بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

هل تكون إيران هي هدف الحرب الأمريكية القادمة؟

الخطة الأمريكية

يتصور البعض أن فوز الديمقراطيين بأغلبية في المجالس النيابية الأمريكية يشكل حاجزاً أمام خطط بوش لشن الحرب على إيران. هذا التصور لا يضع في الاعتبار العلاقة الوثيقة بين قيادات حزب الديمقراطيين وإسرائيل، والتي تعتبر الجهة الأساسية التي تضغط من أجل التعجيل بالحرب على إيران. فكل من نانسي بيلوسي، رئيسة الكونجرس، وهيلاري كلينتون وجون إدوردز يتنافسون على إرضاء اللوبي الصهيوني. فقد شارك إدوردز، وهو المعروف بمطالبته بالانسحاب الأمريكي من العراق، في مؤتمر في هرتسيليا حيث أعلن أن “إيران تشكل أخطر تهديد للعالم ولإسرائيل ولا يجب استبعاد أي وسيلة لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي”. أما هيلاري كلينتون فقد صرحت أيضاً بأن “الولايات المتحدة عليها أن تكون حاسمة مع إيران، وأن كافة الخيارات بما فيها الخيار العسكري يجب أن تبقى على الطاولة”.

وقد علق الجنرال الروسي ليونيد إيفاشوف بأن الولايات المتحدة ستستخدم رؤوس نووية محمولة على صواريخ الكروز وستطلقها على إيران من سفنها الحربية في البحر الأبيض المتوسط. وقد كتب في نهاية يناير أن “حرب العراق كانت مجرد خطوة في سلسلة خطوات لإعادة رسم المنطقة بأكملها”.

وقد بدأت الإدارة الأمريكية في شن حملة دعائية ضد إيران كجزء من التحضيرات للهجوم المرتقب. فأعلن بوش أن إيران مسئولة بشكل مباشر عن قتل جنود أمريكيين في العراق، وأنها تدعم وتسلح المقاومة العراقية. وقال بوش “سنوقف الدعم القادم من إيران وسوريا للمتمردين وسندمر الشبكات (يقصد الإيرانية) التي تسلح وتدرب المتمردين”.

وقد زعمت وزارة الخارجية الأمريكية أن “هناك أدلة قوية أن هناك تورط لعملاء إيرانيين في هذه الشبكات وأن هؤلاء العملاء يتم إرسالهم هناك من قبل الحكومة الإيرانية”. وهذا على الرغم من العديد من التقارير التفصيلية في جرائد مثل النيو يورك تايمز وتصريحات لقيادات عسكرية بريطانية تؤكد أن إيران لا تلعب أي دور في إمداد أو تدريب “التمرد” في العراق. وقد صرح الجنرال بيتر بايس، رئيس أركان الجيش الأمريكي، بأنه لا يوجد أي دليل على التورط الإيراني المزعوم.

وكتب المحلل المرموق لقضايا الشرق الأوسط باتريك كوكبورن في جريدة الإندبندنت البريطانية: “إن الأدلة ضد إيران هي أضعف حتى من تلك التي تم فبركتها حول أسلحة الدمار الشامل في العراق في 2002 و2003”.

وعلى الرغم من هذا بدأ البينتاجون التحضير والتخطيط المكثف لضربة جوية على إيران منذ العام الماضي، وطبقاً للصحفي الشهير سيمون هيرش فقد تم تشكيل هيئة عسكرية عليا تشرف على الخطط التفصيلية للضربة الجوية بحيث يمكن بدء الحرب بعد 24ساعة من قرار بوش.

وقد وُضِعَت بالفعل حاملتي طائرات أيزنهاور وستينس في الخليج العربي (وقد سمح النظام المصري بالطبع بمرور تلك السفن العملاقة من خلال قناة السويس)، وهناك استعدادات وتدريبات مكثفة عليهما استعداداً لأمر الهجوم.

وهناك استعداداً لوصول سريع لثلاث حاملات طائرات أخرى وهي ترومان وروزفيلت ونيمتز، وجميعها محملة بمئات الطائرات وصواريخ الكروز.

