بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

معركة حلب الأخيرة

دماء وقصف وحصار.. هذه هي الكلمات التي يمكن أن تصف حال حلب المدينة المحطمة. أكثر من 67 قتيلا من المدنيين خلال اليومين الفائتين على إشاعة اتفاق الهدنة ليصل عدد القتلى الذين تم حصرهم إلى أكثر من 1138 من منتصف نوفمبر الماضي، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من القتلى والمصابين داخل الأزقة وتحت الأنقاض لم يتم حصرهم حتى الآن بسبب الحصار المفروض على شرق المدينة. ووفقا لنشطاء داخل حلب، فأول سيارة إسعاف تم السماح لها بإجلاء المصابين، أمس الخميس، تعرضت لطلقات نارية أدت لإصابة 4 منهم وواحد بحالة حرجة.

لم تكن تلك المعارك سوى شاهد على استبسال أهل حلب في صد العدوان، لكنه، وتحت وطأة قصف الطيران الروسي، استطاع جيش السفاح بشار شطر المدينة إلى نصفين ومحاصرة المعارضة في الجانب الشرقي منها.

على الجانب الآخر في العراق، نشهد تقدم التحالف الدولي في معركة الموصل على تنظيم الدولة، وخصوصا بعد فرض سيطرة ميليشا الحشد الشعبي الشيعية على تلعفر، نقطة الوصل بين الموصل وسوريا، وتدخل القوات التركية شمال سوريا لوقف تنامي قوات سوريا الديمقراطية.

كانت الفرصة سانحة لجيش الأسد لتقسيم شطر المعارضة المتمركزة في شرق حلب إلى نصفين، شمالي وجنوبي، مما زاد من تضييق الخناق عليها وحصارها دون مساعدات.

في تلك الأثناء. لم تكن الفرصة عظيمة لكنها كانت طوق النجاة الوحيد عندما خرجت دعوات لتوحيد الفصائل المتبقية من الجيش الحر مع فتح الشام لصد أي هجوم محتمل للنظام. لكن قادة فتح الشام رفضوا انضمام الفصائل بدعوى أنهم “كفرة ومرتدين” مما أضاع الفرصة الأخيرة لإنقاذ ما تبقى من المدينة حتى تتم التسوية النهائية.

استمر الحصار والقصف تحت دعوات بالاستسلام والسماح للمعارضة بالخروج قبل الاجتياح الأخير، لكنه في الواقع لم تكن هناك فرصة للخروج؛ فالقصف استمر بلا توقف ومَن حاول الخروج يطاله القتل أو الاعتقال من قبل قوات النظام.

ليلة 12 ديسمبر 2016 كانت بداية النهاية للمعارضة السورية التي ظلت تقاتل السفاح بشار لسنوات في معارك دامية دفعت الجماهير خلالها ثمنا باهظا من دمائها وحياتها. نجح جيش بشار، مدعوما بالميلشيات الطائفية، من دخول المدينة وبدء المذبحة التي هي حلقة من سلسلة المذابح التي ارتكبها بشار السفاح طوال السنوات الفائتة.

قتلى وترويع وذعر ينتاب الأهالي العزل من أهالي حلب، دماء وأشلاء وقتل واغتصاب ميلشيات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وفيالق من الحشد الشعبي تنتقل من بيت إلى آخر تقتل وتستحل دماء أهل حلب لا تفرق بين أطفال وشيوخ ونساء.

تلك الليلة انضمت إلى سلسلة المذابح العصر الحديث الدموية التي ارتكبها سفاحون أمثال شارون فى صبرا وشاتيلا وهتلربالهولوكست وفرانكو بحق الثوار الإسبان وبينوشيه بحق الجماهير الشيلية.

أكثر من 100 ألف مدني يتكدسون في مربع لا يتعدى الخمسة كيلو مترات يحاولون الفرار ويواجهون العنف والكراهية والطائفية المتوحشة وشهوة الانتقام لدى طبقة حاكمة ادعت “الانتصار” على جماهير حاولت أن تثور ضدها مرة.

حصار الثوار: المعارك تعيد نفسها
في كتاب الحرب الأهلية في فرنسا “كانت المقاومة تزداد شدة وعناد كلما اقترب الجنود المقتحمون من نصف المدينة الشرقي، وهي منطقة العمال بالذات، ولم يسقط آخر المدافعين عن المدينة إلا بعد قتال استمر 8 أيام وعندئذ بلغت أوجها مذبحة العزل من الرجال والنساء والأطفال التي ظلت مستمرة طوال أسبوع كامل لم تعد البنادق المحسنة تستطيع أن تقتل بالسرعة الكافية، فكانوا يقتلون المهزومون بالمئات من المدافع الرشاشة ومازال حائط الثوار في مقبرة بير لاشيز حيث حدثت المذبحة الجماعية الأخيرة مائلا حتى اليوم شاهدا صامتا بليغ على الجنون الذي يمكن أن يمتلك الطبقة الحاكمة حالما تجرؤ الجماهير على الدفاع عن حقوقها”.

لم تستطع باريس الثائرة أن تصدر الثورة خارجها لتصبح ثورة الجماهير الفرنسية ضد النظام في الوقت ذاته قامت حكومة الثورة المضادة في فرساي بطلب المساعدة من القوات البروسية لحصار باريس وهزيمة قوات الحرس الوطني المدافعة عن الثورة، فكانت تلك اللحظة الجنونية التي اندفعت فيها الطبقة الحاكمة المتعطشة لدماء الثوار لمنع أي محاولة للخروج عليها بالمستقبل.

