بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اغتيال الزواري: بين شهداء المقاومة وحصار الجماهير

الزواري

في الخامس عشر من ديسمبر 2016 أُغتيلَ المهندس طيار التونسي محمد الزواري على الفور إثر تلقيه 6 طلقات نارية مباشرة في جمجمته داخل سيارته وأمام منزله بمنطقة العين بولاية صفاقس جنوب تونس.

وبعد أن أُعلن عن مقتله، أصدرت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، بيانًا يشير إلى وقوف الموساد الإسرائيلي خلف تلك الحادث.

وفي نفس السياق، وردًا على سؤال أحد الصحفيين بشأن مقتل الزواري، صرح وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدرو ليبرمان أن بلاده تفعل ما يتوجب عليها للدفاع عن مصالحها.

محمد الزواري هو مهندس طيار تونسي يبلغ من العمر 49 عامًا، عمل في سوريا حتى اندلاع الثورة في 2011، عاد بعدها إلى تونس، وطبقًا لبيان كتائب عز الدين القسام، فالشهيد كان يساهم في تطوير سلاح المقاومة طوال 10 سنوات بتحديثه الطائرات بدون طيار، وهو ما يضيف تفوقًا نوعيًا لسلاح المقاومة الفلسطيني.

ليست الجريمة الأولى
انضم اسم الزواري إلى قائمة شهداء المقاومة الذين اغتالهم الموساد الإسرائيلي طوال العقود الماضية، والتي كان أبرزها اغتيال القائد خليل الوزير، المعروف باسم أبو جهاد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والمسؤول العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1988 بولاية بوسعيد بتونس، وذلك بعد اندلاع الانتفاضة الأولى، وتم تصفيته بـ 172 رصاصة أمام عائلته.

وفي تونس أيضًا، اُغتيل صلاح خلف، المعروف بأبو إياد، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1991. وفي عام 1995 اُغتيل فتحي الشقاقي الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي بمالطا، والشهيد يحيى عياش مهندس حركة حماس في عام 1996 بقطاع غزة.

وفي عام 2001 تم تصفية أبو علي مصطفى، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في غارة استهدفت مكتبه برام الله بالضفة الغربية، وفي عام 2002 قصف الطيران الصهيوني منزل صلاح شحاتة القيادي في حركة حماس بغزة.

وشهد العامان 2003 و2004 عدة اغتيالات لقادة في حركة حماس بغارات جوية أيضًا هم: الشيخ أحمد ياسين مؤسس الحركة، وإبراهيم المقادمة وإسماعيل أبو شنب، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وتشير أصابع الاتهام إلى جهاز الموساد في عملية قتل ياسر عرفات الذي مات إثر تسممه بمادة البولونيوم، مثلما أكدت التقارير الطبية. وفي عام 2012 استهدفت غارة جوية سيارة القائد العام لكتائب القسام أحمد الجعبري. وفي عام 2014 قٌتل الوزير زياد أبو عين على يد قوات الاحتلال. أضف إلى تلك القائمة عشرات من العلماء العرب في مجال الذرة والأبحاث الكيميائية والبيولوجية، كان أغلبهم من العراق بعد سقوط نظام صدام حسين في 2003.

تلك الجرائم التي تجسد عمق الصراع ضد الكيان الصهيوني الذي يسعى لكسر المقاومة وحصارها وقتل قادتها وتشديد الخناق عليها، وإقامة التحالفات مع الأنظمة العميلة التي تسعى على الجانب الآخر لكسر مقاومة الجماهير بالاستبداد والقمع.

الكيان الصهيوني والثورات المضادة وجهان لعدو واحد
جاء مقتل الزواري في ظل ظروف سياسية متداخلة، خصوصًا بعد سقوط حلب في يد نظام الأسد خلال نفس الشهر وقبل أيام من استشهاده. معركة حلب التي كشفت التنسيق العسكري بين نظام الأسد ونظام الثورة المضادة المصري بعد ورود أخبار كان أبرزها ما نشرته جريدة السفير اللبنانية الموالية لنظام بشار عن وجود 18 طيار مصري من بينهم لواءان يعملان في هيئة الأركان بدمشق.

هذا التنسيق جاء في سياق العلاقات المشبوهة بين الكيان الصهيوني وعملائه بالقاهرة، والتي شهدت تطورًا كبيرًا خلال فترة حكم السيسي، وصفها الجانبين بأنها خرجت من “السلام البارد إلى مرحلة التحالف المباشر”.

