بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كسر الحصار عن حلب

image-syria

احتفل سكان حلب الشرقية في 6 أغسطس بكسر المتمردين للحصار الذي فُرض عليهم من قِبَل النظام السوري وحلفائه منذ 17 يوليو. ولمدة اقتربت من الشهر، تحولت المناطق، التي سيطر عليها الثوار منذ يوليو 2012، إلى سجن كبير، حيث قام 300 ألف من السكان بتخزين الطعام والإمدادات خوفًا من الجوع.

لقد تطلب الأمر قدرًا كبيرًا من الوحدة والتماسك بين المتمردين – بترسانة أسلحتهم المتواضعة – ليتمكنوا من كسر الحصار. انضم الديمقراطيون القوميون بالجيش السوري الحر للميليشات الإسلامية، وخاصةً جبهة فتح الشام، التي كانت تُعرف مسبقًا بجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا.

لم يندهش المجتمع المدني السوري بهذا التغيير؛ ففي حين أن جبهة النصرة تجنبت التطبيق الصارم للشريعة الإسلامية في المناطق التي وقعت تحت سيطرتها، كان هناك معارضة شعبية لها بسبب محاولتها تقويض الأجهزة الإدارية المدنية المحلية واستبدالها بأجهزة موازية مثل محاكم الشريعة الإسلامية.

اعتقلت جبهة النصرة أيضًا نشطاء مجتمع مدني، من ضمنهم صحفيين وأعضاء في المجلس المحلي، وكانت مسئولة عن هجمات طائفية. بالطبع احتج ثوار محافظة إدلب لأكثر من 147 يوم على رفض النصرة الاعتراف بالمحاكم المستقلة، وأيضًا من أجل إطلاق سراح المعتقلين لدى النصرة.

دُفعِت النصرة للخروج من حلب بسبب الضغط الشعبي في 2014، لكنها عادت مؤخرًا. لقد تصادمت مع مجموعات متمردة أخرى وكانت غير مرغوب فيها بين سكان المدينة لمحاولتها السيطرة على المؤسسات وعلى تقديم الخدمات كالكهرباء وإمدادات الطعام.

لكن حاجة البقاء تجُب المبادئ السياسية. الكثير من الديمقراطيين – الذين يتخوفون من تطبيق الشريعة – تجدهم يحتفلون بتقدم الجهاديين، وجبهة النصرة هي ركن أساسي من “جيش الفتح” الذي حرر إدلب من النظام السوري العام الماضي. وجيش الفتح هو الذي قاد الهجوم الذي كسر حصار حلب.

تظاهر سكان المناطق المحررة من حلب لدعم الهجوم المضاد، في كوميديا مأسوية من التحدى في وقت المعارك القوية الأسبوع الماضي، حرق سكان حلب مئات الإطارات لتتصاعد أعمدة الدخان الكثيف فوق مدينتهم ليصنعوا منطقة حظر طيران. إن نجاح جبهة النصرة في كسر الحصار يزيد من أهمية النصرة في أعين السكان المحليين. هذا هو ما آل إليه فراغ الساحة.

إن سقوط حلب، الذي كان يبدو وشيكًا قبلها ببضعة أيام، لم يكن لينهي الحرب لكنه من الممكن أن يكون قد أرسل إشارة النهاية لثورة تعرضت للخيانة والغدر. تجسد حلب الحرة تطلعات الصراع الشعبي المستمر من أجل الحرية والذي يزداد تهميشه. مع قليل من الدعم الذي تخطى الدعم الشفهي لأصدقائهم المفترضين من الغرب، استطاع الشعب السورى أن يطرد نظام الأسد الدكتاتوري في يوليو 2012، وكذلك أن يطرد متطرفي داعش في يناير 2014.

أدارت المناطق الشرقية المحررة شئونها وناضلت من أجل إبقاء الخدمات الأساسية عن طريق المجالس المحلية المنتخبة ديمقراطيًا. وظهرت إلى الوجود أكبر تجمعات لمجموعات المجتمع المدني النشطة في البلد كلها، من بينها عشرات من مجموعات الإعلام الحر، ومنظمات الإغاثة والاعانة مثل مؤسسة الحماية المدنية “الخوذات البيضاء”.

قامت مجموعة من النساء بتأسيس أول محطة راديو مستقلة مملوكة لنساء (راديو النسيم)، تناقش قضايا حقوق الإنسان، ودور المرأة في الثورة، ومخاطر التطرف. هذا هو تراث الثورة، تجسيد لمُثُلها الديمقراطية ومرونتها، وهذا ما يتم قصفه لمحوه من الوجود.

