بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

خمس سنوات على غزو العراق:

هل انتصرت الإمبريالية في حربها؟

مرت خمس سنوات على غزو العراق واحتلاله. المناسبة تطرح السؤال حول مصير مشروع الإمبريالية الجديدة بمسعاها لتدشين قرن أمريكي جديد. فقبل أقل من شهرين من الغزو، كان وزير الدفاع الأمريكي “دونالد رامسفيلد” يؤكد أن “تكلفة الحرب تبلغ 50 مليار دولار، وقد تتحمل دول أخرى جزءا من نفقات هذه الحرب مرسومة الخطوات”.

 

والآن، وبعد مرور خمس سنوات، يكشف الخبراء أن تكلفة حربي العراق وأفغانستان بلغت نحو 1.6 تريليون دولار، منهم 1.3 تريليون للعراق، أي ما يفوق 25 ضعف ما تحدث عنه السيد رامسفيلد.

 

الحقيقة أن فاتورة حرب العراق بالذات بلغت حدا يفوق حسابات المحافظين الجدد. فبدلا من بستان النفط المفروش بالورد الذي بشّر به اليمين المحافظ، غرق الأمريكيون في مستنقع مبطن بألغام أرضية. فالمقاومة العراقية تكبد القوات الأمريكية خسائر فادحة. وبدرجة أقل يتم إنهاك تلك القوات بين أودية أفغانستان القاحلة.

 

الوضع الذي تقاتل فيه قوات المقاومة – غير الخالية من الأزمات والنواقص – يثير العديد من التساؤلات حول أزمة الإمبريالية وارتباكاتها في العراق وأفغانستان، وحول أزمة المقاومة بشكلها الحالي. سنحاول في هذا المقال طرح إجابات على هذه التساؤلات من خلال تقديم كشف حساب مختصر للمقاومة الأفغانية والعراقية.

المقاومة الأفغانية

منذ بدأت الحرب الأمريكية على أفغانستان، والطبقة الحاكمة الأمريكية تسّوق لهذه الحرب، مرّوجة مزاعمها الزائفة حول “تحرير الشعوب ونشر الديمقراطية والقضاء على الطغاة”.

 

تلقى بعض، وليس كل، هذه المزاعم سوقا رائجة لدى كثيرين من الشعب الأمريكي. ففي حين ترفض غالبية الأمريكيين الحرب ضد العراق، يمتدح الكثيرون ما يسمى “الجولة الأفغانية”، منخدعين بأكاذيب البيت الأبيض حول الحرب في أفغانستان، إلى درجة أن بعض المتحدثين باسم حركة ضد الحرب كانوا قد نصحوا بأن يتجنب اليسار انتقاد أمريكا في أفغانستان، لأن ذلك سيفقدهم تعاطف الجماهير.

 

والآن في أفغانستان، فإن الحقيقة التي باتت مؤكدة هي أن أمريكا لم تنتصر ولم تحقق أبسط أهدافها في تلك الحرب. فهي لم تنجح في تصفية ما تسميه بالإرهاب، بل إن تحقيقات وكالة المخابرات المركزية أثبتت أن “الحرب قد جعلت مكافحة الإرهاب أكثر تعقيدا”، لأنه أصبح منتشرا على مساحات جغرافية أوسع بعد أن كانت رموزه متمركزة في مناطق بعينها.

 

ويذكر أنه في السنتين الأخيرتين، بدأ مجاهدو طالبان يستعيدون السيطرة على الكثير من الأقاليم، خاصة في مناطق الجنوب والشرق. ويعد إقليم “خوست” في شرقي أفغانستان بمثابة قاعدة انطلاق لهجمات متكررة لمجاهدي طالبان ضد قوات الاحتلال. يذكر هنا أن أحد التقارير أكد أن “طالبان تسيطر على 54% من أفغانستان وأراضيها.”

