بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كتالونيا والطبقة والاستقلال

GettyImages-455262678

هيكتور سييرا: اشتراكي إسباني مقيم في لندن

جاء رد فعل الدولة الإسبانية العنيف على الاستقلال الكتالوني صادمًا، لكن هذا هو الوقت الذي يقبض فيه اليسار على زمامِ القيادة.

مرةً أخرى تفضح الأحداث في كتالونيا حدود الديمقراطية الليبرالية. كَتَبَ فريدريك إنجلز أن الدولة الرأسمالية تتألَّف من “أجهزةٍ من رجالٍ مُسلَّحين”. وقليلة هي المرات التي ثبُتَ فيها ذلك مؤخرًا في التاريخ بهذا الجلاء الذي ظهر به في يوم الأحد 1 أكتوبر، حين ردَّ حزب الشعب الإسباني المُحافِظ الحاكم، بزعامة ماريانو راخوي، على استفتاء كتالونيا على الاستقلال بنشرِ 10 آلاف من رجال الشرطة والعناصر شبه العسكرية للتصدي للمُصوِّتين جسديًا ومنعهم من الإدلاء بأصواتهم. أغلقوا مراكز التصويت، وصادروا أوراق الاقتراع، وأصابوا أكثر من 800 شخص بجروحٍ جرَّاء الاشتباك معهم.

إذا كانت حملة القمع وحشيةً، فالمقاومة التي تصدَّت لها كانت ملهمة. في الفترة التي سبقت الاستفتاء، ردَّ الكتالونيون على كلِّ تصعيدٍ في الإجراءات القمعية من قِبَلِ حزب الشعب الحاكم باستعراضٍ جديدٍ للتعبئة الجماهيرية. تطوَّعَ الآلاف كمراقبين ومشرفين على الاستفتاء، وخاطروا بتعرُّضهم للاعتقال، وانبثقت اللجان للدفاع عن الاستفتاء في المدنِ والأحياء. وقبل يومين من الاستفتاء، احتلَّ الناسُ مراكز الاقتراع لمنع الشرطة من إغلاقها. وفي يوم الاستفتاء، تحدَّى ما يقرُب من ثلاثة مليون مُصوِّت حظر الدولة والشرطة، وخرجوا للمشاركة في الاقتراع. وبسبب مُصادَرة أوراق الاستفتاء وإغلاق مراكز الاقتراع، فإن عدد المُشارِكين غير مؤكَّد، لكن جرى حصر 2.3 مليون مُصوِّت (43% من جمهور الناخبين)، وجاءت النتيجة مُدوِّيةً بـ90% لصالح الاستقلال.

وكان الرئيس الكتالوني، كارلس بوجديمون، قد تعهَّدَ بإعلان الاستقلال بعد الاستفتاء بـ”نعم” عليه. وفي يوم الثلاثاء 10 أكتوبر، احتَشَدَت الجماهير أمام البرلمان الكتالوني، وفي أماكنٍ أخرى، في انتظارِ خطابه، واثقين في توقُّعهم بإعلان الاستقلال. لكن بوجديمون فاجأهم بعدمِ إعلان الاستقلال، بل في المقابل علَّق نتيجة الاستفتاء ودعا الحكومة الإسبانية لبدء “حوار”.

وقبل ذلك بيومٍ واحدٍ فقط، كان المُتحدِّث باسم حزب الشعب، بابلو كاسادو، قد أطلق تحذيرًا إنذاريًا لبوجديمون، قائلًا فيه: “دعونا نأمل أن الاستقلال لن يُعلَن غدًا، لأن من سيُعلِنه ربما ينتهي به الحال كيفما آل بمن أعلنه آخر مرة منذ 83 عامًا”. كانت تلك إشارةً للويس كومبانيس، الرئيس الكتالوني خلال الجمهورية الإسبانية في الثلاثينيات، الذي أُلقِيَ القبض عليه وأُعدِمَ على يد الجيش الفاشي بعد انقلاب فرانسيسكو فرانكو العسكري.

