بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حماس: عندما تصبح المقاومة سلطة!

مر تقريبا عامان على نجاح حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني. بعدها شكلت، لأول مرة، حكومة فلسطينية برئاسة إسماعيل هنية. تلا ذلك حصار اقتصادي وسياسي، واعتداءات إسرائيلية متواصلة، وتجويع ودمار، واقتتال “فلسطيني- فلسطيني”، وانفراد حماس بالسيطرة على غزة بعد معارك مع عناصر من فتح (9-14 يونيو 2007)، ثم تشديد للحصار والخناق على قطاع غزة، ومحاولة أبناء القطاع كسر الحصار وتحطيم الحدود مع مصر (يناير 2008)، ثم القرار الإسرائيلي بتوسيع العمليات العسكرية في القطاع (مارس 2008).. كل هذه الأحداث الجسام تجعل من المهم، بل من الضروري، إجراء تقييم لتجربة حماس في السلطة. وهو ما سنحاول أن نفعله في هذا المقال. والسؤال المركزي الذي سنسعى للإجابة عنه هو: إلى أي مدى تحولت حماس من حركة مقاومة تواجه العدو الإسرائيلي إلى سلطة تمارس أدوارها التقليدية، بما قد يتضمن قمع المحكومين؟

الدور الوظيفي للسلطة الفلسطينية

أربك نجاح حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في 25 يناير 2006، بحصولها على 56% من مقاعد المجلس، إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش وإسرائيل وبعض الأنظمة العربية، مما جعل إدارة بوش تتراجع عن الضغوط التي مارستها من أجل “الديمقراطية في الشرق الأوسط”، وخاصة مع النجاح الكبير الذي حققه الإخوان المسلمون في انتخابات مجلس الشعب في مصر في أواخر 2005. ذلك أن تشكيل حماس لحكومة فلسطينية منتخبة بشكل ديمقراطي قد يفتح أمام المقاومة آفاقا جديدة. حيث كان من المتوقع تركها للفصائل المقاوِمة تعمل بحرية أكبر وبقدر أقل من المعوقات.

إذن فقد كان هناك أمل أن يُهيئ تشكيل حماس لحكومة فلسطينية وضعا أفضل بكثير للمقاومة التي عانت، في ظل سيطرة “فتح” على السلطة، من الاعتقال والملاحقة، بل ومن إحباط العمليات الاستشهادية وتفكيك معامل صناعة المتفجرات. فمثلا قامت”فتح” بتسليم مناضلين، مثل “خلية صوريف” التابعة لحماس، إلى إسرائيل، كما نقلت كما هائلا من المعلومات لأجهزة الأمن الإسرائيلية. من هذه الزاوية اعتبر تشكيل حماس حكومة وطنية (تحظى بإجماع وطني) أمرا مفيدا للمقاومة وكارثيا لأمريكا وإسرائيل.

لذلك ففور إعلان حماس أنها ستشكل حكومة فلسطينية، اشترطت اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، روسيا، الأمم المتحدة) عدة شروط لقبول تلك الحكومة: أولا نبذ “العنف”، ثانيا الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، وأخيرا القبول بالاتفاقيات التي وقعتها السلطة الفلسطينية في السابق، وهي شروط تعني عمليا تخلي حماس عن نهج المقاومة وتحولها لتصبح “فتح” ثانية. لذلك رفضت حماس شروط الرباعية.