عانت حلب لسنواتٍ من قصف المدفعية والبراميل المتفجرة وصواريخ السكود، لكن القصف الحالي هو الأكثر عنفًا على الإطلاق. قُصِفَت المستشفيات ومعكسرات النازحين مرارًا على يد سلاح الجو السوري والروسي.

أزاحت هجمات النظام وحلفائه على المناطق السكنية الكثير من الناس من بيوتهم. ومع عدم توافر أي مكان آخر يذهبوا إليه، ينام الكثير من الناس في المباني العامة أو خارج البيوت. وتتعرض وحدات الرعاية الصحية والمياه والكهرباء للقصف عمدًا. وضعت تلك الحرب الكثير من الخدمات الأساسية التي تحافظ على حياة الناس في مهب الريح. ونتيجة للنقص الحاد في الدعم الطبي والأطباء، لا يبقى للمصابين إلا القليل من المساعدات يوميًا.

وكانتقام من نجاحات المتمردين الأخيرة، يتم قصف إدلب بالضربات الجوية، مع وجود تقارير تفيد بأن روسيا تُلقي قنابل ثيرميت حارقة على مناطق مدنية. كما تفيد تقارير أخرى بأنه كانت هناك هجمات بغاز الكلورين في 10 أغسطس في المناطق التي سيطر عليها المتمردون في حلب.

وفي هذا السياق، فإن الادعاءات النظامية/الروسية بتأسيس ممرات آمنة لعبور الناس لا يمكن أن تُرى إلا كمحاولة لإخلاء المناطق التي تسيطر عليها المعارضة لتصبح إشارة إلى أن السكان الباقيين سيصبحون هدفًا شرعيًا للمجازر الجماعية التي تُرتكب. لابد أن تتوقف القنابل ويجب أن يتم السماح لدخول المساعدات إلى المدينة.

إن الإدارة الأمريكية، التي لم تكن يومًا داعمة للنضال الشعبي، تدفع في اتجاه تعاون عسكري أكبر مع روسيا في “الحرب على الإرهاب”. وبالنسبة لروسيا، فإن هذه الحرب تتضمن أية معارضة لنظام الأسد. وتقترح تلك السياسة قصيرة النظر أن تثق الإدارة الأمريكية في روسيا لتضغط على النظام من أجل أن ينهي اعتداءه على الجماعات المتمردة المعتدلة والمناطق التي تسيطر عليها المعارضة، بالرغم من فشل روسيا والنظام في الالتزام بأية اتفاقات لها علاقة بوقف إطلاق النار أو بالمساعدات الإنسانية.

ويتجلى الانطباع على الأرض في أن الولايات المتحدة تتعاون مع من يهاجمهم. وإذا تم سحق القوات الديمقراطية المعادية للنظام من قوى أجنبية وقوى طائفية، فإن هذا سيجعل التطرف ينمو مكانهم.

لا يحتاج الغرب إلى أن يتدخل عسكريًا ضد داعش أو النظام، فقد نجح الثوار في هزيمة داعش من قبل في السنوات الماضية ويمكنهم أن يفعلوا ذلك مجددًا. لكن يجب أن يكون هناك ضغط اقتصادي وسياسي أكبر على الدول الداعمة للنظام (السبب الرئيسى للتطرف وإراقة الدماء) لتتخلى عن تأييدها له.

لا يمكن للأسد أن يصمد على الأرض وحده، وهو مُعتمد كليًا على القوات الأجنبية في النجاة (الضربات الجوية الروسية والمسلحين الشيعة المدعومين من إيران على الأرض). ويحاول النظام السورى بائسًا أن يجنِّد مسجونين ومدرسين لأن الموالين للنظام يحاولون الهروب لتجنب التجنيد الإجباري.

عندما احترقت حلب وبعدها جُوِّعت، استرضت الولايات المتحدة روسيا وإيران، ولم تلتفت لمجاهدي إيران، واستخدمت الفيتو ضد إعطاء أسلحة مضادة للطائرات للمتمردين وفشلت في تقديم دعم كافي للمبادرات المدنية الديمقراطية. وجبهة النصرة التي كانت تتبع تنظيم القاعدة، على الناحية الأخرى، يقدمون دمائهم لإنقاذ المدينة. ستكون التداعيات ضخمة.

* المقال باللغة الإنجليزية منشور في 15 أغسطس 2016 على موقع الراية الحمراء – أستراليا

التعليقات