بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

عامل البريد الذي يلتف حوله ملايين من الفرنسيين أحد أبرز قادة الحزب الجديد

ميلاد حزب جديد لليسار في فرنسا

2009_04_20_New Image8

شهدت فرنسا في بداية هذا العام ميلاد حزب يساري جديد (حزب مناهضة الرأسمالية الجديد)، ويعتبر ظهور هذا الحزب حدثا بالغ الأهمية لليسار الثوري في مختلف أنحاء العالم.

يأتي ميلاد الحزب الجديد على خلفية تصاعد الحركة العمالية والصراع الطبقي في فرنسا منذ بدايات هذا القرن، حيث شهدت فرنسا في 2003 إضرابا ضخما لعمال وموظفي الحكومة ضد مشروع تعديل نظام المعاشات، واستمر هذا الإضراب 3 أشهر، وأوشك أن يتحول إلى إضراب عام، لولا تدخل الاتحاد العام للنقابات لإجهاضه.

وفي 2005 رفض 55% من الناخبين الفرنسيين اتفاقية الدستور الأوروبي، التي كانت تستهدف الهجوم على حقوق ومكتسبات العمال، وقد جاء هذا الرفض في أغلبه كنتيجة لحملة ناجحة لليسار الفرنسي ضد تلك الاتفاقية.

وفي 2006 نجح إضراب جماهيري واسع النطاق في إسقاط مشروع قانون يفرض عقود عمل منخفضة الأجر على العمال الجدد. كانت التعبئة لذلك الإضراب أساسا في أوساط الشباب والطلاب، ولكنه سرعان ما توسع ليشمل قطاعات واسعة من الطبقة العاملة الفرنسية.

بادر بإنشاء هذا الحزب الجديد منظمة العصبة الشيوعية الثورية، وهي منظمة ماركسية كانت قد شهدت نموا غير مسبوقا في النفوذ خلال الانتخابات الرئاسية والمحلية، رغم صغر حجمها النسبي (زادت عضوية العصبة من 1500 عضو عام 2002 إلى 3000 عضو عام 2007)، ففي انتخابات الرئاسة الفرنسية حصل مرشحها الكاريزماتي أوليفيير بيسانسينو (عامل بريد) على 1.2 مليون صوت، أي حوالي 4% من الأصوات، وفي انتخابات 2007 حصل نفس المرشح على 1.5 مليون صوت.

أصبحت المعضلة التي تواجه ذلك التنظيم، هي كيف يترجمون ذلك النجاح إلى شكل تنظيمي قادر على تعبئة واسعة النطاق لتلك القاعدة الانتخابية المتنامية. كيف يتعاملون مع ذلك التناقض بين نجاحهم الانتخابي وحالة الرفض العمالي والجماهيري للرأسمالية، وبين الحدود الضيقة نسبيا لتنظيمهم؟

كانت هناك إشكالية أخرى، تواجه الثوريين في أوروبا بشكل خاص، وهي إشكالية تحول الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية الإصلاحية نحو اليمين، وتبنيها الكامل لسياسات الليبرالية الجديدة. فمنذ التسعينات تحول الحزب الاشتراكي الفرنسي من حزب إصلاحي، له جذور ونفوذ في النقابات العمالية، إلى حزب ليبرالي جديد، يدافع باستماتة عن سياسات السوق والرأسمالية، بل يلعب دورا رئيسيا في الهجوم على مصالح وحقوق العمال. هذا التحول أدى إلى بروز فراغ كبير في يسار الساحة السياسية، واحتياجا ملحا ليسار جديد جذري قادر على استيعاب العمال الرافضين لذلك التحول.

العمال الذين يرفضون السياسات الليبرالية الجديدة لا يتحولون فجأة إلى ثوريين يريدون الإطاحة بالرأسمالية، تلك إشكالية واجهت اليسار في مختلف أنحاء أوروبا، وأدت إلى العديد من المبادرات لتوحيد جهود الثوريين والإصلاحيين اليساريين الرافضين لليبرالية الحديدة. ففي بريطانيا تم إنشاء حزب «ريسبكت» كمبادرة من اليسار الثوري (حزب العمال الإشتراكي) لخلق بيت جديد للعمال على يسار حزب العمال الحاكم، وفي إيطاليا حزب «إعادة التأسيس الشيوعي»، ولكن هاتين المحاولتين سرعان ما وصلتا إلى طريق مسدود.

ففي الحالة البريطانية إنفجر حزب «ريسبكت» بعد أن فشل في جذب عناصر من يسار حزب العمال، وبعد أن بدأ جناحه الإصلاحي (بقيادة جورج جالاواي) في الجنوح يميناً. وفي إيطاليا قبلت القيادة الإصلاحية لحزب إعادة التأسيس المشاركة في حكومة إصلاحية، تطبق الليبرالية الجديدة، وتساند الإمبريالية الأمريكية في أفغانستان.

أمام فشل هذه التجارب أصبح السؤال الذي يؤرق الثوريين الفرنسيين في العصبة الشيوعية، هو كيف يخلقون كيانا قادرا على ملء الفراغ في اليسار، والتفاعل الإيجابي مع الصعود العمالي، دون الوقوع في الأخطاء التي أدت إلى الفشل في بريطانيا وإيطاليا، كان ردهم على هذا السؤال هو أن يكون حزبهم الجديد متبنيا لبرنامج، ليس فحسب مناهضا لسياسات الليبرالية الجديدة، بل مناهضا للرأسمالية بشكل واضح، ورافضا لأي تعاون انتخابي، أو مشاركة في السلطة مع الحزب الاشتراكي الفرنسي. فبرنامج الحزب الجديد يطالب بتأميم الشركات الكبرى بدون تعويض، ويطرح ضرورة الإطاحة بالرأسمالية ودولتها. ولكنه يفعل ذلك دون الاعتماد على الأطروحات الماركسية الكلاسيكية، ودون الربط المباشر بالتجربة والتراث الاشتراكي الثوري.

هل سيتمكن الحزب الجديد من جذب قطاعات واسعة من العمال الرافضين لسياسات اليمين؟ وإذا نجح في ذلك هل سيستطيع مقاومة الإصلاحية، وخلق شرخا حقيقيا في الأحزاب الإصلاحية التقليدية (الاشتراكي والشيوعي)، ويخلق بيتا جديدا للعمال يقودهم في مواجهة تحديات الأزمة الرأسمالية العالمية؟ هذه الأسئلة لن تجد ردا سوى في التجربة الحية، والبدايات تبدو مبشرة فقد انضم أكثر من 10 آلاف شخص للحزب الجديد، أي أكثر من 3 أضعاف عضوية العصبة، وقد بدأ بالفعل الحزب في لعب دورا مركزيا في المقاومة العمالية للأزمة الاقتصادية.

التعليقات