بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العراق وفلسطين: إما الثورة أو النكبة الأخيرة!

بينما تدشن الإمبريالية الأمريكية احتلالها للعراق، نرى السلطة الفلسطينية ومعها الأنظمة العربية تلهثان وراء خريطة الطريق الأمريكية! كأنما الإدارة الأمريكية مصابة بانفصام في الشخصية: تشن حرباً استعمارية في المنطقة على جانب، وتضغط على إسرائيل أقرب حلفائها لتحقيق بعض مطالب الشعب الفلسطيني على جانب آخر!!

لا يحتاج الأمر جهداً كبيراً لتفسير هذا اللغز. فإذا ما ألقينا نظرة على ما يسمى بخريطة الطريق، سنجد أن الجزء الوحيد الواضح والمحدد فيها هو مرحلتها الأولى التي يُطلب فيها من السلطة الفلسطينية الوقف الفوري للانتفاضة وكل أشكال المقاومة في جميع أنحاء فلسطين، ووقف ما يسمى بالتحريض ضد الاحتلال، والعودة الى التنسيق الأمني الصهيوني-الفلسطيني. هذه هي المرحلة الأولى التي إن نجحت السلطة الفلسطينية في تنفيذها بشكل كامل يمكن بعد ذلك أن تبدأ قوات الاحتلال في الانسحاب من المناطق التي احتلتها منذ 28 سبتمبر 2000. أي أن على السلطة الفلسطينية ـ بمساعدة أجهزة المخابرات العربية والجيش الصهيوني ـ أن تقوم بقمع الانتفاضة الفلسطينية بشكل متزامن مع الغزو الأمريكي للعراق!

“الطريق” الوحيد الذي تؤدي إليه مثل هذه المقدمات لا يتجه نحو دويلة فلسطينية، مهما كانت صغيرة، بل يتجه مباشرة الى ما يسميه الصهاينة بـ”الحل النهائي للقضية الفلسطينية”: الترانسفير، أو ترحيل الشعب الفلسطيني من الضفة الغربية وغزة الى الأردن والعراق.

إن خطورة الموقف تكمن في طبيعة الإستراتيجية الجديدة للإمبريالية الأمريكية وفي دور الكيان الصهيوني في دعم هذه الاستراتيجية. إذ يلعب احتلال العراق دور الخطوة الأولى في ما يسمى بـ”مشروع القرن الأمريكي الجديد” الذي تتبناه إدارة جورج بوش والذي يهدف إلى السيطرة العسكرية المباشرة على منطقة الشرق الأوسط، ليس فقط لتأمين احتياجات الولايات المتحدة من النفط، ولكن أيضاً للتحكم في مصدر الطاقة الرئيسي لأوروبا والصين واليابان، وهي القوى المؤهلة لمنافسة الإمبريالية الأمريكية في عالم ما بعد الحرب الباردة.

هذا المشروع ليس سهل التنفيذ. هو يحتاج الى حلفاء من نوع خاص, مستعدون للمشاركة في مغامرات الإمبريالية الأمريكية بلا تردد أو معارضة. فقد رأينا المصاعب التي واجهها جورج بوش الابن في إيجاد من يسانده في غزوه للعراق. وهنا يبرز دور وأهمية الكيان الصهيوني كحليف إستراتيجي يمكن الاعتماد عليه.

وحتى نفهم أهمية هذا الحليف الخاص علينا أن نرجع قليلاً إلى الوراء. فمنذ إنشاء دولة إسرائيل عام 1948 ككيان استيطاني مدجج بالسلاح، وهي تلعب دوراً محورياً في خدمة الإمبريالية. وقد تعاظم هذا الدور مع تعاظم أهمية النفط في منطقة الشرق الأوسط ومع الصعود السريع لنفوذ وهيمنة الإمبريالية الأمريكية. وقد وصف رئيس أركان الجيش الأمريكي الكيان الصهيوني الوليد في 1948 كأهم قوة عسكرية في المنطقة بعد تركيا وكفرصة تاريخية للولايات المتحدة لكسب موقع إستراتيجي في الشرق الأوسط وملء الفراغ الذي تركه الانهيار السريع للنفوذ البريطاني في المنطقة.

في عام 1958 اعتبر مجلس الأمن القومي الأمريكي أن الوسيلة الوحيدة لمواجهة المد القومي والثوري في المنطقة هي الدعم المكثف لإسرائيل لكونها الدولة الوحيدة القوية عسكرياً المؤيدة للغرب في الشرق الأوسط. ثم تضاعفت الأهمية الإستراتيجية للدولة الصهيونية بالنسبة لواشنطن بعد حرب 1967 حين أثبتت عملياً قدراتها العسكرية وأهمية الدور الذي تلعبه ككلب حراسة شرس في المنطقة.

لم تكن إسرائيل بالطبع هي الحليف الاستراتيجي الوحيد ذو الشأن لواشنطن في المنطقة خلال السبعينات. فإيران والسعودية كانا شريكين محوريين. ولكن مع سقوط الشاه عام 1979 برغم كل ما استثمرته واشنطن لتقويته وللحفاظ على نظامه، مع ما كانت تعنيه الثورة الإيرانية من تهديد مباشر للأنظمة الخليجية، سرعان ما تعاظم دور ومكانة إسرائيل بالنسبة للإمبريالية الأمريكية.

