بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

معركة الموصل.. ماذا بعد؟

580

بعد مرور شهر على المعارك في الموصل، لازالت قوات التحالف تحاصر المدينة من جميع جهاتها وتواجه مقاومة شرسة من قبل تنظيم الدولة، فيما تستمر المعارك العنيفة على أطراف المدينة مدعومة بالقصف الجوي لطيران التحالف الذي يضم 13 دولة والتي أعلنت القيادة المشتركة لها أن المعارك لن تكون سهلة وستستمر مدة أخرى حتى بعد اقتحام المدينة.

عدد النازحين من المدينة حتى الآن يقترب من الـ 60 ألف، وهو عدد قابل للزيادة في مدينة يتجاوز سكانها الـ 2 مليون نسمة. يواجه النازحون مخاطر الانتهاكات من قبل المليشيات الشيعية بالإضافة إلى المصاعب المعيشية التي تنتظرهم في المخيمات ومخاوفهم من خطر التشريد من المدينة نهائيا، خصوصا بعد قصف منازلهم وذلك لرغبة البعض في تغيير الهيكل السكاني للمدينة ذات الغالبية العربية السنية.

مع ازدياد حالات الانتهاكات التي ترتكبها مليشيا الحشد الشعبي بحق المدنيين والأسرى، والتى ذكرها تقرير منظمة العفو الدولية، اضطر رئيس الوزراء حيدر العبادي بإعلان فتح تحقيق في هذا الشأن رغم شكوك الشارع العراقي في مدى جدوى التحقيق وعدم قدرة الحكومة المركزية الضعيفة على تقديم الجناة إلى المحاكمة.

ومن الواضح أن المعارك على الأرض تدخل في منعطف جديد، وهي مرحلة اقتحام المدينة، والتي تفتح الباب لطفو الصراعات الموجودة أصلا بين القوات المشاركة، ففي الجهة الشمالية تتوقف القوات بقيادة البشمركة الكردية عن التوغل بسبب اتفاق سياسي يسبق العمليات بعدم دخولها المدينة لأنها تدخل ضمن المناطق المتنازع عليها مع الحكومة المركزية طبقا لما صرح به رئيس الوزراء حيدر العبادي.

وجنوبا تدور المعارك بقيادة الجيش العراقي والشرطة الفيدرالية التي سيطرت على عدة أحياء من المدينة قد تصل إلى 13 حي من جملة 28، بحسب إعلان المتحدث العسكري، وغربا بقيادة الحشد الشعبي الذي اعتبر مطار تلعفر هدف استراتيجي له رغم إعلان السيد النجيفي، نائب رئيس الجمهورية، بأن ميليشيا الحشد لن تدخل مدينة الموصل وستبقى خارجها لتقديم المساعدة إلى القوات العراقية ومنع هروب عناصر التنظيم إلى الجبهة السورية.

الداخل العراقي
تأتي معركة الموصل في ظل احتدام الصراع السياسي الذي يزيد من ضعف الحكومة المركزية، وعلى رأسها رئيس الوزراء الذي يدخل المعركة بدون وزير للدفاع والداخلية، وكان البرلمان العراقي قد أقال وزير الدفاع العبيدي بعد توجيه تهم له تتعلق بالفساد، مما دفع الوزير لفتح ملفات فساد لأعضاء البرلمان أنفسهم وكشف عن وجود تلاعب كبير داخل المؤسسات العراقية تسبب في إهدار الملايين من خزينة الدولة.

رئيس الوزراء أيضا يواجه عدم الاستقرار السياسي والصراعات الدائرة بالبرلمان حتى داخل الكتل الحزبية نفسها بالإضافة إلى محاولة إقليم كردستان المتكررة في الانفصال والتي توقفت بعد الأزمة المالية الطاحنة التي تواجهه بسبب انخفاض أسعار البترول وعجزه عن دفع رواتب الموظفين الحكوميين واضطراره للجوء للحكومة المركزية. تلك الأزمة ساهمت في زيادة وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية التي وصلت إلى ذروتها في مارس الماضي بعد اقتحام المحتجين المنطقة الخضراء ودخولهم إلى مكتب العبادي نفسه.

