بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نفاقٌ وقمع: الحقيقة وراء “تحرُّر” وليّ عهد المملكة

محمد بن سلمان

تُلقِي المملكة السعودية القبض على الرجال والنساء الذين ناضلوا ضد حظر قيادة السيارات المفروض على النساء. تشرح شيرين أكرم بوشار وخوري بيترسين سميث ما الذي يُخطِّط له النظام.

ألقت قوات الأمن السعودية، خلال الشهر الماضي، وقبل أسابيع معدودة من الموعد المُقرَّر لرفع حظر القيادة المفروض على النساء في المملكة، القبض على عددٍ من الناشطات والناشطين النسويين.

يُصوَّر إنهاء الحظر، المُقرَّر تطبيقه في الرابع والعشرين من يونيو الجاري، باعتباره إيذانًا بمجتمعٍ أكثر ليبرالية تُدشِّنه إحدى أهم الحكومات الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة العربية، بما يعني ذلك من تخفيفٍ لسطوة الحكم الاستبدادي، ومساحةِ حريةٍ أرحب للنساء، تحت مظلة قيادة وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان.

وينصَّب محمد بن سلمان نفسه، وهو الذي يحتلُّ صدارة الحكم في المملكة منذ الخريف الماضي، في موضع الشخص الوحيد القادر على إحداث تقدُّمٍ في السعودية. غير أن الحقيقة هي أن النسويين والاشتراكيين وغيرهم من النشطاء في المملكة كانوا يعملون بلا كللٍ – وبصورةٍ مستقلة عن الملكية – في النضال من أجل نيل حقوق المرأة.

وإن لم يكن من الواضح بعد أن الملكية لا تُمثِّل على الإطلاق إطارًا يشتمل على تغييرٍ اجتماعي، بل خصمًا لدودًا له، فلقد ألقت قوات الأمن القبض على بعض من هؤلاء النشطاء أنفسهم الذين ساعدوا على انتزاع حقِّ النساء في قيادة السيارات – بينما تعزو المملكة الفضل لها في ذلك.

في سلسلةٍ من الاعتقالات التي بدأت في 15 مايو الماضي، واستمرت حتى الأسبوع الثاني من يونيو الجاري، ألقت الدولة القبض على الأقل على 17 من النشطاء المعروفين بتصدُّرهم النضال من أجل حقوق المرأة في المملكة.

ويتضمَّن أولئك المُلقَى القبض عليهم نشطاءً نسويين بارزين وشخصياتٍ عامة، مثل المُدوِّنة والناشطة إيمان النفجان، التي كَتَبَت عن تنظيم حملاتٍ لحق النساء في القيادة في صحفٍ مثل الجارديان البريطانية، وعزيزة اليوسف، وهي أستاذةٌ جامعية مُتقاعِدة وخصمةٌ عنيدةٌ لقوانين الوصاية الذكورية وحظر القيادة.

أُلقِيَ القبضُ كذلك على العديد من النشطاء الرجال، من بينهم إبراهيم المُديمِغ، وهو محام يدافع منذ سنوات عن حقوق المُعتَقَلين السياسيين، بمن فيهم إحدى أصغر المُعتَقَلين سنًّا، وهي لجين الهذلول، في العام 2014. كان قد أُلقيَ القبضُ على الهذلول ثلاث مراتٍ قبل القبض عليها الشهر الماضي، لخرقها حظر القيادة المفروض على النساء.

وبالإضافة إلى الهذلول، فقد اعتُقِلَت أيضًا، مطلع الشهر الجاري، ناشطتان، هما مياء الزهراني، في 9 يونيو بعد أن كَتَبَت منشوراتٍ على حساباتها على الشبكات الاحتماعية تضامنًا مع نوف عبد العزيز الجريوي، التي تكتب لموقع إلكتروني نسوي سعودي، والتي هي نفسها قد اعتُقِلَت في 6 يونيو.

