بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النقابات المستقلة الجزائرية: حدود تجربة واعدة

تعرف الساحة النقابية الجزائرية منذ 1989 تعددية نسبية، إذ تنشط فيها نقابات، تسمي نفسها بـ “المستقلة”، أو “الحرة”، إشارة إلى استقلالها عن الاتحاد العام للعمال الجزائريين، الذي تسيره قيادة شديدة الارتباط بالنظام.

أولى هذه النقابات مولدًا، “المجلس الوطني لمُدرسي التعليم العالي”، التي خرجت إلى الوجود في 1989، أي سنة قبل صدور قانون يبيح التعددية النقابية، في إطار دستور فبراير 1989. وبالرغم من وضوح هذا القانون، كان اعتماد “المجلس” من طرف السلطات معركة شاقة، لم تنتهِ سوى في يناير 1992، بعد إضراب طويل، برهن على أنه لا ممثل سواه، لمدرسي الجامعات.

شجع هذا الانتصار بعض نقابيي الاتحاد العام، على مغادرته، وإنشاء تنظيمات حرة، في الإدارة والصحة العمومية والتعليم العام والنقل الجوي، الخ، وكلها قطاعات كان أُجراؤها يتمتعون بـ “هامش مفاوضة” واسع مقارنة بـ “هامش مفاوضة” أُجراء القطاعات المنتجة، التي استهدفتها سياسات “الإصلاح الهيكلي”.

يتجاوز عدد النقابات المستقلة، اليوم، الخمسين نقابة، ويتفاوت تمثيلها، مثلما تتفاوت راديكاليتها، من تنظيم إلى آخر. وإذا أمعنّا النظر في التحركات الاجتماعية، للسنوات العشرين الماضية، يتبين لنا أن أهم هذه النقابات هي “مجلس مدرسي التعليم العالي”، و”مجلس مدرسي التعليم الثانوي والتِقَني”، و”مجلس ثانويات الجزائر”،و”نقابة أطباء الصحة العمومية”، و”نقابة مستخدَمي الإدارات العمومية”، و”نقابة الطيارين”، و”نقابة عمال الصيانة الجوية”.

تنشط، في أغلب القطاعات المذكورة، تنظيماتٌ مستقلة أخرى، تمثيلُها أقل بكثير. في التعليم، مثلاً، هناك تنظيمان آخران، هما “النقابة الجزائرية لعمال التعليم”، و”النقابة الوطنية لعمال التعليم”، إلا أن أولهما محصور الانغراس في مناطق بعينها-المنطقة القبائلية أساسا، وثانيهما منعدم الوجود، تقريبًا، بدليل ضعف مشاركته في إضراب 2003-2004، الذي دام ثلاثة شهور، وشارك فيه ستون ألف مدرس، وتمخض عنه رفع الأجور بنسبة 30 بالمائة.

لا تعترف السلطات بالعديد من النقابات الحرة، بالرغم من إثباتها انغراسها أكثر من مرة. ومن أهم النقابات غير المعتمدة: “مجلس مدرسي التعليم الثانوي والتقني”، و”مجلس ثانويات الجزائر”. وبصورة عامة، فإن الحكومة لا تفاوض الحركة النقابية المستقلة، إلا على مطالب محدودة، وترفض اعتبارها “شريكًا اجتماعيًا”، في المفاوضات ذات الصبغة الشاملة، الحد الأدنى للأجور، إلخ. شريكها الوحيد في مثل هذه المفاوضات هو قيادة الاتحاد العام، لا يضيرها أن تتفاوض معه على “كادر الموظفين”، مثلاً، بالرغم من انحسار وجوده في قطاع الوظيفة العمومية، منذ سنوات.

ويبدو عدم اعتماد النقابات الحرة جزءً من مخطط عام، للتضييق على العمل النقابي خارج أُطُر الاتحاد، ويشمل المخطط؛ الملاحقات القضائية ضد النقابيين، والطعنَ أمام المحاكم في قانونية الإضرابات، ومحاولةَ كسرها، بإصدار قرارات غير دستورية، كذلك الذي قضى في 5 أكتوبر 2004، بعدم صرف أجور أيام الإضراب. وقد ردت النقابات الحرة على هذا التضييق، بإنشاء “لجنة الدفاع عن الحريات النقابية”، ورفع شكاواها إلى “الكونفدرالية العالمية للنقابات الحرة”، في محاولة لـ “تدويل” قضيتها.

