بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حراك الريف بالمغرب يفضح السلطة القمعية

18738655_631381560401364_2425430692452170312_o

ما بين الحادث الشنيع الذي أودى بحياة بائع السمك محسن فكري طحنًا داخل شاحنة نفايات إثر مصادرة الشرطة لبضاعته العام الماضي، ثم اعتقال أحد أبرز الوجوه المعارضة و30 آخرين الأسبوع الحالي، أفرز الحراك الاجتماعي المغربي سلسلة طويلة من الاحتجاجات استمرت 6 أشهر في أحد أفقر المناطق الريفية الشمالية المهمشة، الحسيمة.

وفقًا لوسائل الإعلام المغربية، وجهت السلطات للمعتقلين تُهم تهديد الأمن العام وارتكاب جرائم مختلفة تؤثر على النظام العام، كذلك منع الشرطة من أداء مهامها. فيما انتشرت قوات الأمن بشكل مكثف على الطرق الرئيسية للحسيمة مع توزيع مكثف لقوات من الجيش ومدرعات قتالية ووضع حواجز مرورية في محاولة لتشديد الخناق على الأهالي واحتواء قمعي للتظاهرات.

على الجانب الآخر، توسعت رقعة التضامن لتشمل البلدات المجاورة للحسيمة، الناظور وأمزورون، بعد أن طوقت قوات الأمن المنطقة وحاصرتها من جميع الجوانب، كما امتدت التظاهرات للعاصمة المغربية الرباط أمام البرلمان وغلق مئات المحتجين بعض مداخلها، بينما تعرضت مسيرة طنجة إلى الضرب بهراوات الأمن. في المقابل، تفجر الوضع على نحو تضاعفت فيه أعداد المتظاهرين بالحسيمة لتقدر بـ 10 آلاف مساء يوم الإثنين في أكبر مسيرة نظمها الأهالي عقب الاعتقالات رغم الحصار، منددين بالأسلوب القمعي الممنهج الذي تعتمده السلطات حيال مطالبهم العادلة في القضاء على الفساد وتطوير الريف وخلق فرص عمل ورفع العسكرة وإنهاء العزلة الجغرافية للمنطقة عبر تدشين طرق جديدة وربطها بالسكك الحديدية.

على المستوى السياسي، فضحت أحداث الحسيمة الخطاب الحكومي واتهام المعارضين بـ “النزعة الانفصالية” والتخوين والعمالة والتمويل من جهات خارجية. في الوقت الذي يرفع فيه المتظاهرون مطالب القضاء على البطالة والتهميش. كما لم يتم صدور حكم قضائي نهائي ضد قتلة بائع السمك في ظل تبرئة الإدارة العامة للأمن الوطني لجميع عناصرها!

مكاسب الحراك
أشعل حراك الريف قضية التباين الطبقي في المجتمع المغربي وتحديدًا بين المدن والريف، فالحسيمة التي تشهد تظاهرات اليوم، هي إحدى المناطق الريفية المهمشة التي تعاني رصدًا منكمشًا من ميزانية الدولة بالدرجة التي أصبحت أحد أهم المطالب الاجتماعية المرفوعة في إنشاء جامعة ومستشفى تابعة لها هي أمور ملحة لافتقارهما التام.

لكنه، وبحسب ما أعلنته الحكومة في رصد الدولة مبلغ 8 مليار و600 مليون سنتيم عقب احتجاجات العام الماضي، إلا أن مشروع “الحسيمة منارة المتوسط” كان عرض الدولة في تلبية احتجاجات لم تطالب أبدًا بتهيئة مواقف السيارات وهيكلة الحدائق ومداخل الإقليم في الوقت الذي يعاني فيه السكان من افتقار تام للخدمات الاجتماعية في التعليم والصحة ونسبة بطالة وصلت إلى 14.2% وفقًا للأرقام المعلنة. إن اقتطاع جزءًا من الموازنة التي يسيطر عليها التقشف لبناء مستشفى أو جامعة سيلزم الدولة بتحمل نفقاتها على عكس أن تضخ مبالغ وقتية صورية في تجميل وتزيين الإقليم بهدف الاحتواء الإعلامي للاحتجاجات من ناحية، ومن ناحية أخرى تبرير تشديد اليد القمعية على متظاهري الإقليم. يأتي هذا في سياق إعفاء تام للمستثمرين من ضريبة أرباح الشركات لمدة 5 سنوات وضريبة القيمة المضافة لمدة 3 سنوات، وهو بالأساس ضمن سياسة طبقية تنتهجها الدولة في وضع أولوياتها بالاستثمار وليس الاهتمام بالمناطق المهمشة. حراك الريف فضح تلك السياسات وبسهولة عبرت الاحتجاجات والتظاهرات من الريف لتصل إلى عمق المدن والعاصمة تحت نفس المطالب.

