بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

جذور العنف في نيروبي

2013_09_28_kyny__0

يتم تصوير الاعتداء الدموي على السوق التجاري في العاصمة الكينية نيروبي بأنه أحد أفعال عنف المتعصبين الحمقى، ولكن جذور هذا الفعل الوحشي تعود إلى الصومال المجاورة؛ حيث قامت الحكومة الكينية بالتدخل العسكري بأمرٍ من الولايات المتحدة، كجزءٍ من “الحرب على الإرهاب” في أفريقيا؛ التي ربما تتزايد حدتها بعد الهجوم على السوق التجاري.

قامت القوات الكينية بمساعدة الجنود الإسرائيليين باستعادة السيطرة على سوق “وستجيت” التجاري يوم الثلاثاء 24 سبتمبر، بعد أربعة أيام من تعرضه للهجوم من قبل عشرة إلى خمسة عشر إسلاميًا مسلحًا بأسلحة ثقيلة. أعلنت حركة الشباب الصومالية مسئوليتها عن الهجوم الذي تسبب في مقتل ما يزيد عن ستين زبونًا وإصابة أكثر من مائة وسبعين.

تناول الإعلاميون فكرة أن الهجوم على السوق التجاري هو بداية تحول حركة “الشباب” إلى الإرهاب الدولي، وخاصةً بعد اكتشاف مشاركة أعضاء أمريكيين وبريطانيين بالحركة، وتوقعت الاستخبارات الأمريكية أنه قد تم اختيار منفذي الهجوم بشكل محدد لأن قدرتهم على التحدث بالإنجليزية سوف تساعدهم على العمل في كينيا؛ وهي مستعمرة بريطانية سابقة يتم استخدام الإنجليزية بها على نطاق واسع.

زعمت حركة الشباب أن هدفها كان محليًا؛ وهو معاقبة كينيا على غزوها لجنوب الصومال في عام 2011 واستمرار الاحتلال. تُظهر طبيعة هدف حركة الشباب؛ وهو سوق تجاري يتردد عليه السياح الأجانب، حدود أغراض الحركة؛ فقطاع السياحة يمثل أكبر مصدر للنقد الأجنبي بالنسبة لكينيا.

إن العديد ممن يؤكدون على السمة الدولية للهجوم يحاولون تبرير تعاونًا أمريكيًا كينيًا وشيكًا لمواجهة الإرهاب، وقالت وزيرة الخارجية الكينية، أمينة محمد، لبرنامج “نيوز آور” أن الهجوم بنيروبي لفت الانتباه إلى الحاجة إلى العمل بشكل أقرب مع الولايات المتحدة وحلفائها.

في الحقيقة إن الولايات المتحدة ووكالاتها التجسسية تعمل بالفعل عن قرب مع كل دول المنطقة؛ مثل أوغندا وكينيا ورواندا، وهي الدول التي أرسلت قواتها لاحتلال الصومال بعد الغزو الإثيوبي المدعوم من الولايات المتحدة عام 2006،  وكما أشارت جريدة “نيويورك تايمز” أثناء حصار السوق التجاري فإن كينيا حليف أمريكي مهم تعمل قوات أمنه عن قرب مع أقرانه الغربيين لاحتواء المسلحين الإسلاميين في المنطقة.

إلا أن الولايات المتحدة قد قامت بتقليل الصلات المقربة مع كينيا في الأشهر الأخيرة لأن أيدي الرئيس الحالي، أوهورو كينياتا (وهو ابن “جومو كينياتا” مؤسس كينيا البارز وأحد أغنى الرجال في أفريقيا)، ملطخة بدماء الكينيين أكثر من حركة الشباب، وهو الآن متهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتمويل وتوجيه فرق الموت خلال أحداث العنف التي راح ضحيتها أكثر من ألف ومائتي شخصًا وتسببت في طرد مئات الآلاف من الأشخاص بعد انتخابات عام 2007 المتنازع عليها.

تجاوز باراك أوباما في زيارته لأفريقيا في يونيو من العام الجاري زيارةً إلى كينيا؛ مسقط رأس والده، لتجنب أي اجتماع عام بكينياتا، ولكن اتصل أوباما بكينياتا بعد الهجوم في نيروبي وأكد مجددًا على الشراكة التاريخية القوية بين الولايات المتحدة وكينيا.