ثم نحن نلاحظ أن أهمية الكيان الصهيوني كحليف إستراتيجي للإمبريالية الأمريكية لا تقتصر على دورها في المنطقة العربية. فقد لعب هذا الكيان دوراً محورياً في خدمة المخططات الإستراتيجية الأمريكية في مختلف أنحاء الكرة الأرضية خلال العقود الثلاثة الأخيرة. في القارة الأفريقية كان للصهاينة دوراً هاماً من خلال تعاون جهاز مخابراتهم (الموساد) مع المخابرات المركزية الأمريكية في مساندة وحماية الديكتاتور موبوتو في زائير وعيدي أمين في أوغندا والأنظمة العنصرية البيضاء في روديسيا وجنوب أفريقيا. وفي آسيا شارك الكيان الصهيوني في نقل المعدات العسكرية إلى الجيش الإندونيسي لمساعدة سوهارتو في هجومه الوحشي على شعب تيمور الشرقية.

ولعل أهم الأدوار التي لعبها الصهاينة لخدمة الإمبريالية الأمريكية خارج الشرق الأوسط كان في أمريكا اللاتينية. فقد ربطتهم علاقات وطيدة على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية مع الأنظمة العسكرية اليمينية في جنوب القارة. وكان لهم أيضاً دوراً محورياً في أمريكا الوسطى. حيث دعم الموساد نظام سوموزا في نيكاراجوا حتى لحظة سقوطه عام 1979. وبعد ذلك شارك المخابرات المركزية الأمريكية في تدريب وتسليح عصابات الكونترا المرتزقة لمحاولة الإطاحة بنظام الساندانيستا الثوري.

إن حليف مثل هذا في لحظة تحاول فيها الإمبريالية الأمريكية إعادة رسم خريطة العالم هو كنز ثمين. فهاهو حليف مستعد لأن يؤدي أي دور، طالما ضمن أن مصالحه “الصهيونية” ستصان. لعل هذا ما يفسر حماس جنرالات الصهاينة للغزو الأمريكي للعراق. فقد نشرت جريدة هآرتس الإسرائيلية تصريحاً لشارون في العاشر من فبراير الماضي قال فيه: “هناك احتمال أن تخلق نتائج المعركة في العراق فرصة كبيرة: الانتصار على الإرهاب والتوصل الى السلام وإخراج الاقتصاد الإسرائيلي من الركود.” وبالطبع فما يعنيه شارون بالانتصار على الإرهاب والتوصل إلى السلام لا يحتاج الى إيضاح ـ ما يعنيه هو الترانسفير، أي طرد الفلسطينيين إلى خارج وطنهم.

الترانسفير بالطبع ليس مشروعاً جديداً. فمنذ نكبة 1948 التي تم خلالها إجبار ما يقترب من مليون فلسطيني على الرحيل من خلال المذابح المنظمة على يد العصابات الصهيونية وحتى اليوم، تظل الاستراتيجية الأساسية لجنرالات الصهاينة ليس فقط محاولة تدمير المقاومة الفلسطينية بل “الحل النهائي” للقضية الفلسطينية وهو الطرد الجماعي للغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني من الضفة الغربية وغزة وحتى فلسطينيي 1948.

أثناء حرب 1956 أعد الجيش الإسرائيلي خطط تفصيلية لطرد الفلسطينيين من منطقة في شمال فلسطين معروفة بالمثلث الصغير. وفي 1960 أمر آرييل شارون مساعديه في الجيش بتحديد عدد الحافلات التي يحتاجها لنقل 300 ألف فلسطيني من شمال فلسطين في حالة الحرب. وقد نفذ الجيش خططه خلال حرب 1967 حيث تم ترحيل أكثر من 200 ألف فلسطيني من الضفة الغربية, بعضهم في حافلات كتب عليها “نقل مجاني الى عمان.”

ومنذ اندلاع الانتفاضة الثانية، وبعد فشل الصهاينة في إخمادها، وبعد الخسائر الفادحة التي أصابتهم على يد المقاتلين الفلسطينيين, تصاعد الحديث وبشكل علني عن “الحل النهائي”. ففي استطلاع للرأي قامت به جامعة تل أبيب في مارس من العام الماضي، أيد 46% من الإسرائيليين طرد الفلسطينيين من الضفة الغربية، في حين أيد 60% “تشجيع” فلسطينيي 1948 على الرحيل. من ناحية أخرى نجد أن أحد الأحزاب الممثلة في حكومة شارون الحالية، وهو حزب موليديت، يقوم برنامجه على أساس هذا الهدف داعياً الجيش “لإنهاء ما بدأناه منذ 55عاماً”!

هذا ما يخطط له شارون. وهذا ما ستمكنه الإمبريالية الأمريكية من تحقيقه إذا ما تُركت بدون مقاومة في العراق. إذن فالمرحة الحالية جد خطرة. فإما أن نُفشل مخططاتهم ونلقن الغزاة دروساً فيتنامية في العراق وفلسطين تفتح الطريق لكل الجماهير العربية لتحطيم الحصار والقمع المفروضين عليها، أو نعيش نكبات جديدة تجعل من 1948 و1967 مجرد مناوشات صغيرة.

         

التعليقات