بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

تقرير المصير.. حق ديمقراطي لجماهير كتالونيا

كتالونيا

دشَّنَت قوى الدولة الإسبانية حملةَ قمعٍ وحشية ضد المواطنين الكتالونيين قبيل الاستفتاء على الاستقلال في 1 أكتوبر الجاري. وانتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي، على نطاقٍ واسع، صورُ المُصوِّتين وهم يُبعدون تحت تهديد السلاح عن مراكز الاقتراع، وتُطلَق عليهم القنابل المسيلة للدموع.

وجاء رد فعل عمدة برشلونة، كولاو بالانو، على القمع في كتالونيا، بأن أصدَرَ بيانًا جاء فيه: “من غير المقبول أن تهرع الشرطة إلى المواطنين العُزَّل الذين احتشدوا لممارسة حقهم في التصويت. ماريانو راخوي (رئيس الوزراء) ليس سوى شخصٍ جبان”.

قمع ومقاومة
ومع ذلك، ناضَلَ الكتالونيون في الشوارع ضد هذا القمع الذي يُهدِّد الديمقراطية. وانتشرت، على سبيل المثال، صورةً لإطفائيين شكَّلوا صفًا دفاعيًا بين بلطجية الشرطة والمواطنين الذين يحاولون ممارسة حقهم الديمقراطي في تقرير مستقبلهم.

في مثل هذا الموقف، لابد أن يقف اليسار الأممي، وأيٌ من يدعم الحق الديمقراطي للشعوب في تقرير مصيرها، إلى جانبِ الشعب الكتالوني – أيًا كان القرار الذي يتخذونه بشأن مستقبلهم. وإذا لم يكن الاستفتاء ليُعقَد بسبب القمع الذي مارسته إسبانيا، لكان من الواجب أن تنطلق المظاهرات التضامنية في كافة أنحاءِ العالم.

وكان الاتحاد العام للعمل في كتالونيا، وهو اتحادٌ نقابي يضم عشرات الآلاف من الأعضاء، قد أصدَرَ بيانًا قبيل 1 أكتوبر، قال فيه: “بعد نقاشاتٍ مع نقاباتٍ أخرى، أطلقنا الدعوة للإضراب العام في 3 أكتوبر”. وأضاف: “لا نريد إصلاحاتٍ تستعبِد حياتنا، ولا استبدادًا من قِبَلِ أولئك الذين يعتقدون أننا سندمِّر حقوقنا”.

وبالطبع أُضيفَت بعد الاستفتاء المزيد من الأسباب للمُضي قُدُمًا في الإضراب على خلفية القمع الذي تعرَّض له المُصوِّتون.

انطلقت المظاهرات التضامنية في المدن والبلدات عبر أرجاء كتالونيا في الفترة السابقة على الاستفتاء. لكن الأمر لم يقتصر على ذلك فقط، فقد امتدت الاحتجاجات إلى مدريد والكثير من المدن الإسبانية الأخرى. ويُعتَبَر هذا مهمًا للغاية لأنه يشير إلى إمكانية تضامن العمال الإسبان مع زملائهم في كتالونيا ضد الدولة الإسبانية، التي فَرَضَت في السنواتِ الأخيرة سياسات تقشُّف قاسية على العمال والطلاب والفلاحين على جميع الأصعدة. وقد يأتي القمع الأمني بنتائج عكسية على الحكومة، وهو يشير أيضًا إلى إمكانية تنامي الحركة وتمدُّدها إلى ما هو أبعد من الاستقلال.

وقال كيم أروفات، من حزب الوحدة الشعبية اليساري المؤيد للاستقلال والمناهض للرأسمالية، قبل استفتاء 1 أكتوبر: “من خلال التصويت، سنقول لا لنظام راخوي”. وأضاف: “المسألة لا تتعلَّق فقط بالهوية والثقافة، بل إنها إرادة شعب. نريد أن نأخذ السلطة من أيدي النظام والبنوك والجيش”.

تقرير المصير
من الضروري أيضًا فهم أهمية الدفاع عن حق تقرير المصير لأمةٍ مُضطهَدَة. جادَلَ الثوري الروسي فلاديمير لينين بأن الاشتراكيين الذين يعجزون عن فهم هذه الضرورة لن يضروا النضال القومي من أجل التحرُّر فحسب، بل أيضًا سيضرون أي إمكانيةٍ للتقدُّم نحو المستقبل الاشتراكي:

“الثورة الاشتراكية ليست خطوةً واحدة، ليست معركةً على جبهةٍ واحدة، بل حقبةً كاملةً من الصراعات الطبقية المُكثَّفة، سلسلةً طويلةً من المعارك على كافة الجبهات؛ أي معارك حول مشكلات الاقتصاد والسياسة يمكنها أن تتصاعد لتفضي إلى مصادرة البرجوازية. وعلى العكس، ومثلما أن الاشتراكية لا يمكن أن تنتصر إن لم تُقدِّم ديمقراطية كاملة، لن تتمكَّن البروليتاريا من الإعداد لإحراز النصر على البرجوازية إن لم تشن نضالًا ثوريًا مستعرًا ومُتعدِّد الجوانب من أجل الديمقراطية”.