وأوضح مزيدٌ من القمع غياب الرغبة لدى الحكومة الإسبانية في النقاش حول أي شيءٍ غير شروط استسلام حركة الاستقلال. وقد أُلقِيَ القبضُ على زعيميّ أكبر حملتين للاستقلال؛ جوردي كويكسارت زعيم حملة “أومنيوم كولتيرال”، وجوردي سانشيز من الجمعية الوطنية الكتالونية، دون كفالاتٍ وهم ينتظرون المحاكمة بتهمة التحريض.

فرانكو.. راخوي.. وكتالونيا
دعا راخوي، في يوم السبت 21 أكتوبر الماضي، لتطبيق المادة 155 من الدستور الإسباني، وهي التي من شأنها أن تعزل بوجديمون والحكومة الكتالونية المُنتَخَبة، وأن تضع مالية إقليم كتالونيا وشرطته ومحطاته التلفزيونية تحت سيطرة حكومة مدريد حتى عقد انتخاباتٍ جديدة، ليدفع بالحكم الذاتي في كتالونيا إلى وضعٍ عالق.

واستنتج البعض من الصور الصادمة ليوم الاستفتاء، وكذلك من الأحداث اللاحقة، أن الدولة الإسبانية ليست حقًا ديمقراطية، وأنها لم تنفصل بالكامل عن الديكتاتورية الفاشية التي حكمت البلاد لأربعين عامًا (من 1939 إلى 1978).

ومع ذلك، علينا أن نرفض أي محاولةٍ لتبيان الأمر وكأنه انحرافٌ إسباني عن القاعدة الأوروبية العامة. فلقد أعلنت الحكومة الفرنسية أنها لن تعترف بالاستقلال الكتالوني تحت أي ظرف، وكذلك اعتبر الاتحاد الأوروبي الاستقلال بمثابة “شأنٍ داخلي” للدولة الإسبانية ووضع ثقته في قيادة راخوي لحل الأزمة “وفقًا للدستور الإسباني وحقوق الإنسان”.

نفس هذا الاستخفاف بإرادة الناسِ العاديين قد ظهر جليًا قبل عامين في اليونان، حين رفضت الأغلبية هناك تدابير التقشُّف في استفتاءٍ شعبي، وسارعت مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى ابتزاز حكومة سيريزا لتطبيق المزيد من الإجراءات التقشُّفين الأسوأ بغض النظر عن أي شيء.

وفي الوقت نفسه، لعل الطريقتَين المُختلِفتَين اللتين استجابت بهما حكومتان أوروبيتان مُحافِظتان؛ وهما تلك التي كان يتزعَّمها ديفيد كاميرون في بريطانيا، والأخرى التي يقودها راخوي الآن في إسبانيا، لأزماتٍ شبيهة ببعضها بصورةٍ واضحة – الحركات المؤيِّدة للاستقلال في أسكتلندا وكتالونيا – تستلزمان بعض الفحص. فبينما دعا كاميرون لاستفتاءٍ جرى في العام 2014 من موقعِ ثقةٍ، مُراهِنًا على تسويةِ الأزمة، لطالما كان راخوي يتصرَّف من موضعِ ضعف.

طوال العقد الماضي، ظلَّت الدولة الإسبانية في القلبِ من عاصفةِ الاضطرابات التي ألمَّت بالنظام النيوليبرالي العالمي. كان هناك تقشُّفٌ وحشي – ومقاومةٌ له أيضًا. وبينما ظلَّ حزب الشعب في الحكم لست سنواتٍ من هذه الأزمة الاقتصادية والسياسية، ضَرَبَته العديد من فضائح الفساد. ومنذ العام 2016، ترأس راخوي حكومة أقلية مستندةً إلى الحزب الاشتراكي الإسباني – يسار وسط. ومنذ البداية، استبعَدَ حزب الشعب الإسباني أي مفاوضاتٍ مع الحكومة المؤيدة للاستقلال، ولجأ في الأغلب إلى التهديدات والهجمات، آملًا في أن ينجح في تثبيط الحركة باستخدامِ القمع.