لكن التناقض الرئيسي الذي وقعت فيه حركة حماس هو الآتي: أنه لا يمكن لها الاحتفاظ بالسلطة الفلسطينية دون القيام بالمهام التي خُلقت من أجلها تلك السلطة، وهي أن تكون كابحا لحركة الشعب الفلسطيني بأقل قدر من الخسائر الإسرائيلية، من خلال تولى “فلسطينيون” حماية دولة إسرائيل. هذا هو جوهر اتفاقات أوسلو التي أسست السلطة الفلسطينية، التي لا تتمتع بأي شكل من أشكال سيادة الدولة، بل يقتصر دورها على كبح المقاومة بالوكالة عن إسرائيل. فمثلا تنص اتفاقية طابا (28 سبتمبر 1995) في البند رقم 15 من بنودها على الآتي “يقوم الطرفان، أي إسرائيل والسلطة الفلسطينية، بالإجراءات الضرورية لمنع أعمال الإرهاب، والجريمة، والأعمال العدوانية الموجهة ضد الطرف الأخر أو ضد أفراد واقعين تحت سلطة الطرف الآخر…”.

حكومة حماس والموظفون

كان شرط تولي السلطة الفلسطينية هو القيام بدور كابح المقاومة. ومع رفض حماس القيام بهذا الدور، فإنه كان ضروريا الإطاحة بها من قِبل من خلقوا تلك السلطة. هكذا امتنعت الدول المانحة (أوروبا وأمريكا) عن تقديم المساعدات التي تقدر بحوالي مليار دولار، كما امتنعت إسرائيل عن تقديم حصيلة الضرائب والجمارك التي تحصلها على البضائع الفلسطينية عند المعابر التي تسيطر عليها، والتي تقدر بحوالي 55 مليون دولار في الشهر.

معنى هذا كان أن حكومة حماس فقدت أهم مصادر تمويل السلطة، مما جعلها عاجزة عن دفع مرتبات الموظفين ورجال الشرطة. وهو الأمر الذي أستغله بعض أصحاب الكلمة العليا في حركة فتح في يونيو 2006 لإعادة السلطة إليهم مرة أخرى، بدفع قطاعات من رجال الشرطة والموظفين إلى التحرك للمطالبة برواتبهم المتأخرة لثلاثة أشهر. فخرجت المظاهرات واقتحم عدد من أفراد الشرطة المجلس التشريعي. وبعدها بيومين أقتحم عدد من الموظفين المتظاهرين المجلس لنفس السبب.

مثّل هذا تحديا ضخما لحكومة حماس. حيث كان تحرك هذا القطاع من الجماهير الفلسطينية موجها ضدها وليس ضد إسرائيل أو أمريكا أو الدول الأوروبية التي قطعت مصادر التمويل. جوهر التحدي يكمن في أن حماس بدون “الموظفين” لن تصبح حكومة (سلطة). فالموظفون هم أدوات السلطة الحاكمة للسيطرة. من هنا سعت حماس إلى خلق شريحة جديدة من الموظفين ورجال الشرطة تضمن ولاءهم. فعمدت إلى توظيف عدد كبير من أعضائها ومؤيديها في الجهاز الحكومي، وهو نفس المسلك الذي اتبعه عرفات وحركة فتح أثناء تشكيلهما لمؤسسات السلطة الفلسطينية، بل وقبل ذلك أثناء تشكيلهما لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.

هذا المسلك – توظيف من يُضمن ولاؤه، أو من تكون هناك رغبة في كسب ولائه – يحمل في طياته مخاطر عدة، أولها تحويل المناضل إلى موظف يأخذ راتبا ويكون ولائه لرئيسيه في العمل وليس للمشروع الوطني والبرنامج السياسي الذي تتباه الحركة، مما يلغي طابعها الوطني والديمقراطي، إذا كان موجودا في الأصل. ذلك أن طاعة الأوامر هنا تكون مرتبطة بالأجر الذي يأخذه “المناضل-الموظف”، وليس بالمعايير الوطنية. وهنا يختفي انتقاد قيادات الحركة، الذين هم رأس السلطة، والذين يملكون التحكم في مصادر المال.