كل تلك الأسباب كانت دافعة إلى دخول معركة الموصل وتحقيق انتصار عسكري يضمن تقوية الحكومة المركزية ويخفف الضغط على رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي يدرك أن النصر يمكن أن يعطيه بعض القوة في مواجهة منافسيه، لكنه لن يستطيع تأجيل الاحتجاجات الشعبية إلى الأبد. تلك الاحتجاجات التي تجري الآن على استحياء ومحدودية بسبب ظروف المعركة، كما يحدث في جامعة بغداد ووقفة طلبة الطب للاحتجاج على النقص الشديد في الموارد، واحتجاجات المدرسين في إقليم كردستان بسبب تأخر الرواتب. هذه الاحتجاجات هنا وهناك تنتظر انتهاء المعارك لتخرج ضد الفساد الذي ينخر في مؤسسات الدولة والطائفية التي تتسبب في نزيف الدم.

لذلك لم تبدأ معركة الموصل إلا بعد حشد الداخل العراقي لتوحيد الصف لمواجهة تنظيم الدولة، الخطر الأكبر على الدولة العراقية بحسب الجهات المشاركة، هذا الحشد لم يكن نظاميا وحسب بل امتد حتى داخل التيار الشيعي نفسه، والذي يعانى من حالة التنافس السياسي منذ فترة، ولعل أبلغ مشهد على الاصطفاف لبدء القتال عندما زار السيد مقتدى الصدر، الزعيم الشيعي الأكثر شعبية وتأثيرا بالشارع العراقي، مقر الحشد الشعبي ليعلن تأييده ومباركته للمشاركة في معركة تحرير الموصل، وهو ما أجًل الصراع الدائر أصلا داخل البيت الشيعي بين التيار الصدري وتيار المالكي (رئيس الوزراء السابق) لما بعد المعركة.

كما أن المعركة جاءت في 17 أكتوبر بالتواكب مع ذكرى عاشوراء، أحد أهم الشعائر لدى الطائفة الشيعية، والتي تم استغلالها لتصوير الحرب على داعش كحرب على قتلة الحسين، وهو ما أضفى اللون الطائفي على المعارك قبل بدايتها وأثار المخاوف من تكرار الانتهاكات ضد السكان العزل على غرار ما حدث في الفلوجة والأنبار.

البعد الإقليمي والجبهة السورية
يعتبر البعض معركة الموصل امتدادًا للحرب في سوريا، فرغم مباركة جميع الأطراف بدء المعارك إلا أن ملامح التحالفات الإقليمية والدولية بدت أكثر وضوحا.

فمع بدء المعارك صرح وزير الخارجية السعودي تخوف بلاده من الانتهاكات التي يمكن أن تقع في حق العرب السنة من أهل الموصل على يد المليشيات الشيعية. تبع ذلك موقف تركي أكثر وضوحا بطلب رسمي بضرورة وجود دور للجيش التركي في المعركة بسبب نفس المخاوف، ووصل الأمر إلى حد التراشق إعلاميًا بين أردوغان والعبادي الذي بدا فيه أردوغان متمسكا بمعسكر “بعشيقة” شمال العراق كضمان للأمن القومي التركي.

لكن المخاوف الأكبر التي لم يعلن عنها الجانب السعودي، هو توقع سيطرة مليشيا الحشد الشعبي، ممثل إيران على أرض المعركة، على طريق الموصل – الرقة، وهو ما يزيد من نفوذ إيران شرقًا ويعطى قُبلة الحياة لنظام بشار في استعادة كامل سيطرته على الأراضي السورية والقضاء نهائيًا على مليشيات المعارضة. تلك التخوفات باتت أمرا واقعا خصوصا بعد إعلان الحشد الشعبي أن مليشياته عابرة للحدود، في إشارة لرغبتها في الدخول إلى الأراضي السورية بحجة هزيمة داعش وأيضا للقتال المباشر وتطويق فصائل المعارضة. يأتي هذا بعد نجاحها في منع تسلل عناصر تنظيم الدولة من سوريا إلى الموصل والعكس.

أما الجانب التركي فيخشى من تمدد النفوذ الكردي، ممثل في البشمركة، فباستيلائها على الموصل وتهجير أهلها من العرب السنة سيصبح كامل الشمال العراقي كرديا خالصا، مما يسهل انفصاله نهائيا، وهو ما يهدد الدولة التركية خاصة وأن جنوبها يعد ذو أغلبية كردية مما قد يسمح بانفصالها في وقت لاحق.

وفي الجبهة السورية تحقق قوات سوريا الديمقراطية تقدما في الشمال الشرقي لسوريا ضد تنظيم الدولة ونظام الأسد، وهو ما دفع الجانب التركي إلى توجيه ضربات جوية ضدها بحجة علاقتها مع حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا، بل وصل الأمر إلى تدخل الجيش التركي بقوات برية لإقامة منطقة عازلة لوقف أي مشروع لدولة كردية في سوريا والعراق على حدود بلاده، لذلك فتناغم المصلحة السعودية التركية جعل وجودهم في خندق واحد أمرًا طبيعيًا.