———————

كانت الوكالات الاستخباراتية الأمريكية مشغولة بتنسيق المعارك الإقليمية في الصومال لسنواتٍ، ولكن رؤساء الولايات المتحدة كانوا حذرين تجاه لعب أي دورٍ واضح داخل البلاد منذ عام 1993 حين هزم قادة الحروب الصوماليون القوات الأمريكية في معركة مقديشيو التي تم تجسيدها لاحقًا في فيلم “سقوط الصقر الأسود”.

وسواءً كانت أفعال الولايات المتحدة سريّة أم معلنة فإن الرؤساء الأمريكيين منذ جيمي كارتر قد ساهموا في خلق الظروف التي نتجت عنها حركة الشباب؛ بما في ذلك البؤس واليأس اللذان دفعا شباب الصوماليين إلى الانضمام للحركة.

في أواخر السبعينيات بدأ جيمي كارتر في إعداد الرئيس الصومالي سياد بري ليواجه النظام الإثيوبي المجاور الذي كان حليفًا للاتحاد السوفييتي، كان بري ديكتاتورًا تفضل حكومته بعض الجماعات الصومالية أكثر من الأخرى، وفي نهاية الحرب البادرة سقط كل من النظام الروسي والإثيوبي ثم لم يعد لـ”بري” فائدة في نظر الرئيس – في ذلك الحين – جورج بوش.

أدى سحب الدعم الأمريكي عام 1991 إلى الإطاحة بـ”بري” من قبل العشائر المنافسة، وانهارت الدولة المركزية، وقام أمراء الحروب القبليين بتقسيم البلاد إلى إقطاعيات خاصة. كان التدخل العسكري الأمريكي الذي بدأه بوش عام 1992، وواصله بيل كلينتون، يهدف إلى دفع الصومال نحو الاستقرار من خلال تصعيد “محمد فرح ايديد”؛ أحد قادة الحروب، على حساب الآخرين.

إلا أن “ايديد” قد أعلى من منزلته بين الصوماليين عن طريق الانقلاب على الاحتلال الأمريكي المرفوض، مما أعد المشهد لمعركة مقديشيو التي قُتل فيها ثمانية عشرًا من القوات الخاصة الأمريكية.

طبقًا لخبير الشئون الصومالية “ستيج هانسن”؛ الذي قام بتأليف كتاب “الشباب في الصومال”، فإن بعض المقاتلين الصوماليين كانوا مشاركين في الحرب الأمريكية على احتلال الاتحاد السوفييتي لأفغانستان في الثمانينيات، حيث قامت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية بتمويل وتنسيق أول خطوة رئيسية نحو “الجهاد الدولي” عن طريق جذب المسلحين المسلمين من حول العالم؛ الذين اكتسبوا خبرةً في القتال ثم أعادوا تلك النظرة الدولية إلى بلادهم عند عودتهم، وقام بعض هؤلاء المحاربين الصوماليين في حرب أفغانستان بتأسيس حركة “الشباب” فيما بعد.

عزز القادة العسكريون سلطتهم في معاقلهم المحلية في النصف الثاني من التسعينيات من خلال الجمع بين المشاريع التجارية والقوة المسلحة، وكانت الطريقة الوحيدة للدفاع عن الحياة أو الملكية في ظل غياب الدولة المركزية هي قيادة ميليشيا خاصة، لذا قامت العشائر والمؤسسات التجارية بتأسيس ميليشيات أخرى إلى جانب ميليشيات القادة العسكريين.

ازدادت الكراهية الشعبية للقادة العسكريين طبقًا لهانسن بسبب سجلهم من الابتزاز والقتل والاغتصاب، بينما رأى أصحاب الأعمال التجارية أن تفتت الصومال عقبة في طريق التجارة.

———————

نتج عن هذه التطورات ظهور حركة جديدة في التسعينات للمحاكم الإسلامية، والتي قامت بتحقيق العدالة المستقلة -والقاسية أحيانًا – وأصبحت لها شعبية بين الناس وطبقة التجاريين بمقديشيو أكبر مدن الصومال. كانت عشائر المنطقة هي مقار المحاكم ثم بدأت المحاكم في الاتحاد في بداية الألفينات تحت اسم “اتحاد المحاكم الإسلامية”.