كانت الزهراني قد نشرت رسالةً أعدَّتها صديقتها في حالة القبض عليها، وتساءلت فيها: “لماذا يحسبونني عدوًا للدولة يُهدِّد أمنها؟”، مشيرةً إلى حملة التشويه التي أعقبت الموجة الأولى من الاعتقالات.

ولمزيدٍ من الوحشية، اعتَقَلَت الدولة الزهراني لمنشوراتها على الشبكات الاجتماعية التي أشارت فيهم إلى الجريوي وغيرها من الناشطات والنشطاء النسويين.

اعتقالات في الداخل وعدوان في الخارج
من لجين الهذلول ذات الـ28 عامًا، إلى عائشة المانع ذات الـ70 عامًا، يُمثِّل النشطاء المُعتَقَلين عقودًا من النضال ضد تحكُّم المملكة السعودية في حياة النساء، من حظر القيادة المفروض عليهن إلى نظام وصاية الذكر. أُطلِقَ سراح نصف النشطاء المُعتَقَلين منذ بداية الحملة، لكن شروط إطلاق السراح ليست واضحة بعد حتى الآن.

أما الإعلام المُنحاز للدولة، فقد أعقَبَ موجة الاعتقالات بحملةِ تشويهٍ مُوجَّهة ضد النشطاء وتقليب المواطنين السعوديين ضدهم. إذ أطلقت وكالة الأنباء السعودية الرسمية على النشطاء “عملاءً لجهاتٍ خارجية”، مُتَّهِمةً إياهم بتشكيل “خلايا” والعمل على “إجهاض أمن واستقرار المملكة”.

صحفٌ أخرى حقَّرَت من شأنهم بأنهم “ملعونين”، ذاكرين أن “الوطن يلفظ الخونة”. صحيفةٌ إلكترونية أخرى عَرَضَت صورًا للناشطات وطبعت على كلٍّ منها كلمة “خائنة” باللون الأحمر على وجوههن، تحت عنوان: “لا مكان للخونة بيننا”.

يبدو أن حملة الاعتقالات، ومن ثم التشويه، كانت تهدف إلى منع النشطاء من الظهور علانيةً لكسب الفضل في تنظيم الجهود من أجل وضعِ حدٍّ لحظر القيادة. وتنوي الملكية السعودية لاحتكار الفضل في الإصلاحات وتأمل أن تقنع المواطنين بأن وليّ العهد هو الوحيد من يمتلك القدرة على التغيير وعلى المزيد من الإصلاح.

و الإصلاحات، التي تريد الدولة السعودية أن يعرفها النسويون والنسويات، هي فقط الإصلاحات التي تأتي من أعلى، لا تلك التي تنشأ عن الحراك والتعبئة من أسفل والتي تُلقي بظلالِ الشكِّ على الطبقة الحاكمة. والاعتقالات هي أحدث خطوة اتَّخَذها ابن سلمان لإحكام قبضته على السلطة في البلاد.

بمجرد أن صعد إلى ولاية العهد، دشَّنَ ابن سلمان حملاتٍ من الاعتقالات على خصومه السياسيين. وبينما توضع هذه الحملات في إطار استهداف “الفساد”، كانت اعتقالات الخريف الماضي ترمي إلى توطيد حُكم وليّ العهد للبلاد.

تواءمت الخطوات التي اتَّخَذها وليّ العهد في الداخل، مع تلك التي سيَّرَها لمواصلة دور المملكة السعودية العدواني عبر الشرق الأوسط. في نوفمبر من العام الماضي، استدعى ابن سلمان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى المملكة وأجبره على الاستقالة – غير أن الحريري تراجع عن الاستقالة وظلَّ في منصبه.

وكان ابن سلمان قد شنَّ حصارًا وحشيًا، لا يزال متواصلًا، على الجارة الجنوبية، اليمن، حين عُيِّنَ وزيرًا للدفاع، قبل وقتٍ قصير من تقليده وليًا للعهد.

