بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حول عمال فرنسا ومعركة إسقاط قانون التقاعد الجديد

فرنسا: مظاهرات ضخمة ضد قانون التقاعد الجديد

إن الإضرابات والاحتجاجات الضخمة في فرنسا ليست فقط حول مد سن التقاعد بل تعبر أيضاً عن غضب متصاعد ضد سياسات ساركوزي المعادية للجماهير والعنصرية والقمعية وأيضاً للشعور بالظلم المتراكم والمتزايد مع بدء مع الأزمة الاقتصادية.

وقد وصل عدد المتظاهرين يومي 12 و19 أكتوبر إلى أكثر من 3.5 مليون متظاهر، ومع كل يوم إحتجاج تزداد راديكالية ونضالية قطاعات واسعة من المتظاهرين والمضربين. فعمال القطاع الخاص يشاركون عمال القطاع العام في هذه الاحتجاجات الضخمة كما يشارك طلاب المدارس والجامعات فقد فهموا جيداً أن هذا القانون لا يستهدف فقط كبار السن بل يستهدفهم هم أيضاً فهو يؤدي إلى تقلص الوظائف التي يمكنهم الالتحاق بها بعد التخرج وقد تم إغلاق أكثر من 350 مدرسة ثانوية بفعل إضرابات الطلاب.

وقد بينت إستطلاعات الرأي أن أكثر من 70٪ من الفرنسيين يؤيدون الإضرابات رغم النقص في البنزين والأعطال الأخرى فغالبية الفرنسيون من العمال والفقراء قد سئموا من حكومة ساركوزي اليمينية وأكاذيبها.

في منتصف أكتوبر بدء عمال معامل تكرير البترول إضراباً مفتوحاً أدى إلى نقص فادح في إمدادات البنزين ما أدى بدوره إلى نفوذ البنزين من ثلث محطات البنزين في مختلف أنحاء فرنسا وحالة شلل في المواصلات وقد واجه ساركوزي ذلك بدفع قوات الشرطة لفض الإضرابات بالقوة وكسر الحصار الذي فرضه العمال على مخازن البترول.

ورغم تمرير القانون في البرلمان الفرنسي فالمعركة لم تنتهي وهناك عدد من أيام الإضراب والاحتجاج أعلنت عنها النقابات العمالية بدءاً من السادس من نوفمبر.

ومن الملفت للنظر أن حكومة ساركوزي تعرف جيداً أن مشروع قانون مد سن التقاعد ليس له أي شرعية وقائم على خداع لا يمكن إخفائه. فساركوزي لم يطرح هذا المشروع في حملته الإنتخابية، بل أعلن قبل أربعة أشهر من إنتخابه أن “سن الستين للتقاعد يجب الحفاظ عليه” وأعلن أيضاً بعد انتخابه أن هذا الأمر غير مطروح “لن أفعل ذلك ولم أعد الشعب الفرنسي بذلك وليس لي تفويض لفعل ذلك وهذا هام بالنسبة لي” وقد ساهمت تلك التصريحات في تأجيج الغضب عندما تغاضى ساركوزي عن تلك التصريحات وطرح المشروع وكأنه لم يقل شيئاً في محاولة خداع واضح لجماهير فرنسا.

إن خلفية هذا القانون وهو مقدمة لهجمة منظمة على حقوق ومكتسبات العمال، هي قرار الطبقات الحاكمة في أوروبا تحميل ثمن الأزمة المالية على العمال والفقراء. كافة حكومات أوروبا تتبنى اليوم سياسات تقشفية غير مسبوقة تتضمن تجميد وتقليص الأجور والخدمات والمعاشات وطرد مئات الآلاف من العمال خاصة في القطاع العام والحكومي. ولا فرق في تلك السياسات بين الحكومات اليمينة المتطرفة كحكومات برلوسكوني في إيطاليا وسركوزي في فرنسا وحكومة المحافظين في بريطانية وبين الحكومات الإشتراكية (زاباتيرو في أسبانيا وبباندريو في اليونان)الكل يشارك في الهجوم على العمال لمصلحة البنوك والشركات الكبرى والتي تسببت أصلاً في الأزمة.

يتبنى ساركوزي خطاباً أيديولوجياً يقوم على عدد من الأكاذيب المفضوحة ولكنها للأسف مؤثرة بسبب الآلة الإعلامية البرجوازية التي تروج ليل نهار لتلك الأكاذيب. فساركوزي يطرح أولاً أن التضحيات التي يطلبها من العمال هي ضرورية لإنقاذ صناديق المعاشات وميزانيات الخدمات من الإفلاس أي أنه في واقع الأمر يريد إنقاذ تلك المعاشات والخدمات من الغرق في دوامة الديون . ولكن الديون المتراكمة هي نتيجة مباشرة لتدخل الحكومة لإنقاذ البنوك والقطاع المالي من الانهيار بدفع المليارات من الدولارات لذلك القطاع. والحل المنطقي بعد أن تم إنقاذ البنوك هو تبني ضرائب تصاعدية تستهدف البنوك والشركات المضاربة وشركات الأوراق المالية. ولكن مثل هذا الإجراء بالطبع لا يمكن لساركوزي طرحه فهو يمثل مصالح تلك المؤسسات والتي تريد أن يدفع العمال ثمن أزماتها.