بعد سنواتٍ من التفتت والحكم الاستبدادي بدا أن اتحاد المحاكم الإسلامية يمثل بداية لدولة مستقبلية مبنية على جذور أصلية محلية على عكس حكومة “سياد بري” أو الحكومة التي حاولت الولايات المتحدة صناعتها في بداية التسعينيات. أدار الراديكاليون الإسلاميون بعض المحاكم، وفقًا لهانسن، ولكن معظم المحاكم كانت تطبق الشريعة الإسلامية التي تتفق مع التقاليد العشائرية المحلية.

في بداية الألفينات لم تكن حركة الشباب قد تشكلت بعد ولم يكن لأعضائها المستقبليين وجودًا منظمًا في حركة المحاكم.

خلال هذه الأعوام بدأت وكالة الاستخبارات المركزية بالاشتراك مع القادة العسكريين سلسلةً من حروب الظل ضد المحاكم الإسلامية، فكانت المحاكم تمثّل منافسًا لسلطة القادة العسكريين، وزرع استقلالهم المخاوف في إدارة جورج بوش من صنع “صومال جديدة” لا تدين بأي شيء للولايات المتحدة وتمتلىء بالعناصر الإسلامية.

يقول هانسن أن حركة الشباب تأسست رسميًا في 2005 كردة فعل دفاعية لمحاولات القادة العسكريين الممولة من وكالة الاستخبارات المركزية اغتيال المحاربين القدامى في حرب أفغانستان، وفي ذات الوقت كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميين يعدّون حكومة فيدرالية انتقالية يرأسها حليف صومالي لإثيوبيا.

وبينما نمى تأثير اتحاد المحاكم الإسلامية واحتلت “الشباب” مكانها كجزءٍ من الحركة أعطت الولايات المتحدة ضوءًا أخضر لقيام غزو إثيوبي في نهاية عام 2006، وصحبت القوات الخاصة الأمريكية القوات الإثيوبية وقصفت السفن الحربية الأمريكية الصومال.

تفرقت وانحلت ميليشيات اتحاد المحاكم الإسلامية عدا “الشباب”؛ التي كان يتمتع أعضاؤها الأساسيون بخبرة قتالية كبيرة، استطاعت ميليشيات “الشباب” أن تصمد أمام القوات الإثيوبية التي انسحبت عام 2009 ولكن أهداف الغزو قد تحققت؛ وهي إفشال تكوين حكومة صومالية مستقلة.

كان هؤلاء المشاركون في المقاومة الباقية المتجمعون حول “الشباب” يمثلون أكثر أجنحة حركة المحاكم تطرفًا، وكان بعضهم يحتفظ بصلته بتنظيم القاعدة، ونتيجة لذلك أصبحت الحركة هدفًا للولايات المتحدة وحلفائها في الحرب على الإرهاب، ولكن لم تتعهد حركة الشباب بولائها للقاعدة حتى عام 2012.

أطلق الغزو الإثيوبي العنان للقادة العسكريين ليتنافسوا على السلطة مع بقايا حركة المحاكم، وكانت الحكومة الفيدرالية الانتقالية التي تم تنصيبها في مقديشيو بعد الغزو لها أصول محلية ضعيفة للغاية وكانت تحكم جزءًا صغيرًا من مقديشيو وهي محاطة بالقوات الأجنبية، وكانت أوغندا ثاني سلطة إقليمية بعد إثيوبيا ترسل قوات مدربة من قبل الولايات المتحدة، وتم إرسالها هذه المرة تحت علم الاتحاد الإفريقي.

———————

قام التحالف المحتل في نهاية الأمر بتنصيب “شريف شيخ أحمد”؛ وهو زعيم شعبي لجزء معتدل من حركة المحاكم، رئيسًا مجردًا من قاعدته في اتحاد المحاكم الإسلامية البائد ومعتمدًا تمامًا على الحماية الأجنبية، ودخلت القوات الإثيوبية الصومال مرة أخرى عام 2011 بعد غزو كينيا للجنوب.

