بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لبنان على حافة الخنجر السعودي

Lebanon_4-3_12949039_1793651_2017110507118120ffb83-3b29-4a3f-96f1-0d8ef556a104.jpg_sd_800x600

تتصاعد التوتُّرات مرةً أخرى في لبنان بينما تفتح المملكة السعودية جبهةً جديدةً في حربها البارد ضد إيران. ما أشعل الأزمة الأخيرة كان استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، الذي لطالما كان ممثِّلًا لمصالح السعودية منذ اغتيال أبيه في العام 2005.

جاءت هذه الاستقالة لتثير الكثير من الشكوك. فوفقًا لصحيفة الإندبندنت البريطانية، ذهب الحريري لزيارة ملك السعودية بعد تلقيه استدعاء غير مُتوقَّعٍ بعد أيامٍ قليلة فقط من رحلةٍ سابقة. وفي لحظةٍ معينة، حوصِرَ بعناصر أمن سعوديين، وصودِرَ هاتفه، ومذاك الحين والتواصل مفقودٌ معه بهذا القدرِ أو ذاك، إذ يرفض – أو يعجز عن – تفسير أسبابه أو خططه.

وعلى مدار عدة أشهر، كان الحريري يتلقى نقدًا من قادة سُنَّة مُتشدِّدين في لبنان، فضلًا عن السعوديين أنفسهم، بعد تشكيله حكومة تحت إمرة ميشال عون، المتحالف مع حزب الله، العام الماضي. جاء هذا بعد أزمةِ جمودٍ استمرت لعامين بين مؤيِّدي حزب الله من جانب، وأجنحة الحريري في المؤسسة السياسية اللبنانية من جانبٍ آخر، تركت لبنان من دون حكومةٍ رسميةٍ وعطَّلَت الانتخابات البرلمانية التي عُقِدَت آخر مرة في العام 2009.

لم يعد للحكومةِ شيءٌ توصي به، بعد فشلها في فعلِ أي شيءٍ لإيجاد حلٍّ للاقتصاد المُترنِّح والأزمات الاجتماعية في البلاد. في المقابل، ركَّزَت الحكومة على تحديث النظام الانتخابي العتيق والطائفي على نحوٍ يُوطِّد الولاءات المشتركة ويُعزِّز السلطة في يد النخب. أطلقت الحكومة أيضًا حملةَ قمعٍ لحرية التعبير والاحتجاج، وتحاول أن تجعل من سحق الجيش للمعارضة أمرًا واقعًا.

لكن أحدًا لم يتوقَّع هذه الاستقالة، لاسيما الحريري نفسه الذي كان يُخطِّط لعدة اجتماعاتٍ بعد رحلته المُرتَجَلة. أما ردُّ الفعلِ في الداخل اللبناني، بما في ذلك قادة حزب الله وحركة المستقبل التي يتزعَّمها الحريري، فقد تمثَّلَت في مطالبة السعودية بعودة الحريري إلى لبنان. ولعل هذه استجابةٌ صحيحةٌ لمحاولات السعودية إشعال صراعٍ طائفي لاستعادة نفوذها في لبنان.

بناء الأزمة
ليس هناك من فرقٍ بين شقيّ الانقسام السياسي في لبنان من زاوية أن كليهما تقوده سلالاتٌ فاسدة من بطاركةٍ مجرمين أثروا أنفسهم على حساب عمال وفقراء البلد. وتآكلت قواعدهما الاجتماعية مع تدهور الأوضاع الاقتصادية، ذلك الذي تسارَعَ مع الافتقار إلى الاستثمارات الخليجية في أعقابِ انخفاض أسعار النفط في 2015. ولتعزيز الدعم الذي يتلقونه، فقد عمدوا إلى أساليب سلطوية وطائفية على نحوٍ متزايد، وهو تكتيكٌ يُعاد تدويره كفنٍ في بلدٍ معروفٍ بأزماته الاجتماعية والدستورية المُتكرِّرة.

ولقد تحوَّل ميزان القوة بين الطرفين لصالح حزب الله وحلفائه، الذين استفادوا من تفوُّق القدرات العسكرية والتنظيمية للحزب. بدأت هذه العملية في أعقابِ حرب 2006، التي أنزَلَ فيها حزب الله هزيمةً نكراء بإسرائيل، ما ولَّدَ موجةً من التأييد والدعم له عبر لبنان كما في أنحاءِ المنطقة العربية.