ثاني مخاطر هذا المنهج هو تشجيعه لانضمام قطاعات من الراغبين في تأمين ظروفهم المعيشية إلى الحركة طمعا في الوظيفة، وهي سياسة أفسدت، بشكل تدريجي، قطاع كبير من المناضلين في حركة فتح في الماضي، وليس مستبعدا نفس المصير لقطاعات من المناضلين في حركة حماس إذا استمرت في النهج نفسه.

التحليل السابق يفسر لماذا تظاهر عدد كبير من الموظفين الفلسطينيين ورجال الشرطة ضد حكومة حماس المنتخبة بشكل ديمقراطي وذات التاريخ المقاوِم، وليس ضد أمريكا وإسرائيل والأنظمة العربية التي فرضت الحصار. فهؤلاء – “موظفو فتح” – كانوا يخشون كل الخشية من إعادة هيكلة الجهاز الحكومي الفلسطيني بما يؤدي إلى فقدانهم وظائفهم أو المميزات الممنوحة لهم، مما دفعهم إلى ترويج شعار “حكومة فاسدة تطعم شعبها، خير من حكومة شريفة تجوّعه”. هكذا أصبحت حكومة حماس ذات رأس لكن دون أقدام وأيادي، بما يعنى أنها لم تستطع، في مرحلتها الأولى، أن تتحول إلى سلطة مستقرة نظرا لتركيبة الجهاز الحكومي “الفتحاوي”.

الخطة الأمريكية الإسرائيلية

وفي الوقت نفسه واجهت حماس تحديا آخر، هو بداية الاحتكاك بين عناصر من فتح وحماس على خلفية إعادة عباس تشكيل قوات مسلحة خاصة جديدة بقيادة محمد دحلان، القائد السابق للأمن الوقائي، دون موافقة حكومة حماس. ويعد ذلك جزءا من الخطة التي أعدتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وعناصر متعاونة معهما في حركة فتح، عقب نجاح حماس في الانتخابات التشريعية، لإقصاء حماس عن السلطة. هذه الخطة كشفت عدة جرائد ومجلات أوروبية وأمريكية بعض أسرارها خلال الشهور الأخيرة(1)، وقد سارت على المحاور الأربعة التالية:

· المحور الأول هو تقوية نفوذ عباس باعتباره الشخص الوحيد صاحب الشرعية في كل ما يخص القضية الفلسطينية، بحيث لا يتم الاعتراف بحكومة حماس أو التعامل معها على المستوى الدولي أو الإقليمي، بالرغم من كونها منتخبة ديمقراطيا من الشعب الفلسطيني ويحق لها التحدث باسمه. في هذا السياق يأتي تهرب وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط من لقاء وزير الخارجية في حكومة حماس محمود الزهار في أبريل 2006. كذلك الاعتراف السريع من قبل الحكومة المصرية بحكومة الطوارئ الفلسطينية برئاسة سلام فياض فور تشكيلها، ونقل مصر سفارتها من غزة إلى رام الله (يونيو 2007).

· المحور الثاني هو تشديد الحصار على الشعب الفلسطيني ومنع المساعدات كنوع من العقاب الجماعي على انتخاب حماس في المجلس التشريعي. وقد أدى الحصار إلى خسائر اقتصادية ضخمة تتراوح بين 500 ألف و600 ألف دولار يوميا كنتيجة لغلق المعابر. ومع أبريل 2006 أصبح أكثر من 79% من أهل غزة يعيشون تحت خط الفقر. وبعد سيطرة حماس على غزة (يونيو 2007) زاد الحصار خناقا. حيث تم قطع الكهرباء عن القطاع، وارتفع عدد الوفيات بشكل كبير نظرا لنقص الأدوية والرعاية الصحية. وهنا تحرك الشارع الفلسطيني، ليس ضد حماس، ولكن ليحطم الحدود مع مصر (23/1/2008)، التي تشارك حكومتها بشكل فعلي في حصار وتجويع الشعب الفلسطيني. وبعد أيام قليلة أعادت الحكومة المصرية بناء الحدود، ولكن للأسف بالتعاون مع سلطة حماس!