وبالإضافة إلى كل ذلك، يظل التراث الذي خلَّفه فرانكو عاملًا مهمًا. سعت الديكتاتورية لفرضِ لغةٍ وهويةٍ قومية تُناسِب مصالح الطبقة الرأسمالية، ولعقودٍ من الزمن قمعت فئاتٍ مثل الكتالونيين والباسكيين بشراسة، ناهيكم عن الحركة العمالية.

وشهدت السبعينيات حركةً مُنظَّمةً من جانبِ الطبقة العاملة ونضالًا من أجل الحقوق القومية، حقَّقا مكاسب أساسية، لكن في نهاية المطاف تمكَّنَت بعض العناصر من نظام فرانكو، أولئك الذين فهموا الحاجة إلى الإصلاح، من عقدِ صفقةٍ مع قادة الحزبين الاشتراكي والشيوعي الإسبانيَّين. وكان من شأن هذه الصفقة أن تحافظ على الهياكل السياسية التي بناها فرانكو دون مساس، وأن تأتمن الجيش على حماية الوحدة الوطنية. وقد كَشَفَ الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول، الذي نصَّبه فرانكو ملكًا لإسبانيا، أن الجنرال الديكتاتور قال له قبل وفاته: “جلالتك، الأمر الوحيد المطلوب منك هو أن تحفظ الوحدة الإسبانية”.

وتأسَّسَ حزب الشعب بواسطة سبعة من وزراء فرانكو، كمشروعٍ سياسي يلتف حوله اليمين ليتمكَّن من استعادة قوته مرةً أخرى. في الحقيقة لم تنفصل الدولة الإسبانية قط عن ماضيها، بل أنها تشتمل حتى على أكثر القطاعات رجعيةً في المجتمع. وبالتالي يتعرَّض حزب الشعب لضغوطٍ من اليمين المُتطرِّف ومن على شاكلته، أولئك الذين لن يقبلوا أي مساومةٍ ويريدون من راخوي أن يجعل من الشعب الكتالوني عبرةً.

ماذا عن اليسار؟
من جانب، ليس بوسع حزب الشعب أن يتوصَّل إلى حلٍّ تفاوضي للأزمة دون إغضابِ قطاعٍ هام من الأطراف التي تُقدِّم له الدعم الانتخابي والاقتصادي. ومن جانبٍ آخر، يكشف لجوؤه المستميت للقمع النقابَ عن ضعفه سواء في الداخل المحلي أو على مستوى أوروبا.

وتُعد الحركة الكتالونية من أجل الاستقلال أخطر تحدٍ في مواجهة الدولة الإسبانية في ما بعد الديكتاتورية. لكن اليسار في إسبانيا لم ينهض بعد لخوض هذا التحدي. في مايو الماضي، أدى انتفاضٌ قاعدي إلى انتخاب بيدرو سانشيز زعيمًا للحزب الاشتراكي، وكان سانشيز قد أُزيحَ من قبلِ من موقعه القيادي بواسطة جهاز الحزب بسببِ إيمانه بأن الحزب (الذي تراجَعَت نسبة ناخبيه من 42.6% في 2008 إلى 22.6% في 2016) يتعيَّن عليه أن يتقرَّب إلى الحزب المُناهِض للتقشُّف بوديموس أكثر من حزب الشعب المُحافِظ. ومع ذلك، وُضِعَت ادعاءاته الجذرية قيد الاختبار في الأزمة الكتالونية، وأثبتت قِصَرَ أمدها، إذ أيَّدَ سانشيز تدابير راخوي بصورةٍ غير مشروطة لسحق حركة الاستفتاء، والآن يدعم حزبه الفاقد للمصداقية حكومة حزب الشعب.