تجادل مسئولو الغرب حول دعم التقدير الرسمي للحكومة الكينية بأن الهجوم على سوق “وستجيب” التجاري يبرز أن حركة الشباب الآن أقوى من أي وقتٍ مضى، من الواضح أن هذه المزاعم مقصودة لتبرير تقوية الروابط العسكرية والسياسية التي تربط بين البلدين، ولكن يعتقد الكثير من المحللين أن الهجوم ربما يكون فعلًا علامة على ضعف الدولة.

كانت القوات الكينية قد قامت في وقتٍ سابق من العام الجاري بطرد حركة الشباب خارج مدينة “كسمايو”؛ ثالث أكبر مدينة صومالية، واحتلت المنطقة الجنوبية التي حكمتها الحركة لأعوام، وفي ضوء هذا الأمر يجب النظر إلى الهجوم على السوق التجاري بنيروبي كهجوم مضاد من قبل قوات “الشباب” التي تلقت هزيمة كبيرة داخل الصومال.

بدأت قيادة “الشباب” في الانشقاق بعد الهزائم العسكرية، وقام “أحمد عابدي جودان” القيادي البارز بالحركة بتعزيز سلطته عن طريق إعدام أربعة من أبرز قادته، وكما كتب “سايمن تيسدال” في جريدة “الجارديان”: “هرب شيخ حسن ضاهر أويس القائد الروحي لحركة الشباب للنجاة بحياته وتم احتجازه من قبل قوات الحكومة الصومالية”.

ويستمر الاقتتال الداخلي؛ ففي وقت سابق من الشهر الجاري قُتِل “عمر حمامي” المعروف بـ”أبو منصور الأمريكي”؛ أحد قادة حركة الشباب المولود بألاباما، و”أسامة البريطاني” المواطن البريطاني في غارة على مخبأهم من قبل حلفاء “جودان”، وكان “حمامي” – وهو على قائمة واشنطن للمطلوبين – قد اتهم “جودان” بالتصرف كديكتاتور.

يقول “تيسدال” أن الهجوم على السوق التجاري يمثل انتصارًا للمؤيدين للجهاد الدولي بحركة الشباب على هؤلاء الذين يؤكدون على الأهداف الصومالية المحلية، ربما يكون محقًا في أن الهجوم يشير إلى تحولٍ ما، لأن جودان يشتهر بالمجازر الجماعية.

ولكن الهجوم على السوق التجاري بنيروبي يخدم بشكل واضح هدفًا محليًا؛ وهو ضرب الدولة التي هزمت حركة “الشباب” أكبر هزيمة لها منذ الغزو الإثيوبي، كما يعد الهجوم أداة للتجنيد لتنظيم كان يضم أربعة عشر ألف مقاتلًا في عام 2010 ولكن يقال أن أعداده قد تضاءلت مؤخرًا بسبب الهزائم العسكرية والصراعات الداخلية.

فيقول “تيسدال”: “يتماشى هجوم حركة الشباب على سوق وستجيت التجاري مع التطبيقات الأولية لمذهب الإرهاب المعاصر كما قام بها المتمردون الجزائريون الذين كانوا يهدفون إلى الإطاحة بالفرنسيين في الخمسينيات؛ حيث يتم صناعة حدث درامي للغاية ليضعهم على الخريطة مرة أخرى، وهو عمل للدعاية وللتجنيد ولإبراز فكرة أن الجهاد هو أفضل الطرق”، ويقول “ماثيو جيدير” الخبير في الإرهاب بجامعة تولوز: “هذه هي الطريقة الوحيدة لجذب المجندين”.

وبغض النظر عمّا إذا كانت حركة الشباب في ازدهار أم في انهيار، فإن الولايات المتحدة ستستخدم بالتأكيد هذا الفعل الوحشي في نيروبي كحجةٍ لتحسين صلاتها بزعماء المنطقة ولمحاولة فرض المزيد من السيطرة على اقتصاد المنطقة وسياستها.

لقد تسبب التدخل الأمريكي بالمعاناة والعنف لأربعة عقود، فلا يوجد سبب للاعتقاد بأن زيادة هذا التدخل قد يفيد شعوب المنطقة.

* المقال منشور باللغة الإنجليزية في 26 سبتمبر بموقع الاشتراكيين الأمميين بالولايات المتحدة

التعليقات