ولفترةٍ من الزمن، خفَّفَ الحزب من الجوانب الطائفية في برنامجه لصالح شكلٍ من القومية العربية، كما أعلن تأييده لكثيرٍ من انتفاضاتِ العام 2011. وحين رفض حزب الله مطلب الحريري بتفكيك أجهزة الاتصالات والأجهزة العسكرية الخاصة به، تلقى تأييدًا مهمًا وواسعًا، إذ يعترف كثيرون بالدورِ الحاسمِ لهذه الأجهزة في المقاومة الفعَّالة ضد إسرائيل.

لكن ذلك قد تغيَّر بعد اندلاع الثورة السورية، حين دافَعَ حزب الله بلاد تردُّدٍ عن بشار الأسد، الذي لطالما كان حليفًا لإيران – المصدر الأساسي لتمويل الحزب وتدريبه العسكري. ويتضمَّن هذا إرسال الآلاف من الجنود للقتال مباشرةً لصالح الأسد، وتقديم التدريب والدعم اللوجيستي للميليشيات الشيعية الطائفية المدعومة إيرانيًا التي حلَّت بشكلٍ كبيرٍ محلَّ الجيش السوري المتداعي.

ولهذا السبب، تبرز أعلام حزب الله الصفراء في الكثير من صورِ “انتصاراتِ النظام” على المُتمرِّدين. ولقد اضطلع الحزب كذلك بدورٍ في دعمِ جماعة الحوثي ضد التدخُّل السعودي في اليمن، بصورةٍ استشاريةٍ بالأساس. وليس لهذا التغيُّر تأثيرٌ محدودٌ على الإطلاق في المسار الطائفي المُتصدِّر عبر المنطقة في الآونةِ الأخيرة.

العدوان السعودي
أخذ السعوديون يراقبون الصعود الثابت لحزب الله، في القوةِ والنفوذ، بخوفٍ كما بضغينةٍ أيضًا. وبينما فشلوا في إيقاف هذا الصعود في داخل السياسة اللبنانية، ضغطوا على جامعة الدول العربية لإدراجه في قائمتها للمنظمات الإرهابية، ما أدَّى إلى مصاعب اقتصادية وسياسية واجهت الحزب.

ولقد أصبح فرض قيود إقليمية على إيران وحلفائها أولويةً لأن إيران أمسكت بالفعل بزمامِ الأمور في كلٍّ من الدولتين العراقية والسورية. والسماح للبنان بأن يسقط في نطاق النفوذ الإيراني سيكون بمثابةِ هزيمةٍ للسعوديين المأزومين لا يمكنهم تحمُّلها.

العماد الرئيسي لهذا التغيُّر في السياسة السعودية هو صعود وليّ العهد، الأمير محمد بن سلمان، الذي يراهن على تحويل المملكة الغنية بالنفط والمُعتمِدة عليه في المقام الأول. هدفه هو خصخصة أصول الدولة، وتمديد استغلال العمال المهاجرين والمحليين في مناطق اقتصادية خاصة لا تُفرَض عليها ضرائب، علاوة على مواجهة النفوذ الإيراني عبر المنطقة. وبالإضافةِ إلى هذه الخطط الكبرى، وَعَدَ وليّ العهد أيضًا بالسماح للنساء بقيادةِ السيارات بحلول العام المقبل، وهو إصلاحٌ قوبِلَ بثناءٍ بالغٍ من قِبَلِ النخب الإعلامية الغربية الذين صُمِّمَ كل ذلك لهم بالذات.

لكن كل ذلك يستوجب هزَّةً عنيفةً للمؤسسة السعودية شديدة المُحافَظة، بما يستتبع ذلك من ردَّةِ فعلٍ أكيدة. ولتفادي مواجهة معارضة قد تُشكِّل تهديدًا، قام الأمير الشاب بما يقوم به أي ديكتاتورٍ جدير، وألقى القبض على خصومه.

توقُّعات
من الصعب التنبؤ بما سيجري في المرحلةِ المقبلة. وكما هو معهودٌ في السياسة اللبنانية، هناك طيفٌ مُتنوُّعٌ من الأطراف المحلية والإقليمية والدولية التي لها نصيبٌ في هذه اللعبة.