 

وكما أن أمريكا فشلت في تحقيق أهدافها من الحرب، فهي أيضا لم تأت للبلاد بالرخاء والحرية! فالعاصمة الأفغانية “المحررة” كابول تشهد حتى هذه اللحظة فجوة كبيرة بين أقلية صغيرة تستفيد من كل ما يقدمه الغرب من مساعدات، وبين الغالبية العظمى التي تجد صعوبة في مجرد البقاء على قيد الحياة.

 

فكما تؤكد منظمات الإغاثة الدولية، فإن 23.5%  من الأفغان يحصلون على مياه شرب نظيفة، و6% لديهم كهرباء. وفي ظل نظام كرزاي، أصبح الفقر والفوضى والفساد هم السمات الرئيسية للحياة. فالفلاحون يزرعون الأفيون بحرية دون قيود (لأنه محصول يحقق عائدا ماديا يمكنّهم من الحياة)، كما ازدهرت صناعة الهيروين، وعادت بذلك أفغانستان لتحتل مكانها كأهم مصدر للمخدرات في العالم!

 

وفي مواجهة هذه الفظائع، فإن المقاومة الأفغانية تصاعدت بقوة. فبحسب تقرير للأمم المتحدة، تصاعدت عمليات المجاهدين الأفغان في 2007 بالمقارنة بالأعوام الماضية، لتبلغ 566 هجوما شهريا طوال 2007، مقابل 425 هجوما شهريا في 2006.

 

ويخطئ الكثير من المحللين في الولايات المتحدة عندما يبالغون في تقدير الهزائم الجزئية التي تلحقها قوات الإمبريالية بالمقاومة في أفغانستان. فبالرغم من مقتل ثلاثة من القادة البارزين لطالبان خلال العام الماضي، إلا أن المقاومة في أفغانستان لم تفقد زخمها. فلقد تم تسجيل 222 قتيل للناتو في 2007 ليصبح هذا العام هو أكثر الأعوام في خسائر الاحتلال البشرية منذ بدايته.

 

وفي ظل الخسائر المتزايدة لقوات الناتو، فإن الحاجة إلى تعزيز القوات المرابطة في أفغانستان تزداد. وفي هذا الإطار كانت واشنطن قد وجهت رسائل لحلفائها منذ فبراير الماضي تطالب فيها بزيادة أعداد القوات في جنوبي أفغانستان حيث تنشط طالبان. وقد تلقت واشنطن صدمة موجعة عندما جاء الرد بالرفض القاطع، ومِن مَن؟! من أكبر الداعمين لها: ألمانيا وبريطانيا.

 

وفيما يبدو أن انقسام عميق يمكن أن يتولد في الفترة القادمة بين طرفي الاحتلال في أفغانستان: واشنطن من ناحية، وبقية حلف الناتو من ناحية أخرى. وهذا ما عبر عنه “روبرت جيتس” وزير الدفاع الأمريكي في زيارة لميونخ مؤخرا: “لا ينبغي علينا أن نصبح تحالفا من شقين، بين الراغبين في القتال والرافضين له”.

 

وكما تعبر الولايات المتحدة، على لسان جيتس، عن رغبتها في القتال، تعبر بريطانيا على لسان رئيس وزرائها “جوردون براون” عن عدم رغبتها في استكمال القتال. هذا ما جاء في صحيفة الإندبندنت في ديسمبر الماضي، حيث قال براون “آن الأوان للتحاور مع طالبان”.

 

يمكننا إذن أن نستخلص أن تصاعد المقاومة الأفغانية لم يتسبب فقط في إحداث خسائر بشرية كبيرة، لكنه ساهم كذلك في إحداث ارتباك في صفوف الغزاة حول ما يجب فعله. ومن المتوقع أن يفتح هذا الارتباك الباب أمام طالبان للانتعاش وتصعيد المقاومة. لكن في نفس الوقت، يمكن للولايات المتحدة اللجوء إلى وسائل أكثر فعالية من الاعتماد على ألمانيا أو بريطانيا. يمكنها مثلا أن تستخدم خدم الإمبريالية في المنطقة لقمع المقاومة الأفغانية، كأن تضغط على “برفيز مشرف” للقيام بعمليات أوسع من أجل تصفية طالبان، أو أن تستخدم قادة عسكريين من مختلف أنحاء البلاد لمطاردة تنظيم القاعدة وطالبان.

