بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نظرة على الحراك الجماهيري الأكبر منذ 1979 في إيران

180101084001-cnnee-iran-protestas-exlarge-169

ما بدأ كمظاهرةٍ صغيرة في مدينة مشهد، شمالي شرق إيران، ضد ارتفاع الأسعار، وتفشي البطالة، وغيرهما من المظالم الاقتصادية، انتَشَرَ على صعيد 65 إلى 70 مدينة عبر البلاد، واجتاح العمال والفقراء الشوارع.

تحوَّلَت الهتافات والشعارات، في خلالِ يومٍ واحد، ضد النظام؛ المُعتدِلين منه والمُتشدِّدين على حدٍّ سواء، لكن بتركيزٍ على المرشد الأعلى، علي خامنئي. وترَّدَدت أصداء “الموت للديكتاتور”، و”الموت لخامنئي”، و”الموت لروحاني”، ضمن الهتافات التي صاح بها المتظاهرون عبر أرجاء إيران.

وَصَلَ عدد المتظاهرين في بعض المدن إلى 50 ألفًا. وفي مدنٍ أخرى احتشدت مجموعاتٍ من آلافٍ مُتفرِّقة في ضواحٍ عدة، وحاولوا اختراق صفوف قوات الأمن للالتقاء ببعضهم.

تضم مدينة الأهواز، عاصمة محافظة خوزستان، جنوبي غرب إيران، أغلبيةً عربية تتعرَّض لقمعٍ شرس واضطهادٍ عرقي لعقودٍ من الزمن. تظاهَرَ هناك ثمانية آلاف شخص في وقتٍ سابق من العام الماضي، وأخَذَ الناسُ وقتذاك يُحذِّرون الحكومة بانتفاضةٍ شعبية إن لم تُعالِج ما يعانون من مظالم.

وفي العديد من المدن، اقتَحَمَ العمال المباني الحكومية المحلية وسيطروا على مؤسَّسَاتٍ عدة تابعة لقوات الأمن، وحرقوا أقسام شرطةٍ، وقلبوا مركبات الشرطة، وأشعلوا النار في الدرَّاجات البخارية التابعة لها.

هوجِمَت سيارات الأغنياء، والبنوك، وغيرها من مظاهر الترف في الكثير من المناطق. ومزَّقَ العمال ملصقاتٍ تحمل صورة المرشد الأعلى، وحرقوها مع غيرها مِمَّا يرمز للنظام.

أما في مدينة إيذه، بمحافظة خوزستان أيضًا، فلدى الكثير من السُكَّان الـ120 ألفًا بنادق صيد استخدموها واستولوا على المدينة بأسرها.

أما طهران، العاصمة والمدينة الأكبر في إيران، فلم تندلع فيها الاحتجاجات كما اندلعت في مدنٍ أخرى. ويرجع ذلك، جزئيًا، إلى أن الطبقة العاملة هناك موسرةٌ أكثر مما هي في المدن الأخرى، لكن أيضًا بسبب أن القمع في طهران أشد وطأةً بكثير. ومع ذلك، هناك الكثير من التجمُّعات بمئاتٍ مُتفرِّقةٍ من المتظاهرين في الضواحي، يحتجون ويشتبكون مع قوات الأمن، محاولين الاندماج مع بعضهم والوصول إلى مراكز مهمة مثل ميدان الثورة.

وأما في مدينة كرج، وهي رابع أكبر مدينة إيرانية وتبعد حوالي ساعةً إلى الغرب من طهران، فلديها طبقة عاملة عريضة من السُكَّان، يسافر كثيرٌ منهم إلى طهران يوميًا. تبلغ الاحتجاجات هناك آلافًا من المتظاهرين الذين حطَّموا نوافذ المباني الحكومية وأشعلوا النيران في الشوارع، ورغم ما قوبِلوا به من قمعٍ عنيف، لم يُظهِروا أي علامةٍ على التراجع، بل ويواصلون الاشتباك مع قوات الأمن.

وفضلًا عن ذلك، خرج الطلاب في احتجاجاتٍ كبرى في الكثير من الجامعات في العاصمة، خاصةً في جامعة طهران، وواجهوا قمعًا وحشيًا. والمظاهرات الطلابية إنما هي يسارية بالأساس، وقد ظهرت شعاراتٌ مثل “حَطِّموا الدولة” ضمن الهتافات التي ردَّدَها الطلاب. ويُمسِك النشطاء الطلابيون، المعروفون بأنهم ماركسيون، بزمامِ القيادةِ في هذه المظاهرات، مُهمِّشين بذلك المُعتدِلين والمُتشدِّدين، الذين كانوا يُمثِّلون القوى المُهيمِنة في الحُرُم الجامعية في ما عُرِفَ بـ”الحركة الخضراء” في العام 2009، تلك الحركة التي انبثَقَت بعد تولي محمود أحمدي نجاد رئاسة البلاد لفترةٍ ثانية في انتخاباتٍ اعتقد كثيرون أن نتائجها مُزوَّرة.