على الجانب الآخر، أعطى حراك الريف زخمًا ثوريًا أعاد مشاهد انتفاضة 2011 حيث انخراط الكتل الثورية في مطالب سياسية واجتماعية. فمنذ يومين، أصدرت جمعية أطاك طنجة لمناهضة العولمة الرأسمالية بيانًا أعلنوا فيه تضامنهم الكامل مع حق الأهالي في التظاهر والتنظيم ودعوا كل المغاربة للمشاركة والدفاع عن مطالب الريف ضد قمع وتنكيل السلطة. فيما تواجدت حركة 20 فبراير داخل صفوف الاحتجاجات بالرباط، وهي الفرصة التي أُتيحت للقوى السياسية والثورية للاندماج مجددًا واستعادة قدرتها على طرح نفسها في الشارع، كما تطرح اللحظة عليها، في المقابل، مسئولية فورية لبلورة برامج سياسية ووضع تصورات معارضة بديلة في ظل ذبول تام عانت منه القوى الثورية في المغرب والمنطقة العربية ككل.

لكنه، ومع استمرار الاحتجاجات في الحسيمة لـ 6 أشهر متواصلة، فالمكسب الأعظم تمثل في قدرة الأهالي على تنظيم أنفسهم في حراك واجه الإحباط والاضمحلال بتوسيع قواعد النقاش والتنظيم فيما عُرف باللجنة الإعلامية للحراك الشعبي. إن استمرار الحراك لم يكن ليتم سوى بربط كل المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحت نفس السقف الاحتجاجي، سقف يجمع إنهاء العسكرة والعزلة ومحاسبة قتلة محسن شكري، ببناء المستشفيات والحفاظ على الثروة المائية وتشجيع الصيد، ويضع كل مطالبهم تحت الرقابة الذاتية الشعبية.

لعل ذلك هو ما طرحته تحديدًا مسودة الحراك الشعبي في 5 مارس من العام الحالي: “بناء على النقاشات التي خاضها نشطاء الحراك مع الجماهير الشعبية على مستوى مدينة الحسيمة وعلى مستوى باقي مناطق الإقليم والنواحي، وفي ضوء التطورات الأخيرة بمدينة الحسيمة المتجلية بالضبط في التدخل الهمجي لقوى القمع في حق نشطاء الحراك.. وإثراء للنقاش وتعميقه حول مطالب الحراك الشعبي بما يستجيب لانتظارات المواطنين؛ نطرح هذا الملف المطلبي للقابل لإبداء الرأي من طرف الساكنة وكل الجماهير الشعبية، ليكون ملفًا متكاملًا وأرضية صلبة لحراكنا السلمي الحضاري”.

إن دروس حراك الأساتذة المتدربين قدمت نماذج بطولية في إجبار الحكومة على تعيين 11 ألفًا من المعلمين الجدد بعد نضال استمر طويلًا في ظل تعنت عنيف من الحكومة، وتقوية حراك الريف وصموده سيكون في مدى قدرته على الامتداد رأسيًا في عمق مطالبه وربطها، وأفقيًا في استغلال دائرة التضامن الأوسع في طول البلاد بتشكيل لجان مناطقية تدرس سبل التصعيد.

كل الدعم والتضامن مع حراك الريف المغربي.

التعليقات