· أما المحور الثالث والأخطر من الخطة، فهو استخدام مليشيات مسلحة “فلسطينية” للتخلص من حماس. وقد قامت دول عربية بالمساعدة في تدريب وتسليح هذه المليشيات. جزء من هذه الخطة كان تعيين محمد دحلان قائدا عاما للأجهزة الأمنية وتكليفه بتشكيل قوة مكونة من 20 ألف مسلح. وبالفعل تم إدخال كمية كبيرة من الأسلحة من إحدى دول الجوار! وفي هذا السياق ذكرت جريدة “هآرتس” الإسرائيلية أن عناصر من فتح توجهت إلى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لتطلب السماح بإدخال كميات كبيرة من العتاد العسكري من إحدى دول الجوار لمساعدة فتح في معركتها ضد حماس. وقالت نفس الجريدة على لسان خبير التخطيط السياسي في الجامعات الإسرائيلية هيجا مجارتن: “إن محمد دحلان مكلّف من قبل وكالة المخابرات الأمريكية وأجهزة أمريكية أخرى بتنفيذ مهمة محددة، هي تصفية أي مجموعات مقاوِمة لإسرائيل داخل حماس أو خارجها”. وفي الوقت نفسه وافق الكونجرس الأمريكي على اعتماد 59 مليون يورو لدعم الحرس الرئاسي لمحمود عباس.

· وأخيرا هناك المحور الرابع المتعلق بمساهمة إسرائيل في الخطة، أولا باعتقال 31 نائبا من المجلس التشريعي وعدد من الوزراء من حماس، بهدف ترجيح كفة فتح داخل المجلس، مما مكّن المتحدث باسم كتلة فتح في المجلس من التلويح بإمكانية إسقاط حكومة حماس (20/9/2006)؛ وثانيا بتكثيف العمليات العسكرية ضد الشعب الفلسطيني، وخاصة أبناء قطاع غزة، بشكل وحشي بغرض زرع اليأس واقتلاع فكرة المقاومة. وقد زاد عدد الشهداء الفلسطينيين بسبب الاعتداءات الإسرائيلية في عام 2006 إلى ثلاثة أضعاف عددهم عام 2005، قبل وصول حماس للسلطة. حيث بلغ العدد 650 شهيدا، منهم 120 طفلا(2). أما خلال عام 2007 وصل عدد الشهداء إلى أكثر من 370 شهيدا منهم ما يزيد عن 50 طفلا. أما الهجوم الإسرائيلي على غزة في مارس 2008 فقد أسفر، خلال خمسة أيام فقط، عن استشهاد 120، أكثر من ثلثهم من الأطفال. هذه الدموية جزء أصيل من المشروع الصهيوني، لكن المجازر الإسرائيلية هذه المرة ترافقت مع تصريحات من أبو مازن وغيره من الأنظمة العربية، خاصة مصر، بضرورة توقف صواريخ المقاومة. وكأن المقاومة هي المتسبب في ذبح الشعب الفلسطيني! ووصل الأمر إلى حد وصف عباس صواريخ المقاومة بأنها “عبثية”، ووصف وزير إعلامه رياض المالكي الصواريخ بأنها “غبية”، مع تحميل حماس مسؤولية الاعتداءات الإسرائيلية، وذلك أثناء الاجتياح الإسرائيلي الأخير. هكذا كانت الاعتداءات الإسرائيلية جزء من الخطة بموافقة أصحاب الكلمة العليا في فتح وبعض الأنظمة العربية الرجعية.