كان الركود قد أصاب قطاعًا واسعًا من الطلاب على خلفية هزيمة الحركة في 2009. في أعقابِ تلك الهزيمة، اتجَّه كثيرون إلى المخدرات، والتصوُّف، وسياسات الهوية، بينما حاوَلَ آخرون أن يكسبوا أرضًا داخل الحكومة المحلية حتى لا يظلُّوا مُهمَّشين سياسيًا ولكي يحظوا بتأثيرٍ أكبر على العمال، جاذبين إياهم إلى اليمين.

أما الطلاب اليساريون، فقد انتقدوا الرئيس روحاني، وعارضوا فصيله المُعتدِل، موضحين أنه لا يختلف كثيرًا عن المُتشدِّدين، إذ ينتهج كلاهما نفس الأجندة التي تقضي بتطبيق سياساتٍ معاديةٍ للعمال.

هجماتٌ نيوليبرالية
توسَّع البرنامج النيوليبرالي، الذي بدأ في ظلِّ حكم الرئيس المُتشدِّد أكبر هاشمي رافسنجاني (1989 – 1997)، على يد حكومة خاتمي المُعتدِلة (1997 – 2005)، ثم تمدَّد بصورةٍ أكبر على يد الرئيس المُتشدِّد أحمدي نجاد الذي عدَّلَ الدستور في العام 2006 بغية تسريع عملية الخصخصة. وطُبِّقَت الأجندة النيوليبرالية في إيران بالتوازي مع إجراءاتٍ تقشُّفية أثناء حكم روحاني الذي خصخصت حكومته شركات حكومية عديدة.

لذا يتركَّز النزاع الداخلي بين المُتشدِّدين والمُعتدِلين على من سيسيطر على رأس المال الإيراني الذي يُخصخَص، ومن سيجني غنائم المناصب العليا.

لكن توقُّعات الطبقة العاملة قد تصاعدت حين جاء روحاني إلى السلطة في 2013، واعدًا بإنعاش الاقتصاد وتطبيق ميثاقٍ للحقوق المدنية. ورغم أنا الناتج المحلي الإجمالي قد نما بصورةٍ كبيرة في العامين الماضيَين (6.4% في 2016)، واصلت اللامساواة تصاعدها بشكلٍ مثير مع انتقال المزيد من الثروة من العمال إلى أيدي الطبقة الحاكمة.

أعلن روحاني منذ شهر ميزانيةً مُقتَرَحة تدعو إلى خفض الدعم النقدي المُقدَّم للفقراء، وزيادة أسعار الوقود. وتضمَّنَت خطة الميزانية أيضًا رسومًا إضافية لبعض الإجراءات، مثل تسجيل السيارات، وضريبة المغادرة. وظلَّ الرئيس روحاني يُطبِّق ميزانياتِ تقشُّفٍ منذ أن تولَّى منصبه، في محاولةٍ لجعل إيران أكثر جذبًا للمستثمرين. وقد طُبِّقَت إجراءاتُ التقشُّفِ على مرِّ سنواتٍ من الركود الناتج من العقوبات الاقتصادية التي فَرَضَتها الأمم المتحدة، لتعتصر المزيد من الثروة من الطبقة العاملة والفقراء.

وفضلًا عن ذلك، هناك عوامل إضافية وراء هذه الاحتجاجات، منها الزيادة بنسبة 40% في أسعار السلع الرئيسية، وتسريح العمال بالجملة، والأجور التي لا يتقاضاها العاملون لشهورٍ في مواقع عملٍ شتى في كل الصناعات، علاوة على الحركة العمالية المُقاوِمة التي تناضل منذ سنواتٍ طوال ضد التقشُّف ومن أجل نقاباتٍ مستقلة، والثروات الفاحشة التي يتباهى بها الأغنياء أمام أعين الفقراء والعمال.

كان الوضع بالفعل مؤهَّلًا للانفجار في إيران إبان ثورات الربيع العربي عام 2011؛ كان فقط بحاجةٍ إلى شرارة. والآن تُطلِق الطبقات العاملة والفقيرة العنان لأكبر موجةٍ من الحراك الجماهيري منذ ثورة 1979.

