بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

معركة غزة ومعنى الصمود

تحولت الحرب الإسرائيلية على غزة، خاصة بعد الاجتياح البري، رغم الصدمة والحزن والغضب لمشاهد الأشلاء وجثث الأطفال إلى ملحمة بطولية تاريخية للمقاومة الفلسطينية، فقدرة هذه المقاومة الباسلة على الاستمرار، وعلى تكبيد العدو الخسائر، رغم القصف الوحشي من البر والبحر والجو، رغم التفوق العسكري الهائل لجيش العدو تمثل في حد ذاتها انتصاراً، لن يقل في تأثيراته الإقليمية والدولية عن انتصار المقاومة اللبنانية في 2006.

معنى النصر والهزيمة

فمغزى النصر والهزيمة يختلف نوعياً بين الحروب التي تندلع بين جيوش نظامية وتلك التي تشن ضد حركة مقاومة مسلحة، التي تنتهج أسلوب حرب العصابات. النصر بالنسبة للعدو الصهيوني لن يتحقق إلا بتدمير حماس بجناحيها السياسي والعسكري، وكذلك بقية فصائل المقاومة، تدميراً نهائياً، واستسلامها، وتوقفها التام عن شن هجمات من أي نوع. أما صمود المقاومة وبقائها، رغم الخسائر الفادحة يشكل وحده انتصاراً لها، ولمشروع المقاومة، بشكل عام. وحتى كتابة هذه السطور لا يبدو أن احتمال الاستسلام وارداً في أذهان أبطال القسام وغيرها من فصائل الفدائيين.

لا يعني ذلك أي تقليل من ضراوة وصعوبة المعركة، فبالمقارنة مع الحرب الإسرائيلية على لبنان في 2006، سيكون وضع المقاومة الفلسطينية أضعف، بالضرورة، من وضع المقاومة اللبنانية، التي كان لها مصدراً للأسلحة، والصواريخ المتطورة، كما كانت أراضي جنوب لبنان مثالية لحرب العصابات بتلالها ووعورة طرقها. أما المقاومة في غزة، فنتيجة للحصار الإجرامي الذي يفرضه النظام المصري، ليس لها عمق يمدها بالسلاح والعتاد، كما أن أرض المعركة منبسطة، مما يسهل عملية الاقتحام البري بالدبابات. ولكن على الرغم من تلك الصعوبات، فالكثافة السكانية لمخيمات غزة، واحتضان جماهيرها لمقاتلي المقاومة، رغم فداحة التضحيات، واستعداد المقاومة لحرب مدن تكبد العدو خسائر لا يقدر على تحملها سياسياً، كل هذه العوامل تجعل إمكانية تحقيق النصر إمكانية حقيقية، رغم قتامة المشهد. ولابد أن نؤكد أن أي هدنة يتم التوصل لها لا تحقق أهداف العدو بتدمير المقاومة هو نصراً تاريخياً، رغم أن أبواقاً سيعلو صوتها،كما حدث في حرب لبنان، ستحاول أن تقيم النصر والهزيمة بالحجم النسبي للخسائر المادية والبشرية وليس بمقاييس الصمود الأسطوري لشعب محاصر يقاتل ويستشهد ولا يستسلم أمام خامس أكبر جيش في العالم، وأمام عدوان همجي يستهدف المدنيين والمستشفيات والمدارس وحتى المساجد.

أشعلت همجية العدوان وصمود غزة في مواجهته موجة من المظاهرات والتحركات الجماهيرية، هي الأكبر والأعمق منذ اندلاع الإنتفاضة الثانية، حيث خرج الملايين في اليمن، والسودان، والمغرب، ومئات الآلاف في مصر، والأردن، والمدن الأوروبية الكبرى، ولأول مرة يخرج أكثر من 150 ألفاً من فلسطينيي 1948 في مظاهرات غاضبة حاملين الأعلام الفلسطينية، في تحدي مباشر لشرعية الوجود الصهيوني.

لعل التأثير الأهم لملحمة الصمود في غزة هو إضعاف شرعية الأنظمة العربية، وعلى رأسها نظام مبارك، فقد تجاوز هذا النظام موقفه التقليدي من صمت وتواطؤ إلى المشاركة المباشرة في العدوان، بحصاره الإجرامي على شعب غزة، من خلال إغلاق معبر رفح لإحكام القبضة الصهيونية العسكرية على القطاع. ولم يعد النظام المصري يداري دوره وموقفه، فقد صرح مبارك في لقاء مع المبعوث الأوروبي في شرم الشيخ عن ضرورة أن يؤدي العدوان إلى هزيمة حماس.

الموقف من المقاومة

في الوقت الذي تنهال فيه القنابل وتتمزق الأجساد، تقدم المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب القسام، أروع صور النضال الوطني بحرب عصابات ضارية، المستمرة رغم سقوط الشهداء بالمئات، في ظل كل هذه الملحمة والصمود تخرج أصوات تتحدث عن مسئولية حماس وعن أخطائها، وتنتقد شعاراتها الإسلامية، وتهذي حول رغبتها في السلطة، ومشروع الإمارة الإسلامية، وعن عمالتها المزعومة لإيران! وللأسف فبعض هذه الأصوات تنعت نفسها باليسارية. تماماً كما حدث خلال حرب العدوان على لبنان، في صيف 2006، حين خرجت نفس هذه الأصوات لتتهم حزب الله بالطائفية والعمالة.