حماس والأنظمة العربية

حاولت حماس تخفيف الضغوط التي تُمارس عليها. فعلى المستوى الاقتصادي قام رئيس الوزراء إسماعيل هنية، وعدد من الوزراء، ببعض الجولات في دول عربية وإسلامية، من ضمنها مصر، والسعودية، وقطر، وسوريا، وإيران، استطاعوا خلالها الحصول على دعم مالي. فمثلا تعهدت حكومة قطر بدفع مرتبات الموظفين لمدة ستة أشهر. وفي المقابل لجأت الإدارة الأمريكية إلى تهديد البنوك العربية في مصر والأردن لوقف تحويل الأموال إلى حكومة حماس. وبالفعل أوقفت تلك البنوك التعامل مع حكومة حماس، كما مورست ضغوط على البنوك الفلسطينية ذاتها لعدم التعامل مع حكومة حماس!

كان رد فعل حماس في مواجهة الحصار هو مهادنة بعض الأنظمة العربية الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية وذات العلاقات الوطيدة مع إسرائيل، مثل مصر، والأردن، و قطر، والسعودية، بالرغم من أن هذه الدول لعبت أدوارا مخزية ضد مصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، وضد حماس ذاتها. فحماس مثلا لم تنتقد الرئيس المصري، ولو لمرة، رغم أن الأخير شارك في خطط إضعاف حماس لصالح أبو مازن(3)، وربما كانت مصر الدولة التي شاركت في تدريب مليشيات دحلان. ولكن نجد، في المقابل، بعض قيادات حماس تطلق تصريحات تشكر فيها تلك الأنظمة الرجعية على خدمتها للقضية الفلسطينية!

هنا يطرح التساؤل حول إمكانية انتصار حركة تحرر وطني محاصرة بدون وجود ظهير يدعمها على المستوى العسكري والاقتصادي نفسه. تؤكد تجربة حرب فيتنام ضد الولايات المتحدة، وتجربة حزب الله في لبنان، وغيرهما من تجارب التحرر الوطني، ضرورة وجود هذا الظهير المساند لحركات التحرر، مما يجعل كسر الحصار على الشعب الفلسطيني أمرا لا غنى عنه حتى تستمر المقاومة. لكن الدول العربية المجاورة لفلسطين ذاتها تشارك في فرض الحصار، نظرا لتبعية أنظمتها للولايات المتحدة تبعية تامة. فما العمل؟

كسر الحصار الذي تحكمه الأنظمة المتواطئة في دول الطوق، وغيرها من البلدان العربية، لا يمكن أن يحدث من خلال سياسة المهادنة التي تتبناها حماس. فأولا، يحتاج أي كسر جزئي للحصار إلى الضغط الشعبي على الأنظمة العربية التي تخدم مصالح أمريكا وإسرائيل في المنطقة على حساب الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، وهذا يحتاج إلى فضح الأنظمة ومحاولة التعبئة ضدها. وبما أن حركات المقاومة الفلسطينية، نظرا للتضحيات الضخمة التي قدمتها، تحوز على ثقة جزء كبير من الشعوب العربية، فأنها تستطيع أن تسهم في عملية الفضح تلك، وسيكون ذلك ذو أثر فعال للغاية. فمقاومة الشعوب العربية للأنظمة التي تشارك في الحصار وتدعم الكيان الصهيوني بالغاز لإدارة آلة الحرب وبالأسمنت من أجل بناء الجدار العازل، هي القادرة على كسر الحصار ودعم المقاومة. أما تصريحات بعض قيادات المقاومة الفلسطينية بشكر الأنظمة بزعم أنها تخدم القضية الفلسطينية، فأنه يعد خداعا للشعوب العربية ومساندة لتلك الأنظمة تكسبها شرعية تساعدها في مواصلة خنق المقاومة!

ثانيا، وعلى مدى أطول، فإن كسر الحصار بشكل كامل أو شبه كامل أمر يقتضي تغيير الأنظمة العربية لا الأمل الزائف في احتمال اتباعها سياسة وطنية ومعادية للإمبريالية. وهذا معناه تضامن المقاومة مع قوى المعارضة الشعبية داخل تلك الأنظمة والسعي للربط بين تنظيمات المقاومة وحركات النضال الشعبي ضد الاستغلال والاستبداد.