السياسات في قمة السلطة
ليست الصراعات الداخلية للنظام، بين المُتشدِّدين والمُعتدِلين، تلك الصراعات التي خلَّفَت شروخًا وتصدُّعاتٍ في جدران الطبقة الحاكمة ومهَّدَت الطريق للحركة الخضراء، هي السبب وراء هذه الانتفاضة. تحاول إدارة روحاني ترسيخ الدعم لها داخل الطبقة الحاكمة بتوزيع الهبات هنا وهناك – للرأسماليين الليبراليين، ولقوات الأمن، وللمُتشدِّدين والمجموعات الدينية – لحثِّ أفراد النخب على عدم التدخُّل مع الحكومة في مساحاتٍ سياسية تتنوَّع من السياسات الخارجية إلى الاقتصاد.

على سبيل المثال، خُصِّصَ جزءٌ كبيرٌ من الميزانية الأخيرة للمؤسَّسات الدينية شبه العامة، والحرس الثوري، ومكتب المرشد العام، وهي جميعها جهاتٌ مواليةٌ للمُتشدِّدين. ويُعد هذا عاملًا آخر أشعَلَ الغضب، بالأخص في قطاع المُعلِّمين.

وكذلك أنشأ روحاني قاعدةً في أوساط ليبراليي الطبقات المتوسطة قادت حركة 2009، وخرجت للاحتجاج بأعدادٍ كبيرة ضد المُتشدِّدين آنذاك، الذين تحوَّلَت قطاعاتٌ كبيرةٌ منهم ضد المُعتدِلين والنظام حين باتت الحركة أكثر تجذُّرًا.

هذا لا يعني أن الصراعات الداخلية للنظام تختفي، فقد أضرَّت العقوبات المفروضة من الأمم المتحدة على إيران في فترة حكم أحمدي نجاد (2005 – 2013) بالرأسماليين من كل الأطياف. وأظهر خامنئي والمُتشدِّدون أحمدي نجاد باعتباره مسئولًا عن ذلك، لذا عمدوا إلى تنحيته من المؤسَّسَة السياسية تمامًا، ومنعوه من خوض أي انتخاباتٍ أخرى.

ولكل هذه الأسباب، خَلَقَت حكومة روحاني وضعًا أكثر استقرارًا. لكن الهجمات قوَّضَت تأييد الحكومة في أوساط الطبقة العاملة والفقراء، ما أدى إلى تطوُّراتٍ هامة على صعيد النضال الطبقي.

النضال الطبقي من أسفل
على مدار العام الماضي، خَرَجَ موظفو الخدمات المدنية، والعمال الحكوميون، والعمال المُتقاعِدون، والمُعلِّمون، والمُمَرِّضون، وعمال المناجم، وعمال البتروكيماويات، وعمال الصناعة، والعاملون بالنقل العام، في احتجاجاتٍ وإضراباتٍ عن العمل.

وفي مارس الماضي، أضرب المُعلِّمون عن العمل واحتجوا عبر أرجاء البلاد، مُطالِبين بزيادةٍ في الأجور، وتحسينٍ في نظام التعليم الحكومي. وقد دشَّنَ المُعلِّمون حملةً طويلةَ الأمد من أجل هذه المطالب على مدار العقد الماضي، وفي اليوم العالمي للمُعلِّم، 5 أكتوبر، احتَشَدَ الآلاف منهم في العديد من المدن عبر إيران للمطالبة بأجورٍ عادلة والحق في تأسيسِ جمعياتٍ مستقلة تُمثِّلهم. في المقابل، تلقَّى النشطاء منهم تهديداتٍ واستدعاءاتٍ، وتعرَّض بعضهم للاعتقال والتعذيب على يدِ قوات الأمن.

وخَرَجَ عمال شركة الخليج الفارسي للنقل في 23 أكتوبر للاحتجاج ضد خصخصة الشركة، وللمطالبة بزيادة الأجور. ورغم أن النظام لا يعترف بحق العمال في تشكيل نقاباتٍ مستقلة، يُنظِّم العمال أنفسهم في مواقع عملهم لطرح مطالبهم.

وفي 19 و20 سبتمبر الماضي، نظَّم عمال مصنعيّ آذآراب وهيبكو، بمدينة آراك الصناعية، إضرابًا عن العمل واشتبكوا مع الشرطة. وكان هذان المصنعان، اللذان يُنتِجان مُعِدَّاتٍ ثقيلة، بما يتضمَّن مُعِدَّات تُستَخدَم في الصناعات البتروكيماوية وأخرى لإنشاء الطرق، قد خُصخِصا. ولم يكن العمال في هذين المصنعين قد تقاضوا رواتبهم منذ أربعة إلى ستة أشهر.