لا شك في أن النقابات المستقلة تلعب دورًا رائدًا، في الدفاع عن الحريات، في بلد يسيره قانون الطوارئ، منذ 1992، ولا جدال في إسهامها في التصدي لبعض سياسات الحكومة الليبرالية، إلا أن المشهد النقابي الجزائري ليس “أبيض وأسود” كما يحلو للبعض تصويره : تنظيمات “حرة ديمقراطية”، في جانب، وأخرى “مكبلة بيروقراطية”، تتبع الاتحاد العام للعمال، في جانب آخر.

لقد أصبح تصوير الاتحاد العام كشبكة من “النقابات الصفراء”، ركنا من أركان دعاية الأحزاب الليبرالية المعارضة، إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا من هذه “الدعاية”، والأدلة على ذلك كثيرة: نقابات قطاع الطاقة خاضت معارك مضنية، ضد قانون المحروقات الليبرالي الجديد، وقد نظمت فدرالية الصحة إضرابات عديدة، في السنوات الأخيرة، وكذلك نقابات الموانئ، بالرغم من معارضة قيادة الاتحاد لتحركاتها، كما أن فدرالية التعليم العام، في ولايتي بجاية وتيزي أوزو، مثلاً، لا تتردد في التنسيق مع الحركة النقابية المستقلة.

من هذا المنطلق، فإن صفة “الاستقلالية” لا تخص “النقابات المستقلة” وحدها، وتنطبق على تنظيمات أخرى، تخوض، فضلاً عن الصراع المطلبي مع الحكومة، معارك تنظيمية مضنية، مع بيروقراطية الاتحاد العام.

ويزيد من ضرورة التنويه بهذه الحقيقة، أن النقابات الحرة ليست بعدُ بديلاً شاملاً للاتحاد، فهي تنشط أساسًا في الوظيفة العمومية، ولا وجود لها خارجها، سوى في قطاعات هامشية، مثل نقابة الطيارين، ونقابة ضباط البحرية التجارية،… إلخ. وبطبيعة الحال، فإن أحد آثار انغراسها المحدود، هو ضعف متابعتها لتطورات الوضع الاقتصادي والاجتماعي العام.

يمكن القول إن توحيد النقابات المستقلة في كونفدرالية، مستحيل، ما دامت منعدمة الوجود في المؤسسات الإنتاجية. وفي الحقيقة، فإن طريق الوحدة يبدأ بشيء بسيط، هو توحيد التنظيمات المستقلة، التي تنشط في نفس القطاع. هل يعقل الحديث عن “مركزية نقابية بديلة”، وأربعة نقابات تنشط في قطاع الصحة العمومية؟!.

ويعود سبب هذه الفُرقة في كثير من الأحيان إلى رفض “الفئات العليا” التنظيم مع “الفئات الدنيا”؛ فـ”أساتذة” الطب لا يرغبون في الاختلاط بـ”مدرسي الطب”، وهؤلاء لا يريدون الاختلاط بـ”الأطباء الاختصاصيين”، و”الأطباء الاختصاصيون” يرفضون أن يُسوى بينهم وبين “الأطباء”. ونجد على هذه “الفئوية” أمثلة أخرى، أبلغها أن نقابات التعليم المستقلة لا تضم غير المدرسين، عكس ما جرت عليه العادة في الاتحاد العام من فتح لأبواب التنظيم النقابي لجميع أجراء القطاع، من المعلمين إلى عمال التنظيف.

وبالإضافة إلى أنهما تعارضان مبدأ “تضامن الأجراء”، تؤدي “الفئوية” و”القطاعية” إلى تحليل موازين القوة من زاوية شديدة الضيق، ما يتسبب في تنظيم حركات احتجاج مضنية في ظروف عامة غير ملائمة للتحركات الراديكالية أو عكس ذلك، الجنوح إلى “الاعتدال” في ظروف مواتية لمثل هذه التحركات.

   

التعليقات