ومن المؤكد أن وجود قوات مصرية في سوريا لمساعدة الأسد جاءت بعد التنسيق مع الكيان الصهيوني لإنقاذ بشار وبدء تسوية بين الطرفين، حسب تصريح السيسى فى سبتمبر 2015، وهو ما يُعتبر ضربة قاسمة لسلاح المقاومة التي يملك نظام بشار معلومات ضخمة عن قادته وإمكانياته وتسليحه، على اعتبار ادعاءاته السابقة إنه نظام ممانع يحتضن المقاومة، ولعل مقتل الشهيد الزواري أحد نتائج تلك التسوية المرتقبة، وهو ما يجعلنا نشير بأصابع الاتهام في حادث اغتياله إلى أنظمة الثورة المضادة العميلة للكيان الصهيوني.

الربيع العربي كان بمثابة الزلزال الذي ضرب عروش المستبدين المستقرة طوال عقود وكاد أن يمتد أثره ليضرب العدو الصهيوني في مقتل. فالأنظمة المستبدة التي حكمت لسنوات كانت تؤدي دورها في كسر إرادة الجماهير وقتل أي روح للمقاومة، وبسقوطهم الواحد تلو الآخر، ارتبكت حسابات الكيان الصهيوني، خصوصًا مع سقوط حليفها الأقرب حسني مبارك، الكنز الاستراتيجي، والذي أدت الإطاحة به إلى زيادة الثقة لدى الجماهير الثائرة لتحلق تلمس السماء في 18 يوم.

ثورات الربيع العربى كانت تهدف إلى تأسيس أنظمة ديمقراطية تزيد من قوة الجماهير وقدرتها على مواجهة أعدائها في الداخل والخارج وتقربها خطوة من النصر وتحرير كامل الأرض المحتلة، وهو ما تنبهت له الصهيونية منذ اللحظة الأولى فكانت داعمة للثورات المضادة والانقلاب على تلك الديمقراطية الوليدة.

الخط الواصل بين الصهيونية وأنظمة الثورة المضادة يتجسد في سياستهم تجاه كسر المقاومة وزيادة الاستغلال للجماهير الكادحة لخدمة الإمبريالية العالمية؛ فالكيان الصهيوني يحاول نزع سلاح المقاومة باغتيال قادتها وحصارها لوقف أي إمدادات لها وتشديد الخناق على سكان مناطقها لكسر الحاضنة الشعبية لها وإقامة التحالفات للتضييق عليها حتى خارج حدودها.

أما أنظمة الثورة المضادة، نظام السيسي مثالًا صارخًا ويعبر عن سياستها، حيث يسعى جاهدًا إلى الاندماج السريع بالاقتصاد العالمي وربط الرأسمالية المصرية بالرأسمالية العالمية وذلك لدمج مصالحها معًا، وهو ما يزيد من قوة وثروة الطبقة الحاكمة المصرية ويضمن في ذات الوقت ازدياد الهيمنة الإمبريالية العالمية.

فسياسة الإفقار التي تسعى إلى خفض قيمة الأجور وذلك بتحرير سعر صرف الجنيه الذي تقل قيمته أمام العملات الأخرى ورفع تكلفة المعيشة عن طريق رفع الدعم وربط أسعار السلع والخدمات بالسعر العالمي مما يدفع بالجماهير العاملة للعمل لساعات أطول وتقبل ظروف عمل اصعب لمجرد الحفاظ على نفس قيمة الدخل تصب في صالح مجموعة من اللصوص ما بين رجال أعمال مصريين وعرب وأجانب وكبار موظفين بالدولة وجنرالات الجيش والمخابرات وقضاة يزداد ثرائهم كلما تم اتخاذ تلك الإجراءات بوتيرة أسرع، خصوصًا في غياب الديمقراطية وتفشي الفساد وإحكام القبضة الأمنية على كل مظاهر التنظيم والاحتجاج الجماهيري بما يسمح لتلك المجموعة واحتكار الثروة والاستفادة من سياسات الإفقار تلك دون أدنى مقاومة للجماهير.

إضافة إلى ذلك يمكن الإشارة إلى نقاط التماس بين الكيان الصهيوني وأنظمة الثورة المضادة في التنسيق الأمني العالي والذي تتضح ملامحه في تصريحات كلا الطرفين طوال الوقت. على سبيل المثال، ما أعلنه السيسي عن دور الجيش في حماية الجيران من خطر الإرهاب وأيضًا التنسيق الدبلوماسي الذي ظهرت ملامحه في مجلس الأمن عندما طالب مندوب مصر بتأجيل مشروع إدانة الاستيطان، والذي لاقى استحسان عبرت عنه الصحف الإسرائيلية بتوجيه شكرها للسيسي، إلى غير ذلك من المصالح الاقتصادية التي كانت على وشك أن تصبح أكثر صلابة لولا الربيع العربي الذي أربك حسابات الجميع وأجًل مشروع التسوية والشراكة العلنية بين الدول “المعتدلة”، والمتمثلة في مصر والسعودية والأردن من جانب، والكيان الصهيوني من الجانب الآخر لأجل غير مسمى، وهو ما تسعى الثورات المضادة لاستعادته مع الوقت.