والأكذوبة الثانية هي أن النموذج الفرنسي في الإقتصاد والقائم على دولة الرفاه لم يعد قادراً على الحفاظ على القدرات التنافسية للاقتصاد الفرنسي ويجب التخلي عنه وتبني النموذج الأمريكي. ولكنه يقول ذلك في وقت يعاني منه ذلك الاقتصاد الأمريكي من أعنف أزماته ويتخبط مسئوليه بين السياسات التدخلية للدولة وبين سياسات السوق الحرة وتتراوح التوقعات لذلك الاقتصاد بين الانهيار التام والركود طويل الأمد كما حدث في اليابان منذ بداية التسعينات. فعن أي نموذج يتحدث؟

والأكذوبة الثالثة تتعلق بتغيير ديمغرافي في فرنسا حيث يزيد عدد المسنين أصحاب المعاشات ويزيد متوسط أعمارهم المتوقعة في حين يتضائل عدد الشباب العاملين الدافعين للضرائب والتأمينات مما يهدد طبقاً لساركوزي وإعلامه بإفلاس منظومة المعاشات وبالتالي فالحل الوحيد هو مد فترة العمل لكبار السن لإنقاذ صناديق المعاشات

ولكن كل ذلك قائم على مغالطات مفضوحة. فسن المعاش عند الستين قد تم إقراره عام 1983 ومنذ ذلك الحين فقد زاد إجمالي الناتج المحلي للفرد في فرنسا بنسبة 45٪ وهي نسبة تتجاوز بمراحل الزيادة في متوسط الأعمار المتوقعة. أما عدد العاملين بالنسبة للمتقاعدين فقد انخفضت من ٤.٤ عام 1983 إلى ٣.٥ عام 2010 ولكن الزيادة في الدخل القومي في نفس تلك الفترة تتجاوز عشرات المرات تأثيرات تلك التغيرات الديمغرافية. لذا فكل ذلك الحديث عن تغييرات ديمغرافية تستلزم مد سن المعاش هو مجرد قناع أيديولوجي يراد منه تخويف العاملين الفرنسيين وإقناعهم بضرورة تقديم التنازلات.

ولكن مع كل ذلك الزخم الذي شهدته وتشاهده فرنسا حول هذا القانون فهناك عدد من المشاكل في الحركة الإحتجاجية تزيد من إصرار ساركوزي على المضي قدما بهذا القانون، فالحركة ما زال يسيطر عليها قيادات النقابات الكبرى. تلك القيادات تريد إسقاط القانون ولكنها تخاف من أن تتجاوز التعبئة العمالية والجماهيرية حدود قدرتهم على السيطرة والتحكم في الحركة. ولذا يصرون على إستراتيجية أيام محددة ومنفصلة للاحتجاج والإضراب. ويعارضون الإضرابات المفتوحة أو الدعوة لإضراب عام يشل الحكومة ويجبرها على التراجع. ولكن مع كل يوم إحتجاج جديد يزيد ضغط القواعد العمالية من أجل إضرابات مفتوحة كما رأينا في إضرابات عمال البترول.

إن النقابات الكبرى قد لعبت دوراً محورياً في تعبئة وتنظيم الإضرابات وأيام الاحتجاج ولكنها لا تريد أن يصل الأمر إلى مواجهة مفتوحة مع ساركوزي ربما لا يتمكنون من السيطرة عليها. وهذه هي نقطة الضعف الرئيسية في الحركة اليوم وهو ما يفسر قدرة ساركوزي علي تمرير القانون رغم أكبر موجة من الاحتجاج العمال منذ 1968.

إن وسع وعمق الحركة الحالية يعني أن هناك إمكانية حقيقية لهزيمة الحكومة في هذه المعركة رغم إصدار البرلمان للقانون ففي 2007 تم إسقاط قوانين شبيهة كانت الحكومة قد تبنتها على رغم من موافقة البرلمان علياه فالمسألة ليست القانون بل توازن القوى بين الحركة العمالية والشباب واليسار من جهة وبين الحكومة ورأس المال واليمين من الجهة الأخرى. ولكن الانتصار يحتاج إلى درجة عالية من الوحدة بين قوى اليسار وأكبر قدر من التعبئة للقواعد العمالية ولأشكال تنظيمها ولتجاوزها للحدود التي تفرضها قيادات النقابات على الحركة

التعليقات