الأكثر إدهاشًا أن بوديموس، ذلك الحزب اليساري الجذري الذي ألهم الملايين عبر إسبانيا ووضع “إنهاء نظام 1978” (أي دستور 1978) مهمةً تاريخيةً له، لم يتبن موقفًا مختلفًا بصورةٍ جوهرية. رفض بوديموس، وكذلك اليسار المُوحَّد الذي يتزعَّمه الحزب الشيوعي، تأييد الاستفتاء على خلفيةِ أنه لا يُقدِّم ضمانات – لأنه غير مُصرَّح به من قِبَلِ الحزبِ الحاكم. وكلَّما تصاعدت الأحداث، ظلَّ كلٌ من بوديموس واليسار المُوحَّد عالقَين في مطلبهما بإجراءِ استفتاءٍ شرعي. وفي 1 أكتوبر، ندَّد الحزبان بالهجمات على المُصوِّتين، وطالبا باستقالة راخوي، لكن بعد ذلك بوقتٍ قصير أعلنا أنهما لن يدعما أي إعلانٍ للاستقلال. ولخَّصَ بابلو إجليسياس، القيادي بحزب بوديموس، الفرق بين حزبه واليسار المُوحَّد من ناحية، وحزب الشعب من ناحيةٍ أخرى بقوله: “نحن نريد أن نُلحِق الهزيمة بمؤيِّدي الاستقلال لكن ليس من خلال استخدام القوة”.

ومثل سيريزا في اليونان، أُنشِئ حزب بوديموس بهدف إصلاح الدولة الإسبانية، وليس تدميرها. إنهم لا يعتبرون الدولة الرأسمالية أداةً في يد الطبقة الحاكمة، بل جهازًا مُتنازَع عليه يمكن اليسار أن يُسيطر عليه ويُطبِّق من خلاله إصلاحاتٍ لتحسين حياة الجماهير. ونتيجةً لذلك، حين تترنَّح الدولة على شفا الانهيار، يرون دورهم أن يسعوا لحمايتها. وهكذا، في الممارسة العملية، فإنهم أيضًا يدعمون حكومة راخوي في لحظةٍ من الضعف البالغ.

لكن نقد اليسار الإسباني لا يعني قبول الفكرة، التي يتبناها في بعض الأحيان يساريون كتالونيون وباسكيون، بأن إسبانيا بلدٌ رجعي بطبيعته. بل إننا، كأمميين، نرى الاستقلال ليس فقط أداةً للنضال من أجل مصالح الطبقة العاملة الكتالونية، بل أيضًا لإشعال شرارة العملية الثورية في كل الدولة الإسبانية وما ورائها. في سياقٍ من الاضطراب الاجتماعي المتنامي، مثل ذلك الجاري اليوم، يمكن لأفكار الناس أن تتغيَّر بسرعةٍ كبيرة.

وبينما أُصيبَ قادة اليسار بحالةٍ من الشلل، نتيجة التزامهم بالحفاظ على الرأسمالية الإسبانية، يرفض النشطاء القاعديون ومؤيِّدو بوديموس سرديات الوحدة الوطنية، ويُنظِّمون الاحتجاجات والمسيرات عبر البلاد تضامنًا مع الشعب الكتالوني.

الجماهير على مسرح الحدث
لكن هؤلاء ليسوا وحدهم في الساحة، فاليمين المُتطرِّف، الذي زادت جرأته على خلفية اعتداءات حزب الشعب على كتالونيا، يحاول حشدَ قواعده وتعبئةَ جمهورٍ لأفكاره، بنجاحٍ مُقلِق في بعض الحالات. وإذا هُزِمَت الحركة من أجل الاستقلال، فهؤلاء هم من سيعتبرون ذلك انتصارًا لهم. ولن يتوقَّفوا عند هذه النقطة، بل سيشنون هجماتٍ جديدة على آخرين يرونهم أعداءً لهم، مثل مؤيِّدي بوديموس، أو نشطاء حملات مجتمع الميم وحق الإجهاض. والعكسُ بالعكسِ، إن انتصرت حركة الاستقلال، سيكون الدرس الذي تُقدِّمه الملايين التي ضجَّت بالتقشُّف والاستبداد المتصاعد هو أن النضال ممكنٌ ضد حزب الشعب ورجال الأعمال إذا نظَّم الناسُ حركتهم.

تصاعَدَ دعم الاستقلال في العام 2010، بعدما حاولت حكومات الحزب الاشتراكي في إسبانيا وكتالونيا تقديمَ إصلاحاتٍ للحركة الكتالونية المتنامية، وقد سعى حزب الشعب والحكومة الدستورية الإسبانية إلى تخريب تلك الإصلاحات. فتجذَّرَت حركة الاستقلال في مواجهة التقشُّف الذي لا يُطبِّقه حزب الشعب وحده، بل الحكومة الكتالونية القومية اليمينية كذلك.

