما أن المتطرفين من المسيحيين واليهود يعطون أيضًا تبريرًا دينيًا للهمجيات المعادية للمثليين.

إن تنظيم داعش وسجله الخسيس الحافل باضطهاد المثليين والمتحولين جنسيًا – بالإضافة إلى قائمة من الضحايا الآخرين – يؤمن بـ”صراع الحضارات” بين الإسلام والغرب، تمامًا كما يفعل الرجعيون المتحدثون في الإعلام الأمريكي خلال الفترة الماضية.

ولن يؤدي المزيد من القصف على سوريا والعراق إلى أي حل، خصوصًا فيما يخص الحقد الأعمى الذي تسبب بمذبحة أورلاندو. إذا كنا بحاجة إلى حربٍ، فلتكن حربًا على التعصب والعنصرية ورهاب المثليين. نحن بحاجة إلى معركة ضد دوامة تدهور الأوضاع الاجتماعية التي تعمق من حالة الاغتراب في المجتمع وتؤدي إلى قبول الناس بحلولٍ وهمية للمشاكل الحقيقية. كما علينا مواجهة كل هذه الرموز والقوى – من ترامب إلى كلينتون إلى داعش. وهؤلاء الذين خرجوا إلى الشوارع في الأيام الماضية لمعارضة العنف ولرفض الكراهية ولتكريم الضحايا ولتأكيد حقوق المثليين والمثليات ومتحولي ومتحولات الجنس، سيقفون في هذه المواجهة.

* المقال منشور باللغة الإنجليزية في 15 يونيو 2016 على موقع “العامل الاشتراكي” الأمريكي

   

التعليقات