كان جزءٌ حاسمٌ من النضال من أجل الاشتراكية في روسيا يتمثَّل في فهم ضرورة القطع مع ما أسماه لينين “سجن الأمم”، من أجل بناءِ نضالٍ مُوحَّدٍ ضد الاستبداد وكل أشكال الاستغلال والاضطهاد. وبالنسبة للينين والبلاشفة، كان هذا يعني أن الحق في تقرير المصير وصولًا إلى الاستقلال لابد أن يكون قرارًا ديمقراطيًا نابعًا من الأقليات القومية المُضطهَدَة.

وبسببِ المسار الذي سلكته الدول الرأسمالية تاريخيًا في استخدامِ الاضطهاد القومي لتعزيز سلطاتها، فغالبًا ما يرتبط النضال من أجل العدالة الاجتماعية، بصورةٍ لا تنفصم، بالنضال من أجل تقرير المصير. فعادةً ما تُستَغل الأمم المُضطهَدة في “سجن الأمم” هذا كمصدرٍ للثروات والموارد والأيدي العاملة من أجل رخاء الطبقة الرأسمالية الحاكمة.

وهنا، نجد أن الإصرار على عدم السامح للمُصوِّتين الكتالونيين للاستفتاءِ على مستقبلهم له علاقةٌ وثيقةٌ بالمصالح الاقتصادية للطبقة الإسبانية الحاكمة. وتُعتَبَر كتالونيا مركزًا صناعيًا رئيسيًا، وتُمثِّل حوالي 20% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعلها أحد الروافع الأكبر لاقتصاد البلاد ككل. وبرشلونة أيضًا تُعد ميناءً رئيسيًا ووجهةً سياحيةً هامة.

هذا نضالٌ له تداعياتٌ أوسع على البلدان الرأسمالية الأخرى التي تخشى أن تلقى صيحة الحرية الديمقراطية القادمة من كتالونيا صدى لدى مواطنيها. وهذا ما رأيناه حين أيَّدَ قوميون أسكتلنديون، وآخرون من مدينة كيبك الكندية حق الكتالونيين في اختيار مصيرهم.

وردًا على بعض الاشتراكيين الذين جادلوا بأن النضالات القومية التحرُّرية كانت “غير مجدية” أو “خادعة” في ظل الإمبريالية، جادَلَ لينين بأن “التأكيد على أن حق الأمم في تقريرِ مصيرها لا يمكن إنجازه ضمن إطار الرأسمالية” لهو سوء فهمٍ للإمكانيات الثورية الكامنة في النضال من أجل الحقوق الديمقراطية والتي تدفع الجماهير لتتجاوز حدود النظام نفسه:

“إن مطلب التحرُّر الفوري للمُستعمَرات، كما يُقدِّمه كل الاشتراكيين الديمقراطيين الثوريين، هو أيضًا “مستحيل التحقيق” في ظل الرأسمالية من دون سلسلةٍ من الثورات. غير أن هذا لا يعني أن الاشتراكية الديمقراطي ستعزف عن شنِّ نضالٍ فوري أكثر صرامةً من أجل هذه المطالب، فالعزوف عن ذلك سيصب في صالح البرجوازية والرجعية.

على العكس، هذا يعني أن من الضروري صياغة وتقديم كل المطالب، ليس بصورةٍ إصلاحية، بل ثورية؛ لا تحافظ على إطار الشرعية البرجوازية، بل يتجاوزه، لا ينحصر في الخطب والاحتجاجات البرلمانية الشفهية، بل بدفع الجماهير إلى الحركة الفعلية، بتوسيع وإثارة النضال من أجلِ كل شكلٍ من المطالب الديمقراطية الأساسية، وصولًا إلى النضال المباشر للبروليتاريا ضد البرجوازية، أي الثورة الاشتراكية التي تُصادِر البرجوازية.

ربما تندلع الثورة الاشتراكية ليس فقط في أعقابِ إضرابٍ كبير، أو مظاهرةٍ جماهيرية، أو احتجاجٍ من أجل الخبز، أو تمرُّدٍ في بلدٍ مُستعمَر، بل أيضًا كنتيجةٍ لأي أزمةٍ سياسية… أو إبان استفتاءٍ على استقلالِ أمةٍ مُضطهَدَة”.

– هذا الموضوع مترجم عن موقع الاشتراكيين الأمميين – كندا. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

   

التعليقات