ما أشبه الليلة بالبارحة! السفاح بشار طلب المساعدة من الجيش الروسي وحلفائه في إيران والعراق ولبنان لمواجهة الجماهير الثائرة ضده وتطالب بالحرية والعدالة.

وعندما حانت المعركة الأخيرة في شرق حلب، لم يتوانَ عن استكمال سلسلة المذابح التي ارتكبها طوال السنوات الماضية لقمع الثورة بعد فشلها في حسم معاركها ضد النظام بسبب الحصار الذي فُرض عليها والتدخل الإقليمي الذي جعل سوريا ساحة للتنافس وفرض الهيمنة على المنطقة بين معسكر آل سعود وحلفائه من ناحية، والنظام الإيراني وحلفائه من الناحية الأخرى.

والآن، تلعب تحالفات النظام السوري دورا في الإغلاق التام وإحكام الحصار على المدنيين والمسلحين بأوامر مباشرة من إيران رغم أن الجانب الروسي كان قد توصل مع المعارضة الممثلة في الجانب التركي إلى رسم الاتفاق المبدئي لإخراج المدنيين. إيران تعنتت في ذلك على سبيل مقايضة المجموعات المسلحة في مناطق أخرى بغض النظر عن المجازر التي يتم ارتكابها بحق المدنيين العزل وظروف إنسانية تهدد حياتهم.

في نفس الوقت، ومع الإدارة الأمريكية الجديدة، نجد الاتجاه الأمريكي في تبني نبرة محاربة الإرهاب يتماشى تماما مع التطورات العسكرية الروسية في سوريا رغم فشل الهدنات المشتركة بينهما سابقا وتصدير الإحباط من التوصل لاتفاق سياسي رغم تطابق أهدافهم وواقعهم العسكري. واليوم، وفي نفس السياق، توصل الجانب الروسي والأمريكي تحت ضغط المعارك الدائرة إلى مشروع التسوية الذي يسمح للأسد بالبقاء في السلطة فترة انتقالية غير محددة.

لم تتبنى الدول العظمى، التي تفضل الإعراب عن “القلق” و”الإدانة”، أي بيان أو حتى تصريحات توقف المهازل والمجازر التي تحدث في حلب، والأسوأ أن معركة حلب لن تكون نهاية تلك المجازر، طالما أن هذه الدول تتخذ ذريعة تواجد داعش في سوريا هدفا للقضاء على الشعب والتدمير الكامل للبلاد..

الثورة الدائمة هي الطريق الأوحد إلى ثورة ظافرة
الربيع العربي كان هو الهزة الكبرى التي ضربت عروش دول ما بعد الاستعمار وضرب الحلقات الأضعف في سلسلة الطبقة الحاكمة بالمنطقة العربية.

الطبقات الحاكمة في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا كان الفساد ينخر في جنباتها طوال عقود طويلة. لم تصمد مع الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008 والتي دفعت بالجماهير إلى الاحتجاج حتى انفجار شرارة البوعزيزي في تونس. لكن الأنظمة الخليجية المدعومة بشكل مباشر من الجيش الأمريكي استطاعت وقف احتجاجات البحرين 2011 بشكل مباشر وحصار الثورة المصرية حتى سقوط مرسي في 3 يوليو 2013 بل والدعم المادي والمعنوي حيث دفعت بسخاء المليارات للثورة المضادة بقيادة السيسي لتثبيت حكمه، وتدخلت بشكل مباشر في اليمن.

أما في سوريا المكلومة فكانت الهزيمة للثورة مرتبطة بهزيمة الثورة المصرية، وأبلغ لحظة تجسد هذا الارتباط عندما ارتكب السفاح السيسي جريمته في أغسطس 2013 بميدان رابعة العدوية بقتله المئات وحرق جثثهم واعتقال الآلاف، فلم تمر بضعة أيام حتى ارتكب السفاح بشار جريمته باستخدام الحرب الكيماوية ضد الجماهير ليقتل المئات. الارتباط الزمني وبشاعة الحدثين أبلغ دليل على مدى الصلة الوثيقة لارتفاع حدة الثورة المضادة بالمنطقة وتأثيرها على الجماهير.

تراجع الجماهير المصرية وتصفية ثورتها بحملة القتل والخطف والاعتقال والقوانين الاستبدادية هو جزء من ثورة مضادة تكالبت على الجماهير العربية الثائرة، إثر ضعف تنظيماتها، لتتحول الساحة السورية إلى ساحة للتنافس الإقليمي بين النظام السعودي والإيراني.

لذلك فإن نجاح الثورة السورية كان مرتبطا بنجاح الثورة المصرية وهزيمة الثورة المصرية، على يد الانقلاب العسكري، شدد الخناق على السورية والسقوط الدموي لحلب سيزيد من قوة الطبقة الحاكمة في مصر وإحكام سيطرتها بالإضافة إلى مزيد من الإحباط والقهر للجماهير.

إن الثورة الدائمة تعني في أحد مبادئها دعم استمرار الثورة خارج الحدود لضمان مواجهة الطبقة الحاكمة التي تربطها المصالح ولا تفرقها الحدود، فكما أن الطبقات الحاكمة ترتبط ببعضها البعض، أيضا هناك ارتباط عضوي بين الجماهير المقهورة في بقاع المعمورة.

هزيمة ثورة يعنى حصار أخرى وهزيمتها، ونجاح ثورة مرهون بنجاح أخرى خارج حدودها.

      

التعليقات