المقاومة العراقية

في يوليو 2007 تحدث بوش عن استراتيجيته في العراق قائلا “يمكن إحراز تقدم، والمعركة يمكن كسبها”. لكن المدقق في خط سير المقاومة العراقية سيكتشف زيف هذه التصريحات.

 

فالحقيقة أن العراق، بالمقارنة بأفغانستان، هي الجبهة التي يحقق فيها الأمريكيون الخسائر الأكبر. فالآن، في الثلث الأول من عام 2008، يبلغ عدد القتلى الأمريكيين في العراق 4 آلاف، بينما العدد في أفغانستان حوالي 415 قتيل. وفي حين يتراوح عدد عمليات المقاومة ضد قوات الاحتلال في العراق يوميا بين 80 إلى 120 عملية (أي 2400 عملية شهريا على الأقل)، وصل عدد العمليات في أفغانستان إلى 566 هجوم شهري طوال 2007.

 

النغمة الرئيسية لبوش ورجاله هو أن وجودهم في العراق يحمي البلاد من حرب أهلية. فبوش أكد مؤخرا أن “وجود قواته في العراق حال دون حرب أهلية هناك”. وعلى نفس النغمة قال جون ماكين، المرشح الجمهوري للرئاسة، أن سحب القوات من العراق غير ممكن لأن ذلك “سوف يترك البلاد عرضة لحرب أهلية وإبادة”.

 

والحقيقة أن الاقتتال الطائفي مشتعل بالفعل في المدن العراقية. فنتيجة للعنف بين السنة والشيعة، فقد العراق حوالي نصف المليون مواطن. لكن لابد أن نتذكر أن التناحر بين السنة والشيعة لم يبرز إلى مقدمة المشهد إلا مع قدوم قوات الاحتلال التي تعمل على إذكاء التوترات الطائفية.

 

وبالرغم من أن اندلاع معارك طائفية دامية أمر واقع لا يمكن إنكاره، إلا أن ما تحاول الإدارة الأمريكية مواراته خلف النزاع الطائفي هو خسائرها هي في المعركة مع فصائل المقاومة. فقد أكدت الواشنطن بوست أن إدارة بوش: “تتعمد إخفاء الحقيقة حول اتساع أعمال العنف الذي تتعرض له قواتها في العراق، حيث يتعرض الجنود لهجوم كل 15 دقيقة”.

 

لكن المؤشر الأكثر دقة لمدى احتدام المعارك في العراق، هو ذلك الذي يطرحه الاشتراكي الثوري البريطاني أليكس كالينيكوس، الذي يقول أن عدد المصابين، وليس القتلى، هو المقياس الرئيسي لحساب فعالية المقاومة. فنظرا للتحسن النوعي في مستويات الرعاية الصحية المقدمة من قوات الاحتلال، فضلا عن جودة الدروع المستخدمة، فإن عدد القتلى هو أقل بكثير من عدد المصابين الذين ينجون بعد الإصابة. فبحسب كالينيكوس، كان معدل الوفاة إلى الإصابة 1 إلى 3 في حرب فيتنام، بينما أصبح 1 إلى 8 تقريبا في العراق (4 آلاف قتيل و30 ألف مصاب).

 

هذا طبعا بالإضافة إلى الأزمات النفسية والعصبية التي تصيب أعدادا هائلة من الجنود. إذ يخلص تقرير أعدته مجموعة عمل في “مجلس الجيش للصحة العقلية” عام 2007، إلى أن 27% من الجنود الذين يرسلون إلى مناطق القتال الكثيف يعانون اضطرابات نفسية حادة. وفي يناير الماضي اعترف جيش الاحتلال الأمريكي أن نسبة الانتحار شهدت ارتفاعا كبيرا. فأكثر من 2000 جندي حاولوا الانتحار أو إلحاق الأذى بأجسادهم في 2006، مقابل نحو 375 في 2002.