أما الجانب الروسي فقد رحب بالعمليات المتزامنة مع الهدنة التي أعطاها لانسحاب قوات المعارضة من حلب لكنها لم تستمر طويلًا، وعاد القصف أشد وطأةً في وقت تحشد فيه روسيا بوارجها الحربية على الساحل الغربي لسوريا وهو ما دفع قوات الأسد للتقدم نحو حلب من جديد لمحاولة استعادتها بالكامل.

وأما إيران، الحليف الثالث للأسد وروسيا، فقد أخذت موقفًا إعلاميًا ناقدًا، في بادىء الأمر، للجانب التركي بسبب تدخله في الشأن العراقي رغم أن إيران تتحرك ميدانيا على الأرض عن طريق مليشيا الحشد بالعراق والحرس الثوري وحزب الله اللبناني في سوريا، ويدرك النظام الإيراني أن الموصل هي حلقة الوصل البرية التي تسمح لأن يمتد نفوذها حتى المتوسط. فيما ساعد وجود الحشد الشعبي على الطريق في تأمين الأسد وبقائه في السلطة نهائيًا دون الحاجة إلى تفاوض محصور.

إيران، المنافس الأقوى للنظام السعودي، يزداد نفوذها يوما تلو الآخر، خصوصًا بعد الاتفاق النووي، ويقوي نفوذ حلفائها على الأرض رغم التدخل المباشر للنظام السعودي في اليمن ضد الحوثيين، لكن الحرب لن تُحسم نهائيا على المدى القريب كما يستعيد نظام الأسد توازنه بعد التدخل الروسي المباشر.

وأخيرًا التقارب المصري الإيراني، بعد التصويت المصري للقرار الفرنسي والروسي على حد سواء في مجلس الأمن، سجًل التقاء ممثل مصر لدى المجلس بالمندوب الإيراني على هامش الاجتماعات، وتم منح جائزة للفيلم الذي شارك به الحشد الشعبي في مهرجان سنيمائي بالقاهرة، بالإضافة إلى ذلك تلك الصورة لعلي خامنئي التي اعتلت لافتات الإعلانات بالقاهرة في صورة تعكس تجسيد للفجوة الكائنة مع الجانب السعودي.

ويرى النظام الإيراني أن تواجده في الإقليم وامتداد نفوذه بوجوده على الأرض هو ضرورة لكسر حالة الحصار التي يعاني منها منذ سنوات وكدولة مصدرة للبترول تحتاج للحصول على حصة مرضية لتساعده في عملية النمو الاقتصادي والتمدد الإقليمي.

في حين يرى الجانب السعودي أن أي دور إيراني في المنطقة وآية حصة زائدة لها في سوق النفط هو انتقاص من نفوذ النظام السعودي وانتقاص من حصتها في السوق، وهو ما يدفعهما إلى التناحر واستخدام الطائفية لتجييش المنطقة في معسكرهما، ولعل أبرز مشهد هو منع الحجاج الإيرانيين من الحج بعد طلب إيراني بدور في التنظيم وهو ما دفع المرجعية الشيعية إلى الإفتاء بالحج في كربلاء بديلا عن مكة هذا العام.

الموقف الماركسي من معركة الموصل
تنظر الماركسية إلى الصراعات من منظور جماهيري؛ فالصراع الذي يدور في المنطقة، وخاصة في معركة الموصل بين قوى توسعية وظلامية، لا يمثل الجماهير في جبهتيه المعادية لمصالح الجماهير. انتصار أحدهم يعنى خسارة للشعوب، والأحداث تثبت هذا المنظور؛ فالنازحون عددهم يزداد يوميًا والانتهاكات تتم بحق المدنيين من كلا الطرفين، والقتل لن يتوقف بفرار داعش أو بانتصار قوات التحالف التي ستواصل عمليا حربها على الأقليات تحت طائفيتها المشهودة.

الجماهير العراقية لن تجد بدًا من أن تقاوم داعش ببربريتها وفكرها الظلامي، وأن تواصل أيضا نضالها ضد النظام الطائفي الفاسد ولا تتوقف عن احتجاجاتها حتى تنتزع حقوقها كاملة وتلفظ الطائفية والبربرية سواء.

      

التعليقات