وفي نفس السياق قام بوش بتعيين الأدميرال وليام فالون رئيساً جديدا للقيادة المركزية للقوات في العراق وأفغانستان، وهي قوات تحارب حروباً برية رغم كون الأدميرال قائد جوي، مما يشير إلى أن الخطوة القادمة سترتكز على الضربات الجوية وأن الهدف المرشح هو إيران.

الاستعدادات الحربية واللوجستية والدعائية ليست وحدها ما تقوم به الإدارة الأمريكية تجاه إيران. فهناك اختراقات مخابراتية داخل الأراضي الإيرانية خاصة في منطقة خوزستان العربية والتي يتركز فيها البترول الإيراني، والهدف من هذه الاختراقات محاولة تأجيج اتجاهات انفصالية في تلك المنطقة لمساعدة المخطط الأمريكي وزعزعة الأمن الداخلي الإيراني.

وقد تم رصد مبلغ 85 مليون دولار من الكونجرس لتقديمها للحركات المؤيدة “للديمقراطية” في إيران وتقريب الحركات والمنظمات المناهضة لإيران وقادة بعض القوميات الأقلية في إيران.

ومن جانب آخر فالناظر إلى خريطة المنطقة سيلحظ على الفور اكتمال حلقة التطويق حول إيران: فالقوات الأمريكية وتسهيلات القواعد موجودة (في العراق، أفغانستان، أوزبكستان، قرغستان، باكستان، تركيا، الخليج، مضيق هرمز)، أما بقية الدول (أرمينيا وتركمستان وأذربيجان) فهي حليفة لأمريكا وتقدم تسهيلات المطارات وغيرها.

تعبئة الأنظمة العربية

المحور الثاني في تخطيط الإدارة الأمريكية هو تعبئة الأنظمة العربية العميلة، وعلى رأسها مصر والسعودية، للعب دوراً هاماً في تسهيل ودعم الهجوم على إيران. ومن هنا نشأت فكرة تقسيم المنطقة بين المتطرفين والمعتدلين، وبين السنة والشيعة. ففي شهادتها أمام لجنة العلاقات الأجنبية بالكونجرس قالت كوندليزا رايس إن “هناك اصطفاف جديد في الشرق الأوسط بين الدول السنية المعتدلة في جانب، وإيران وسوريا وحزب الله في الجانب الآخر. لقد اختارت إيران وسوريا خيار تبديد الاستقرار في المنطقة”.

وقد أوضح سيمون هيرش كيف تؤدي الإستراتيجية الأمريكية الجديدة إلى تقارب شديد بين السعودية وإسرائيل حيث تنظران معاً إلى قوة إيران كتهديد مباشر. ويشير هيرش إلى المحادثات المباشرة بين النظام السعودي وإسرائيل في هذا السياق.

وقد كرر ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي والعقل المدبر لخطة الحرب على إيران، نفس الفكرة في حديث لمحطة فوكس التلفزيونية في يناير الماضي، قائلاً: “إذا ذهبت للحديث مع دول الخليج أو السعوديين أو الإسرائيليين أو الأردنيين، الجميع شديد القلق حول التهديد الإيراني”.

تستخدم الإدارة الأمريكية إستراتيجيتان لتعبئة الأنظمة العربية ضد إيران ولتحضير المنطقة سياسياً لشن للحرب عليها. الأولى هي التصعيد من فكرة التهديد الشيعي الصاعد وخطورته على استقرار المنطقة ودعم إيران لما تعتبره الأنظمة العربية والإدارة الأمريكية معاً منظمات متطرفة وإرهابية مثل حزب الله وحماس. والإستراتيجية الثانية هي إحياء عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية من خلال دور سعودي بارز من أجل حكومة وحدة بين فتح وحماس لتمهيد الطريق لفك الحصار الاقتصادي. والدور السعودي المتصاعد سواء في القضية الفلسطينية أو لبنان لا يمكن فهمه خارج إطار تقسيم الأدوار لعزل إيران.