وفي 2 ديسمبر، شنَّ العمال في شركة هفت تبة العملاقة لقصب السكر، وفي المُجمَّع الصناعي بمدينة سوس، بمحافظة خوزستان بالقرب من الحدود العراقية، جولةً جديدةً من الإضرابات والمظاهرات التي تلت إضراب يوليو، بعد أربعة أشهر من عدم تقاضي أي أجورٍ أو مُستَحقَّات. وكان عمال “هفت تبة” قد نظَّموا الكثير من الإضرابات والاحتجاجات على مدار العقد الماضي.

الشعارات
تُبالِغ المؤسَّسات السياسية والإعلامية الغربية في شأنِ بعض الشعارات، مثل “لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران”، أو “اتركوا سوريا وفكِّروا فينا”، التي تهتف بها أقليةٌ في بعض الاحتجاجات، في حين أنها ليست بأي حال شعاراتٍ أو هتافاتٍ رئيسية في الانتفاضة الراهنة. وكما كَتَبَ مايكل كارداجي، وهو مُحلِّل ومُعلِّق سياسي يساري، فإن:

“الكثيرين يشيرون إلى هذه الشعارات كدليلٍ على أن المحتجين ليسوا إلا قوميين محدودي الأفق، غير مكترثين سوى بأنفسهم بل ويعارضون “مساعدة” الشعوب الأخرى في المنطقة. وفي حين تدق الإشارة الخاطئة إلى غزة أجراس إنذارٍ بصورةٍ مُبرَّرَة… فإن مطلب مغادرة سوريا يُعد مطلبًا أمميًا بوضوح، مشابهًا لمطالب حركة مناهضة الحرب الأميركية بانسحاب الولايات المتحدة من فيتنام”.

ويضيف: “على أي حال، لم تقم الحركة في البداية باعتبارها “أممية” خالصة – الكثيرون أرادوا وضع حدٍّ لإنفاق الدولة كل تلك الأموال لتدمير فيتنام، بل أن تُنفَق في الداخل لتحسين مستويات المعيشة. كم مرة رَفَعَ فيها اليساريون في الغرب شعار “انفقوا الأموال من أجل الوظائف لا في الحرب”؟ ما الفرق؟”.

ليبراليون وعمال
خارج الحُرُم الجامعية، ليست ثمة قوةٌ سياسية تقود الانتفاضة أو تتداخل معها، على عكسِ حركة 2009 التي كانت تحت قيادة المُعتدِلين الذين أرادوا احتواءها في الحدِّ الأدنى منها – أي في حدود مطالب الطبقة المتوسطة الليبرالية. لقد أدرك العمال آنذاك أن أيًّا مِمَّا يتعرَّضون له من مظالم لم يُطرَح في خضم تلك الحركة، ومن ثم تردَّدوا في الانخراط فيها كقوةٍ جماهيرية.

أما هذه المرة، فالطبقات المتوسطة الليبرالية مُنقسِمة، وتنحاز الشرائح العليا منها إلى النظام، قلقًا على مصالحها التي تتعرَّض للتهديد. ويواصل المُعتدِلون جهودهم لتعطيل الحركة ووضعها في كنفِ جناحهم، لكن العمال يعلمون جيدًا أن كلًّا من المُتشدِّدين والمُعتدِلين وجهان لعملةٍ واحدة، إذ يريدون المزيد من اعتصارهم مُدرِكين أنهم غير مُنظَّمين. ويستخدِم كلٌّ من المُتشدِّدين والمُعتدِلين تكتيكاتٍ مُتنوِّعة كي يرفع المتظاهرون شعاراتهم وهتافاتهم هم، لكنهم عادةً ما يُقابَلون إما بالضرب وإما بالطرد وصيحات الاستهجان، ويظلوا عاجزين في مواجهة الاحتجاجات الجماهيرية.

تشير كافة المؤشِّرات إلى أن الانتفاضة مستمرةٌ في التوسُّع والتعمُّق. وقد دعا المُعلِّمون إلى إضرابٍ على مستوى البلاد، ما يمكن أن يتكرَّر في قطاعاتٍ أخرى بالنظر إلى نضالية الحركة وطبيعتها الطبقية. في المقابل، تستعد قوات الأمن لقمعٍ أقسى، لكن حتى الآن لم تُظهِر الجماهير أي علامةٍ على التراجع.

* هذا المقال مترجم عن صحيفة The Red Flag الأسترالية. للاطلاع على النص الأصلي، اضغط هنا.

      

التعليقات