وبناءً على على مجريات الأسابيع الماضي، من الخطأ التقليل من شأنِ العجرفة الإمبريالية لدى وليّ العهد الشاب. ويشير العدوان المُدمِّر والحصار المفروض على اليمن، ذلك الذي شنَّه في 2015 كوزيرٍ للدفاع، إلى أنه مستعدٌ لفعلِ كل ما يتطلَّبه الأمرُ لفرضِ إرادته.

أما إدارة ترامب، فلن تسعى إلى تكبيل أي طموحاتٍ عسكريةٍ لدى السعودية، فلقد باعت للمملكة أسلحةً بقيمةِ 100 مليار دولار في وقتٍ سابقٍ من العام الجاري بناءً على تأييدها لهذا النهج العدواني على وجهِ التحديد. وفي الحقيقة، ستلقى محاولاتُ إضعافِ حزب الله، في الأغلب، ترحيبًا من جانبِ أي إدارةٍ تحاول إيجاد سُبُلٍ لتقويض إيران واتفاق أوباما النووي معها.

ومن جانبٍ آخر، انضم الإسرائيليون – الحلفاء الموثوقين للسعودية منذ أمدٍ طويل – إلى هذه الحملة الجديدة ضد حزب الله، مُهدِّدين بحربٍ جديدة على لبنان. وهذا الأسبوع، تبجَّحَ قائد سلاح الجو الإسرائيلي السابق، الجنرال آمير إيشيل، بأن: “ما تمكنَّا من القيام به في 34 يومًا في الحربِ اللبنانيةِ الثانية (في 2006)، يمكننا القيام به في غضون 48 إلى 60 ساعة. لم يعد لتنامي قوتنا حدود، وسنستخدم قوةً عسكريةً لا يمكن تصوُّرها”.

راحَ في حربِ إسرائيل على لبنان في العام 2006 حوالي 1200 ضحية، فيما سَقَطَ ما يقرُب من 5 آلاف مُصاب جرَّاء العدوان. وقالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية آنذاك إن إسرائيل استخدمت أكثر من مليون قنبلة عنقودية محظورة في الحربِ التي دامت شهرًا واحدًا. وفي حين لم تنفجر نصف هذه القنابل في وقت قصفها، لا تزال تنفجر بين أيدي المدنيين. وقد استخدمت إسرائيل الفسفور الأبيض، الشبيه بالنابالم، بكثافةً وعلى نطاقٍ واسع ودمَّرَت به بنى تحتية حيوية وأراضٍ زراعية، لتدفع البلاد سنواتٍ إلى الوراء.

وينتاب الإسرائيليين القلقُ أيضًا من النفوذِ الراهن لحركة حماس، التي تجمعها هي الأخرى صلاتٌ بإيران من خلال حزب الله.

أما في الداخل، فينقسم لبنان بصورةٍ أزليةٍ بين قادةٍ طائفيين يختلفون عن بعضهم فقط في من يتربَّح من النهب الجاري في هذا البلد الصغير. وبينما سادت الوحدة في المطالبة بعودةِ الحريري، من الممكن أن ترى شخصياتٌ انتهازية فائدةً لها من لعب دور المُساعِد الذليل للحلف السعودي الصهيوني.

وبالنظرِ إلى قوة حزب الله المتنامية عسكريًا وتنظيميًا في أعقابِ مشاركته الواسعة في الثورة المضادة في سوريا، فمن غير المُرجَّح أن تكون حربٌ جديدة هي النتيجة الحتمية بالضرورة لهذا الصراع. لكن السعودية والكيان الصهيوني يقودهما زعماءٌ مستبدين لهم تاريخٌ من العسكرةِ والحروب الوحشية، وهم أيضًا مُحبَطون من نجاحاتِ إيران، لذا من المستحيل إلغاء احتمالية قيام حرب.

في نهاية المطاف، فقط هدم ذلك النموذج الطائفي في السياسة اللبنانية هو ما يمكنه السماح للبلاد بأن تعبر هذه الأزمات الدورية. أما بالنسبة للحظة الراهنة، فعلى اليسار أن يعارض التدخُّل السعودي والإسرائيلي، وأن يستعد للتعبئةِ ضد حربٍ وحشيةٍ جديدة.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة الراية الحمراء الأسترالية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

         

التعليقات