توافق المصالح بين الكيان الصهيوني وتلك الأنظمة في خدمة النظام العالمى (النظام الرأسمالي)، فالأول يسعى لتأمين مصالحه بالمنطقة كمصدر أكبر للنفط الذي يمده بمعظم احتياجاته من الطاقة، وذلك بقوة السلاح وكسر المقاومة، والثاني يحكم السيطرة على الجماهير بالقمع المباشر واستغلالهم كأيدي عاملة رخيصة قليلة الاستهلاك لتزيد من قوة النظام العالمي وإحكام سيطرته على الجماهير المستغلة في كافة بقاع المعمورة.

السلطة الفلسطينية أداة لقمع المقاومة
كل يوم يمر تتراجع السلطة خطوة إلى الوراء بعيدًا عن خيار المقاومة. وتخطو للأمام نحو خيانة الجماهير من خلال نزع سلاح المقاومة وحصر حل القضية في التفاوض ومحاولة إرضاء الجانب الصهيوني من خلال التنسيق الأمني الذي وصل إلى حد اعتقال المئات في سجونها مما جعلها خط الدفاع الأول عن الدولة العبرية وأداتها لقمع الجماهير الفلسطينية، وأصبح بقائها في السلطة ملازم للترويج لعملية السلام الزائفة والتي يثبت فشلها كل يوم.

السلطة الفلسطينية، في هذا الجانب، أخذت موقفًا داعمًا للثورات المضادة، وهو ما يعكس إدراكها لخطورة أي نجاح لثورات الربيع العربي على وجودها، فأي نجاح جماهيري كان سيساهم في فضحها وانقلاب الجماهير الفلسطينية عليها وتخطيها، فثورات الربيع العربي كانت ستعيد إحياء سلاح المقاومة كخيار أوحد لحل القضية.

ولعل موقف السلطة المعادي لحق المقاومة يجسد دورها الذي رسمته اتفاقية أوسلو والتي جعلت مصالحها مرتبطة بولاءها للكيان الصهيوني رغم أن معظم قيادتها خرجت من رحم منظمة التحرير الفلسطينية، الذراع العسكري لحركة فتح، تلك الحركة التي تغيرت رؤيتها عبر صراعها مع العدو الصهيوني من الكفاح المسلح إلى الانبطاح الكامل، وهو ما يجسد لنا فشل حركات التحرر التي كانت بقيادة أبناء الطبقة الوسطى وانحرافها الفكري.

المقاومة والاحتجاج طريق التحرر
كما أن الكيان الصهيوني والثورات المضادة تعبران عن مصلحة واحدة، فإن المقاومة والاحتجاج هما سبيلنا إلى التحرر.

يخبرنا التاريخ القريب عمق تأثير القضية الفلسطينية على منحنى الاحتجاج في مصر والوطن العربي كله، فمع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، خرجت التظاهرات في القاهرة والعواصم العربية تنديدًا بالعدوان الصهيوني. تلك التظاهرات كانت كالمهد بالنسبة للشباب المشارك في الاحتجاجات على نظام مبارك قبيل ثورة يناير ثم قاد الاحتجاجات عليه أثناء وبعد اندلاع الثورة.

ويعتبر التأثير متبادل فأي تراجع الاحتجاجات في الشارع العربي يزيد من الخناق على المقاومة الفلسطينية، والعكس بالعكس، في الانفراجة التي حققها الربيع العربي وخروج الجماهير لإسقاط الأنظمة المستبدة أعطى فرصة لنمو المقاومة وتخفيف الحصار عليها.

إن مقاومة العدو الصهيوني بدعم المقاومة المسلحة المباشرة ومقاومة الأنظمة المستبدة التنظيمات الجماهيرية والاحتجاج عليها وفضح جرائمهم وخيانتهم للجماهير والدعاية للثورة والتحريض على إسقاطها لاستبداله بأنظمة ديمقراطية منتخبة هو وسيلتنا لبناء مجتمع أفضل مُؤسس على الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

      

التعليقات