وعبر المنطقةِ بأسرها، تُصعِّد المملكة السعودية منافستها مع إيران بينما ينخرط الاثنان في حروبٍ بالوكالة من أجل الهيمنة، ويُكثِّفان الانقسام الطائفي لضمان السيطرة وسحق المعارضة التي اندلعت مع موجات الربيع العربي في 2011.

فَعَلَ النظام السعودي كل ذلك بالتعاون مع الولايات المتحدة – الحليف الرئيسي للمملكة. خلال زيارة ابن سلمان الولايات المتحدة، ربيع العام الجاري، أعلنت إدارة ترامب أنها تُصدِّق على مبيعات أسلحة تصل قيمتها إلى 2,3 مليار دولار للمملكة السعودية. وحين زار ترامب الرياض العام الماضي، ناقش مع وليّ العهد بيع الولايات المتحدة أسلحةً تُقدَّر قيمتها بـ350 مليار دولار للمملكة خلال العقد المقبل.

نفاق وليّ العهد
يتظاهر ابن سلمان أمام الغرب بأنه مُصلِحٌ يجلب التقدُّم للمملكة، حتى أثناء تصعيده الاستبداد في الداخل والعنف في الخارج. ولديه في الواقع مؤيدوه في الولايات المتحدة، حيث الساسة والمشاهير والإعلام السائد الذين يحتفلون به باعتباره “رجلًا بصيرًا” خلال زيارته الأخيرة.

ومنحت الصحافة الأمريكية ابن سلمان مساحةً رحبة كي يُصدِّر نفسه كشخصٍ يمكنه الحديث عن حقوق الإنسان وتخفيف القيود الصارمة في المملكة، في أثناء مواصلة المملكة دورها في الحفاظ على الوضع الراهن في الشرق الأوسط الذي يصبُّ في صالح القوى الغربية. لكن كلمات ابن سلمان، وأفعاله بالطبع، لا علاقة لها بالبصيرة ولا بالإصلاح.

في العام 2016، جادَلَ وليّ العهد بأن البلاد “ليست مستعدة” لأن تشهد نساءها يقدن السيارات. وحين سُئِلَ، في مقابلةٍ أجرتها معه مجلة الإيكونوميست البريطانية العام الماضي، عن النسبة المحدودة للغاية للنساء في قوة العمل بالسعودية، ادَّعى أنه يتحدَّث بلسان نساء مملكته، مُلقيًا باللائمةِ على موقف المرأة نفسها: “إنها ليست مستعدة للعمل. تحتاج المرأة السعودية المزيد من الوقت لتُعوِّد نفسها على فكرة العمل”.

في تلك الأثناء، كان النشطاء السعوديون يُدشِّنون الحملات رغم أنفه، ومظاهراتهم كانت تُلوِّح في وجهه، داحضةً ادَّعائه بأن النساء السعوديات لسن جاهزاتٍ للتغيير.

منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، وتحديدًا في نوفمبر 1990، بدأ الحراك الأول لحق المرأة السعودية في قيادة السيارات بحملةٍ ومظاهراتٍ في الرياض. قادت عائشة المانع و46 امرأةً أخرى سياراتهن حول العاصمة في قافلةٍ طويلة حتى اعتُقِلنَ جميعًا، وطُرِدن من وظائفهن الحكومية، وحُرِمن من السفر، ونُدِّدَ بهن في المساجد عبر أرجاء المملكة.

وبعد اندلاع ثورات الربيع العربي، أُلهِمَت النساء مُجدَّدًا للاحتجاج على معاملتهن كمواطناتٍ من الدرجة الثانية، وانخرطن في مظاهراتٍ شبيهة في 2011، ومرةً أخرى في 2013 و2014. والقلب النابض لهذه الشبكة من المناضلات والمناضلين هم من استهدفتهم الدولة السعودية مرةً أخرى خلال الشهر الماضي.

لابد أن نُوسِّع تضامننا مع النساء والرجال الذين يعتقلهم النظام السعودي، ونفضح نفاق المملكة التي تستمر في قمع النشطاء والنسويين.

* هذا الموضوع مترجم عن موقع العامل الاشتراكي الأمريكي

   

التعليقات