مقاومة الاحتلال الإسرائيلي

اعتمدت معظم فصائل المقاومة الفلسطينية خلال سنوات انتفاضة الأقصى، بشكل أساسي، تكتيك العمليات الاستشهادية الذي أوقع خسائر ضخمة في صفوف الإسرائيليين. حيث وصل عدد قتلى العدو الصهيوني إلى حوالي ألف قتيل. كما تسببت الانتفاضة في خسائر اقتصادية ضخمة لإسرائيل، وزادت الهجرة العكسية. لكن فصائل مقاومة اعتمدت، في مرحلة لاحقة، تكتيك إطلاق صواريخ على المستوطنات الإسرائيلية، وإن لم تختف العمليات الاستشهادية، إنما تراجع معدلها بشكل ملحوظ، وأصبحت الصواريخ الفلسطينية مصدر إزعاج كبير للحكومة الإسرائيلية، التي ظهرت بمظهر العاجزة عن حماية الإسرائيليين، وتأكد هذا التصور بعد فشل الحرب الإسرائيلية على لبنان (يوليو 2006).

وفي مواجهة عجزها وتداعياته، حاولت إسرائيل الظهور بمظهر القوي أكثر من مرة، لكنها فشلت بفضل المقاومة اللبنانية والفلسطينية. حيث استطاع عدد من فصائل المقاومة، ومن ضمنها حماس، تنفيذ عملية نوعية كبيرة في 25 يونيو 2006، حيث هاجمت مجموعات من المقاومين موقع حراسة إسرائيلي عند معبر كرم أبو سالم، بعد تسللهم إليه عبر نفق تم حفره. وفي الهجوم تم تدمير عدد من العربات العسكرية باستخدام أسلحة مضادة للدبابات. وأسفر الهجوم عن مقتل ثلاثة جنود وأسر الجندي الإسرائيلي (جلعاد شليط) المحتجز لدى المقاومة حتى الآن. ولم تستطع إسرائيل إطلاق سراحه، مما قد يجعلها تبادله بعدد كبير من المعتقلين والأسرى الفلسطينيين. ويعد هذا إنجازا للمقاومة، حيث تم تأكيد أنه بالمقاومة فحسب يتم إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، وتحرر الأرض، ويعود اللاجئ الفلسطيني إلى أرضه.

لكن تحت تأثير الضغوط الواقعة على حماس، وافقت على اتفاقات الهدنة التي تم التوصل إليها مع الحكومة الإسرائيلية في ديسمبر 2006. كما أعلن خالد مشعل عضو المكتب السياسي لحركة حماس أثناء زيارته لمصر قبوله بدولة فلسطينية في حدود 4 يونيو 1967 دون الاعتراف بإسرائيل. بالفعل، ولفترة طويلة نسبيا، تقلصت مشاركة حماس في عمليات المقاومة، وإن لم تختف.

كان المطلوب من حماس هو التحول بشكل كامل عن خط المقاومة كي تصبح “فتح” ثانية. لكنها، برغم تناقضاتها، لم تستطع أو تقبل أن تفعل هذا. ولذا، فبالفعل سقطت الهدنة ولم تتوقف حماس عن المشاركة في عمليات ضد الاحتلال الصهيوني. على أن الخطر يكمن في أن حماس، كفتح عندما كانت حركة مقاومة جذرية، تمزقها التناقضات الفكرية والطبقية التي تجعلها تميل أحيانا إلى المهادنة مع العدو الصهيوني، ودائما إلى التوائم مع الأنظمة العربية، وهو ما يهدد بتحطيم مشروعها المقاوِم وتفريغه من مضمونه.