في العام 2015، انتُخِبَت في البرلمان الكتالوني أغلبيةٌ مؤيِّدةٌ للاستقلال تتألَّف من ثلاثة أحزاب: الحزب الديمقراطي الكتالوني النيوليبرالي، وحزب اليسار الجمهوري الكتالوني الاشتراكي الديمقراطي، وحزب الوحدة الشعبية المُناهِض للرأسمالية. وقرَّرَت هذه الأغلبية ألا تنضم للحكومة بل أن تمنحها دعمًا مشروطًا.

وكما في أسكتلندا، فإن الاستقلال يعني أمورًا مختلفة للطبقات التي تناضل من أجله. فبالنسبةِ للطبقات المتوسطة، التي جذَّرَتها أزمةٌ تزيد مستويات معيشتها سوءًا، فدولةٌ كتالونية جديدة تعني بالأساس إطارًا اقتصاديًا أفضل. أما بالنسبة للطبقة العاملة، فيتداخل الاستقلال مع حزمةٍ من المطالب التقدُّمية، مثل رفض التخفيضات في الأجور والإنفاق الاجتماعي، واستقبال المزيد من اللاجئين، ومعارضة القمع، وبالأساس إمكانية بناء مجتمعٍ أكثر ديمقراطيةً ومساواة. وأما الشركات الكبرى، فهي تعارض الاستقلال بحزم.

النقطة الهامة أيضًا هي أن عناد الحكومة الإسبانية – وما يطرحه من أن الاستقلال غير ممكنٍ إلا من خلال كسرِ الإطار الشرعي الدستوري – يعني أنه في كل مرة تواجه فيه الحركة عقبةً، يرتبك اليمين، وتُترَك العملية برمتها للجماهير واليسار للمُضي بها قُدُمًا. وكنتيجةٍ لذلك، نما حزب اليسار الجمهوري على حساب الحزب الديمقراطي. وبالإضافة إلى ذلك، صار حزب الوحدة الشعبية، الذي يتحدى الأوهام المُتعلِّقة بالشرطة الكتالونية أو بالاتحاد الأوروبي كحليفٍ للحركة، نافذًا بصورةٍ متزايدة.

لم يكن استفتاء الأول من أكتوبر ممكنًا بسبب ذكاء مناورات الحكومة الكتالونية، بل من خلال التحرُّكات الاحتجاجية وجهود ودماء الملايين من الناس العاديين. صار دور العمال المُنظَّمين مهمًا بشكلٍ متزايد؛ من رفض عمال الموانئ العمل على متن السفن التي تُقِل عناصر الشرطة الإسبانية، إلى عمال الإطفاء الذي هرعوا لحماية المُصوِّتين من الشرطة في يوم الاستفتاء.

وقد جاء الردُّ الأقوى على عنف الشرطة بعد يومين من الاستفتاء، حين شارك 80% من العمال الكتالونيين في إضرابٍ عام أوقَفَ العمل في الإقليم بأسره. ولقد تجاوزت لجان الدفاع عن الاستفتاء الغرض الأصلي الذي ظهرت لأجله، بعد الدور العام الذي اضطلعت به في تنظيم الإضراب العام، وصارت الآن هيكلًا قاعديًا ممتدًا عبر الإقليم ملتزمًا بتأسيس الجمهورية الكتالونية.

حق تقرير المصير
يدافع الاشتراكيون عن حق الأمم المُضطَهَدة في تقريرِ المصير. ومن المعروف أن الزعيم الاشتراكي الثوري الروسي لينين كان قد طرح السؤال “هل يمكن لأمةٍ أن تتحرَّر إذا كانت تضطهد أممًا أخرى؟”، وجاءت إجابته بلا لبسٍ: “كلا، لا يمكن”. لكنَّنا نرفض المفهوم القائل بأن رجل الأعمال الثري والعامل الفقير ينتميان هما الاثنان لنفس الأمة، وبالتالي لهما نفس المصالح، فالمجتمع مُنقسِمٌ على خطوطٍ طبقية، لا وطنية.