ولابد من الإشارة هنا إلى الدور السعودي في لبنان حيث يؤكد سيمون هيرش على وجود تعاون بين السعودية والإدارة الأمريكية في تمويل ودعم عمليات تخريبية في لبنان هدفها إضعاف حزب الله. ومن المدهش حقاً أن التنظيمات السنية المتطرفة التي يتم تمويلها بمعرفة ورضاء الإدارة الأمريكية هي تنظيمات قريبة من وموالية لأفكار تنظيم القاعدة!

احتمالات الحرب القادمة

وأمام هذه التهديدات العسكرية المتصاعدة على إيران ماذا يمكن لإيران أن تفعل إذا ما تحولت التهديدات إلى واقع؟ يمكنها ضرب المصالح الأمريكية في المنطقة ضربات سريعة وموجعة. فهناك أولاً القوات الأمريكية في العراق والتي يمكن استهدافها بالصواريخ وكذلك القوات الموجودة في قطر والبحرين وعمان وجيبوتي. يمكن لإيران أيضاً أن تستهدف إسرائيل بصواريخها طويلة المدى. ويمكنها كذلك التأثير بشكل مباشر في تصدير النفط الخليجي من خلال إغراق السفن لإغلاق مضيق هرموز.

وهذا كله يرجح أن الهجوم الأمريكي، إذا تحقق بالفعل، لن يشمل فقط المواقع النووية بل كافة المواقع العسكرية الإيرانية من دفاعات جوية إلى منصات صاروخية إلى مرتكزات الحرس الثوري إلى خطوط الإمداد والمطارات. ويتوقع المراقبون، ومنهم الصحفيين جون بيلجر وسيمون هيرش، أن تشمل الضربة الجوية مئات إن لم يكن آلاف الأهداف.

والنظام الإيراني بالطبع يعرف هذه الخطط، وليس من المنطقي أن نتوقع أنه لا يريد تجنبها. فالنظام الإيراني ليس بأي حال من الأحوال نظاماً ثورياً، وعداؤه للإمبريالية الأمريكية ليس عداءاً مبدئياً ويمكنه التنازل في آخر لحظة مثل ما فعل النظام الكوري الشمالي. والكل يتذكر أنه في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق عرض النظام الإيراني صفقة شاملة مع واشنطن تضمنت قبول إيران لمبادرة السلام العربية، بما فيها الاعتراف بإسرائيل وإنهاء الدعم الإيراني لحماس وتسليم الولايات الأمريكية أسماء أعضاء القاعدة المحتجزين في إيران وطلبت إيران في المقابل تصفية منظمة مجاهدي خلق في العراق. وقد رفضت الإدارة الأمريكية تلك الصفقة رفضاً تاماً.

وعلى الرغم من ذلك فقد تعاونت إيران مع الولايات المتحدة في أفغانستان، ولعبت دوراً في إبقاء التنظيمات الشيعية في العراق خارج إطار المقاومة، بل تعاون كثير منها مع الاحتلال الأمريكي.

ولكن المشكلة بالنسبة للنظام الإيراني هي أن حجم التنازلات التي تتطلبها الإدارة الأمريكية لا يمكن للنظام الإيراني قبوله، وهي لا تنتهي عند وقف التخصيب رغم كون ذلك المطلب رمز للاستسلام الإيراني.

ومن المهم ملاحظة أن المصلحة الأمريكية كانت دائماً تحتم محاولة السيطرة على إيران أو على الأقل تحجيم استقلالها وقوتها الكامنة. اتخذت هذه المحاولة أشكالاً متعددة من إطاحة المخابرات الأمريكية بمحمد مصدق، وهو الرئيس المنتخب ديمقراطياً عام 1953، وتنصيب الشاه وتمويل ودعم ديكتاتوريته الوحشية، إلى دعم نظام صدام مالياً وعسكرياً خلال الحرب العراقية الإيرانية وفرض حظر اقتصادي على النظام الإيراني.

لقد كان جوهر الإستراتيجية الأمريكية دائماً هو التحكم في النفط الإيراني وإضعاف نفوذها الإقليمي. والفشل الأمريكي في العراق، إذا ما نظرنا إليه من منظور تاريخي، يجعل هدف تدمير القدرة الإيرانية أكثر إلحاحاً بالنسبة للمؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة.

      

التعليقات