أخطاء حماس في السلطة

ركّز بعض العلمانيين ذوي النزعة المعادية للإسلاميين في مصر وفلسطين، على جانب معين من جوانب أداءات حماس في السلطة. فقد انشغلوا كثيرا بمخاطر تدشين حماس لإمارة إسلامية في غزة، وتحدثوا طويلا مثلا عن حادثة مصادرة وزارة التعليم في حكومة حماس لنسخ كتاب “قول يا طير” من مكتبات المدارس (مارس 2007)، وهو كتاب يحوى قصصا من التراث الشعبي الفلسطيني، لاحتوائه على ألفاظ جنسية حسب زعم وزير التعليم. كذلك ركزوا على تصريحات وزير الثقافة الفلسطيني عطا الله أبو السبح حول ضرورة ممارسة الرقابة على الكتب والأفلام، معلنين تخوفهم من رغبة حكومة حماس في تحديد المعايير والقيم التي يجب أن تسود في المجتمع الفلسطيني وفقا لمعايير “الأوصياء” الحمساويين، وكأن الشعب الفلسطيني لم ينضج بعد ليحدد لنفسه النافع والضار. وأكدت مخاوفهم تلك الأدوار التي لعبها نفس الوزير لحمل موظفات وزارة الثقافة على ارتداء الحجاب (ادعى الوزير أنه نصح الموظفات فحسب، فاستجبن جميعهن باستثناء موظفة نصرانية(4)، ولكنه تناسى أنه بحكم موقعه، كأعلى مسؤول في وزارته، يصبح من الصعب عدم قبول نصيحته!)

لا يمكن بالطبع الدفاع عن هذه السلسلة من الأخطاء من جانب حماس. فلا الرقابة على الإبداع ولا فرض الحجاب بالقوة أو بإرهاب السلطة هما من الممارسات التحررية أو الداعمة للمقاومة، بل هما تعبيرات عن جانب محافظ ورجعي في حركة حماس وأيديولوجيتها ينبغي نقده وتقويمه. لكن المشكلة هي أولا في اختزال ممارسة حماس، ودورها في الصراع الدائر، في كونها جماعة رجعية معادية للحرية الشخصية، وطمس الجانب الأكثر أساسية فيها المتمثل في مقاومتها لإسرائيل.

الجانب الثاني في المشكلة هو أن إبراز هذه الأخطاء بوصفها الجرائم الأكبر والأهم لحماس، يخفي أخطاء أخرى أكثر أهمية لتلك الأخيرة متعلقة باستراتيجيتها السياسية وإدارتها لعملية المقاومة. فتبرع حماس بإعلان هدنة مجانية طويلة المدى مع إسرائيل، قد تصل لعشر سنوات أو أكثر، ومهادنتها للأنظمة العربية الحليفة للولايات المتحدة والمتعاونة مع إسرائيل، وعدم قيامها بدور في فضح تلك الأنظمة أمام الشعوب، بل والتورط أحيانا في نفاق حكام تلك الدول وتصويرهم بأنهم يلعبون دورا مهما لخدمة القضية الفلسطينية، كل هذه أمور تؤدي – كما سبق وأن ذكرنا – إلى إضعاف القوى السياسية العربية التي ناضلت من أجل نصرة الشعب الفلسطيني، ودأبت على فضح الدور المخزي الذي تلعبه حكومات مصر والأردن والسعودية وغيرها ضد مصالح الشعب الفلسطيني.

والحقيقة أن تحول حماس من حركة مقاومة إلى سلطة ساهم في تدني شعبيتها فلسطينيا وعربيا ووضع العراقيل أمام دورها المقاوم بدلا من أن يدعمه. ذلك أولا أنها اضطرت بوصفها سلطة أن تلعب أدوار المنح والمنع واتخاذ القرار بشأن السياسة العامة، أي أدوار إدارة مجتمع محاصر من الإمبريالية والصهيونية وأعوانهما، مجتمع رأسمالي يتسم بالفساد الشديد والتناحر، دون أن تجرؤ على أخذ الإجراءات الجذرية المطلوبة لضرب أصحاب المصالح من الرأسماليين والعملاء أو لتفكيك شكل السلطة البيروقراطية. ثانيا، فإن وصول حماس للسلطة قبل إنضاج شروط انتصار المقاومة، أخذا في الاعتبار تناقضاتها الداخلية، وضعها في موضع الصيد السهل للابتزاز والضغط بغرض المهادنة وإضعاف الطابع المقاوِم لمواقفها. فانتهى الحال بها، نقصد حماس، وقد أصبحت نصف سلطة ونصف مقاومة تعاني التشتت والإضعاف.