تتناغم هذه الأصوات تماماً مع موقف ودعاية الأنظمة العميلة، بل مع الدعاية الصهيونية ذاتها، بالتالي لا مكان لها سوى مزبلة التاريخ، فحماس وكتائب القسام هم رأس حربة حركة التحرر الوطني الفلسطيني والموقف منها لا يكون سوى التأييد والدعم غير المشروط. نعم نختلف مع شعاراتها الإسلامية ونعم نناقش تكتيكاتها وأطروحاتها السياسية ولكن موقفنا منها لا يختلف عن الموقف من حركات التحرر السابقة في فيتنام، والجزائر، وأيرلندا، وجنوب أفريقيا. وهذا الموقف لا يرجع إلي منطلقات دينية أو قومية، فكل انتصار للمقاومة الفلسطينية ، وكذلك العراقية، والأفغانية، هو ضربة للهيمنة الأمريكية في المنطقة، وضربة أيضاً للديكتاتوريات العربية العميلة.

العدوان على غزة والصراع الطبقي في مصر

سؤال يطرح نفسه: هل توجد علاقة بين مشاركة النظام المصري في العدوان على غزة وبين سياساته الاجتماعية والاقتصادية؟ حقيقة الأمر لا يوجد حائط فاصل بين تجويع وحصار الشعب المصري، وبين الحصار والمذابح في غزة. حيث يتربح النظام المصري، الذي يمثل مصالح كبار رجال الأعمال والمستثمرين، من خدمة المصالح الأمريكية والأوروبية، ومن تنفيذ سياسات المؤسسات المالية الرأسمالية الدولية. ففي مقابل خدمة المصالح الإستراتيجية الأمريكية والصهيونية هناك دعم كامل لدور النظام ورجال أعماله في نهب وتجويع عمال وفلاحين مصر، فمن خلال الخصخصة، والاحتكار، واستغلال وتشريد الفقراء، تمكن النظام ورجال الأعمال من تحقيق ثروات هائلة. أي أن سياسات النظام المتواطئة مع الاستعمار الصهيوني والأمريكي هي تعبيراً مباشراً للمصالح الطبقية لهذا النظام والوجه الآخر لسياساته الاقتصادية الرأسمالية.

ملحمة غزة ومأزق المعارضة المصرية

شهدت مصر خروج عشرات الآلاف في مظاهرات حاشدة للتضامن مع غزة، وللضغط من أجل فتح معبر رفح، وطرد السفير الصهيوني، رغم موجة الغضب العارمة تلك فإنها لم تؤثر قيد أنملة على مواقف وسياسات النظام. ويبرر ذلك البعض بالبطش الأمني والاعتقالات والحصار المفروض على الحركات السياسية. ولكن السؤال يظل: لماذا لم تتمكن قوى المعارضة المصرية من كسر ذلك الحصار وإجبار النظام على فتح المعبر وطرد السفير؟ إن القوة السياسية الوحيدة القادرة على التعبئة الجماهيرية الواسعة هي الإخوان المسلمين. ولكن الإخوان رغم جهودهم وتضحياتهم يكتفون بالمظاهرات والمؤتمرات، التي يعبئون لها كوادرهم وجمهورهم المباشر، وهي تعبئة أثبتت فشلها في فرض تنازلات من قبل النظام تماماً كما فشلت في معركة التغيير الديمقراطي في 2005.

شهدت مصر في العامين الماضيين موجة من الإضرابات العمالية والاحتجاجات الجماهيرية، استطاعت أن تجبر النظام على تقديم تنازلات هامة على صعيد المطالب لاجتماعية، وعلى صعيد الحقوق الديمقراطية، مثل حق الإضراب، وبدايات التنظيمات النقابية المستقلة، فالطبقة العاملة قادرة على شل النظام، وتكبيده خسائر حقيقية، على عكس الأحزاب والقوى السياسية التي تثبت كل يوم حدود تأثيرها، ويشمل ذلك الإخوان المسلمين.

إن سلاح الإضراب لم يستخدم بعد لتحقيق مطلب مثل فتح المعبر أو طرد السفير. وهناك انفصالاً تاماً بين حركة العمال من أجل المطالب الاقتصادية والنقابية وبين التحركات السياسية من أجل غزة. هذا الانفصال هو مربط الفرس في قدرة النظام على الاستمرار في سياساته الإجرامية في غزة، رغم الغضب الجماهيري تجاه تلك السياسات فالإخوان بحكم رؤيتهم الإصلاحية يريدون الحفاظ على ذلك الانفصال، واليسار الجذري بحكم حجمه المحدود غير قادر وحده حتى الآن على تجاوز هذا الانفصال.

لقد ردد الاشتراكيون كثيراً شعار تحرير القدس يبدأ بتحرير القاهرة. وقد أصبح العالم كله اليوم يرى بوضوح العلاقة بين بقاء ديكتاتورية مبارك وبين استمرار جرائم الصهيونية. الواجب علينا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ترجمة ذلك الشعار إلى نضال منظم ودءوب أولاً من أجل كسر الحصار على غزة، وفتح المعبر، وطرد السفير الصهيوني، وثانياً وعلى المدى الأطول من أجل إسقاط هذا النظام العميل.

التعليقات