 

وربما كان النجاح الوحيد للإمبريالية الذي يمكن التحدث عنه في العراق، هو في مجال ملاحقة وتصفية تنظيم القاعدة. إذ يشهد التنظيم هذه الفترة تراجعا في القدرة على تنفيذ العمليات، بعد أن أقر الأمريكيون سياسة جديدة تهدف لمواجهته من خلال تشكيل “مجالس الصحوة” المكونة من رجال القبائل.

 

هذا على جانب القوات الأمريكية. أما بالنسبة للشركاء الأصغر لها، فإنه من الواضح تماما أنهم يميلون إلى التراجع التكتيكي بعد الخسائر التي تكبدتها قواتهم.

 

ففي ديسمبر الماضي تراجعت القوات البريطانية وقامت بتسليم أمن مدينة البصرة للقوات العراقية. وبذلك تكون البصرة هي رابع مدينة بالجنوب يتسلم العراقيون فيها الأمن بعد انسحاب اليابانيين من المثنى في يوليو 2006، وخروج الإيطاليين من ذي قار في سبتمبر 2006، وترك البريطانيين ميسان في أبريل 2007.

 

لكن بالطبع من السذاجة تصوير هذه التراجعات على أنها تحرير شامل لهذه المدن أو هزيمة منكرة للإمبريالية. ففي البصرة مثلا كان أحد شروط تسليم الملف الأمني للعراقيين هو أن “من حق القوات المنسحبة التدخل مرة أخرى في المدينة لأسباب أمنية”.

 

علاوة على ذلك فإن الخروج البريطاني غير تام. حيث تحتفظ بريطانيا بقواعد عسكرية لها في المدن التي تنسحب منها. على سبيل المثال تترك بريطانيا هذا العام بعد الانسحاب 2500 جندي بريطاني في قاعدة عسكرية لها شمال البصرة.

 

لقد آثرت بريطانيا واليابان وإيطاليا الانسحاب الجزئي تحت ضغط الخسائر التي لحقت بهم. ولكن بالنسبة للإمبريالية الأمريكية فلن يكون الانسحاب سهلا مطلقا. بل على العكس، تعتزم الولايات المتحدة تكثيف تواجدها العسكري، كما حدث في يناير 2007 عندما تم إرسال قوة إضافية قوامها 30 ألف جندي للعراق.

 

وفي خلفية هذا كله، هناك طرف أساسي غير معترف به يساهم في دفع فاتورة الحرب. إنه الفقراء في أمريكا. فالتكلفة الباهظة للحرب تستخدم لتبرير التخفيضات في التأمين الصحي والتعليم والرفاهة الاجتماعية. ويحاول سياسيو الرأسمالية إجبار الطبقة العاملة على تحمل عبء حربهم من أجل النفط. ففي الفترة بين 2002 و2008 تحملت العائلة الأمريكية المكونة من 4 أفراد نحو 16500 دولار.

 

ولهذا فلئن كانت المقاومة، بالإرباك والتعطيل الذين تحدثهما في مخططات الإمبريالية، هي طرف أصيل من أطراف إسقاط مشروع القرن الأمريكي الجديد، فإن القوى والحركات المناهضة للحرب في الغرب، وبالذات في الولايات المتحدة، لها دور أصيل في عرقلة المشروع، ثم تحطيمه نهائيا.

 

الآن بعد خمس سنوات على غزو العراق، هناك كثير من الدم، وهناك إشكاليات وعوائق، لكن الأكيد أن أمريكا وحلفاؤها يواجهون منعطفا بالغ الصعوبة. فإلى جانب الورطة العراقية والأفغانية، وإلى جانب صعود القوى المناهضة في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، هناك نذر الأزمة الاقتصادية التي يمكن أن تلعب دورا كبيرا في تفجير حركة النضال ضد الليبرالية الجديدة وذراعها العسكرية.

   

التعليقات