وربما كان الأفضل لحماس، بعد أن تورطت بالفعل في مسألة المشاركة في السلطة، أن تصر على التعاون مع بقية فصائل المقاومة الفلسطينية في فرض حكومة وحدة وطنية، ليست قاصرة على حماس وفتح فحسب، يكون هدفها هو دعم المقاومة. حكومة لها هذا الهدف كانت طبعا ستتعرض هي الأخرى للحصار والتجويع والاعتداءات الإسرائيلية والضغوط العربية. لكن الذي كان سيختلف في هذه الحالة هو أن حكومة وحدة وطنية بهذا الشكل سيكون خلفها إجماع شعبي أكبر، ومن ثم ستصبح فرص ضربها أصعب.

لكن طبعا لابد من الاعتراف بأن حكومة على هذه الشاكلة هي أمر صعب، وذلك نظرا للمشاكل العديدة التي تكتنف أفكار ومواقف الفصائل الفلسطينية. فعلى سبيل المثال تحصل كل من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين على دعم كبير من الصندوق القومي الفلسطيني، التابع لمنظمة التحرير والواقع تحت سيطرة أبو مازن، وهذا عامل أكيد أن له تأثير على قرار الفصيلين بشأن التعاون مع حماس في تشكيل حكومة وحدة وطنية، خوفا من إغضاب ذيول الأمريكان والصهاينة في فتح ومنظمة التحرير.

وتبقى القضية المركزية هي ضرورة الفصل بين المقاومة والسلطة. فتحول المناضلين إلى موظفين، أو قيامهم بممارسة السلطة بما يتضمنه ذلك من قهر للمواطن الفلسطيني، يعزل المناضلين ويفقدهم تعاطف الجماهير. كذلك فإن دمقرطة السلطة في غزة (أي خلق إدارة قاعدية ديمقراطية للقطاع) واعتمادها على القاعدة الشعبية هي ضمانة أخرى لاستمرارية المقاومة واتساعها. ونعني بالإدارة الديموقراطية أن تتشكل من أبناء الشعب الفلسطيني في كل حي أو مخيم أو مؤسسة مجموعة منتخبة للإدارة. وأن يتشكل من مجموع تلك المجموعات المنتخبة مستوى أعلى لإدارة القطاع، بما يعنى أن يتحول كل فلسطيني إلى مشارك في اتخاذ القرار. من المؤكد أن هذا سيرفع مستوى التضامن الفلسطيني، الموجود بالفعل بين أغلبية الشعب الفلسطيني، في مواجهة الأزمات والضغوط، وهو ما سيؤدي بدوره إلى تحويل هدف تصفية المقاومة إلى ضرب من المستحيل، ففي هذه الحالة سيحتاج من يرغب في تصفية المقاومة أن يقتل مليون ونصف من أبناء الشعب الفلسطيني!

وأخيرا فإن معركة فلسطين، كما يمكن أن يفهم كثيرون اليوم، لن تحسم في فلسطين وحدها، ولا على يد المقاومة الفلسطينية وحدها، بل إن كسر الجماهير العربية، في مصر والأردن وغيرها، للحصار هو الأمل في استمرار المقاومة. فالثورة في البلدان العربية هي القادرة على قطع شريان الحياة للصهيونية وعلى توفير شروط انتصار المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق.

         

التعليقات