تكافح الطبقة الحاكمة الإسبانية من أجل تصوير الأزمة باعتبارها صراعًا قوميًا بين الإسبان العاديين والكتالونيين، كي يحتشد العمال خلف حكومة حزب الشعب التي يحتقرونها من أعماقهم. وبالمثل، يحاول اليمين الكتالوني أن يحد من تحركات اليسار الجريئة، باتهامه بتعريض الاستقلال للخطر، وابتزازه بالدخول معه في وحدةٍ وطنيةٍ ضد حزب الشعب.

وقد جادَلَ البعضُ بأن دعوة بوجديمون للحوار لم تكن إلا ضربةً ذكية لخداع الحكومة الإسبانية، من خلال وضع الأمر برمته في يد حزب الشعب الذي يرفض بدء أي محادثات وسيتخذ بالضرورة خطواتٍ غير ديمقراطية، ومن ثم يتوسَّع الدعم الدولي للاستقلال. ومع ذلك، ما مِن شكٍ في أن هذه المناورة من جانبِ بوجديمون حاولت تحقيق غرضٍ آخر. فلقد كانت الحركة الذاتية للجماهير هي القوة الدافعة للعمليةِ برمتها، والحكومة الكتالونية كانت تحاول أخذ زمام الأمور من الشوارع إلى المؤسَّسَات التي تتحكَّم فيها.

لم يستطع بوجديمون نيل مراده. وفي المقابل، وصل تجذير الحركة إلى نقطةٍ لا يمكن عندها تجاهل المسألة الطبقية. دورٌ قيادي للجماهير، وانحيازٌ من الاتحاد الأوروبي للدولة الإسبانية، جنبًا إلى جنبٍ مع تهديد الشركات الكبرى بالانسحاب من الإقليم، لم يكن هذا هو الاستقلال الذي تصوَّره اليمين في كتالونيا. لا تزال قوى اليمين ملتزمًا بالاستقلال، لكنها تريد أن تضمن أنه سيتحقَّق وفق شروطها.

لكن مغامرة بوجديمون أهدت المبادرة للحكومة الإسبانية وجرَّدَت الكتالونيين أمام غضب حزب الشعب. وعلاوة على ذلك، منحت أيضًا مُتنَفَسًا للحزب الديمقراطي النيوليبرالي الذي يرى في حركة الاستقلال فرصةً لتحقيق حلمه الآمن الذي استمر لعقودٍ من الزمن في “حكمٍ ذاتي داخل إسبانيا” – وهذا بعيدٌ كل البُعدِ عن الأحلام التي يحملها ملايين الكتالونيين.

انتقَدَ حزب الوحدة الشعبية إستراتيجية بوجديمون في التراجع عن إعلان الاستقلال، لكن هذا أدى إلى تعليق الحركة الجماهيرية لمدة أسبوع، حتى اعتُقِلَ قادة حملتيّ الجمعية الوطنية الكتالونية و”أومنيوم كولتيرال”.

إن اليسار بحاجةٍ إلى إستراتيجيةٍ مستقلةٍ لذاتها عن اليمين. والتشديد على عدم الاستناد على الحزب الديمقراطي الكتالوني النيوليبرالي إنما يعني كسب الأحزاب المرتبطة ببوديموس في كتالونيا، وكذلك قواعدهم ونشطائهم، إلى الاستقلال، وهذا غير ممكنٍ دون تعميق المضمون الطبقي للاستقلال.

بمقدورِ اليسار الجذري أن يضع نفسه في صدارة الحركة من أجل الاستقلال ومن أجل مجتمعٍ أفضل، لكن سيكون عليه أن يستعد للوقوف في مواجهة ابتزازات اليمين. وصحيحٌ أن التضامن الأممي في حدِّ ذاته لن يُحدِّد نتيجة هذه العملية، لكنه قد يصنع فارقًا مهمًا. سينتصر العمال عبر أوروبا إذا هُزِمَ المُحافِظون الإسبان ومؤسَّسَات الاتحاد الأوروبي غير الديمقراطية.

– هذا الموضوع منشور في مجلة سوشياليست ريفيو البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

   

التعليقات