بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

مذبحة في منجم الماريكانا بجنوب أفريقيا:

سياسة البلاتين الدموية

2012_08_20_jnwb_fryqy_

المقال منشور لأول مرة في 18 أغسطس بجريدة العامل الاشتراكي الإلكتروني، يصدرها حزب العمال الاشتراكي البريطاني

 

قتل عمال المناجم المضربين في جنوب أفريقيا من قبل الشرطة يوم الخميس الماضي. في هذا المقال يلقي تشارلي كيمبر الضوء على الأسباب التي أدت إلى المذبحة والمصالح المختبئة وراءها.

 

فتحت قوات الشرطة في جنوب أفريقيا النار على العمال المضربين بمنجم الماريكانا للبلاتين بالقرب من مدينة رستينبرج، مما أدى إلى مقتل 18 عامل، وذلك بالإضافة إلى 10 اشخاص قتلوا في الأيام الاخيرة في صدامات مشابهة.

 

تعيد هذه المذبحة ذكريات ما كانت تفعله قوات الشرطة في ظل نظام الفصل العنصري والتي كانت قد انتهت بنهاية ذلك النظام، ولكن مالبثت تلك المذبحة أن أعادتها مرة أخرى إلى الاذهان. فيما يُعتقد أن الزيارة التي قام بها قائد الشرطة، مانجويشي فيكتوريا فيجا، منذ أيام قليلة للمنجم كانت لتنظيم وترتيب ما شهده المنجم من أحداث دموية بحق العمال يوم الخميس الماضي.

 

ولكن قرار استخدام قوات الشرطة للذخيرة الحية لا يمكن أن يتم بدون دراسة في الدوائر العليا لصناعة القرار، وربما من قبل حزب الرئيس جاكوب زوما “المؤتمر الوطني الأفريقي”. وبالرغم من أن زوما يبدي أسفه لما وقع من قتل، إلا أن من المخزي أنه لم يشر إلى طريقة تعامل قوات الشرطة مع الوضع.

 

يجب أن يكون هناك قصاص عادل لقتلى الماريكانا من أولئك الذين أصدروا الأوامر لقتلهم. إنها صفحة دموية أخرى في تاريخ التعدين بجنوب أفريقيا. تاريخ من الأرباح الهائلة لأصحاب العمل, من العنصرية والمقاومة البطولية.

 

وجدير بالذكر أن نظم العمال إضرابهم إذ أن صناعة البلاتين، والتي كانت مصدرا للأرباح الخرافية قبل الأزمة العالمية، تتدنى اليوم أرباحها بفعل الأزمة مما يدفع أصحاب العمل بدورهم إلى تخفيض الوظائف. وبالرغم المخاطر التي يواجهها عمال المناجم في عملهم فإنهم يواجهون علاوة علي ذلك مخاطر التشريد والتسريح من العمل.

 

إن الطفرة في مجال البلاتين، وهو المكون الرئيسي في صناعة السيارات والتي غيرت وجه العديد من المناطق في جنوب أفريقيا، قد جلبت الغنى الفاحش للقليليين في حين جلبت البؤس للكثيرين من أبناء هذا الشعب. لقد فتحت المجزرة نافذة علي حقيقة تلك الطفرة في مجال المعادن والموجهة لصالح الطلب الصيني بدلا من أن تكون لصالح أفريقيا.

 

ويقول التقرير الأسبوعي الصادر عن مؤسسة Bench Marks  أنه بالرغم من القيمة المستخرجة من تعدين البلاتين، إلا أن المجتمع المحلي يواجه أضرارا اجتماعية واقتصادية وبيئية خطيرة بسبب تلك الصناعة. وقال تشير جو سوكا عضو المؤسسة أن: “هناك مخاوف مما تحققه الشركات الخاصة من أرباح خرافية وبدعم من قادة في الحكومة في مجتمع تعاني الأغلبية فيه من الفقر وعدم المساواة, والوضع في ماريكانا خير دليل على ذلك”.

 

لقد هاجمت قوات الشرطة العمال المضربين والذين تجاوزوا اليوم السابع من الإضراب، مما أدى إلى توقف العمل في الموقع الذي يعمل به 28 ألف موظف وعامل تحت إشراف شركة “ونمين” خلفا لشركة “لورنهو” والتي عملت مع النظام الفاسد لمدة أكثر من قرن من الزمان.

 

النضال

 

تم تنظيم الإضراب للمطالبة بزيادة الأجور، مما أدى إلى حدوث انشقاق بين الاتحاد القومي لعمال المناجم والاتحاد التقليدي لعمال المناجم من جهة، ومن الجهة الأخرى رابطة عمال المناجم واتحاد عمال التشييد الذي ينادي بنهج أكثر تشددا.

 

إن اتحاد التشييد ليس اتحادا لأرباب الأعمال, وبدأ عمله في 1998 على أيدي العمال الغاضبين من ازدياد البيروقراطية ونهج “الشراكة” الذي اتبعه الاتحاد القومي، وتكونت قياداته ورموزه من كثير من نشطاء الاتحاد القومي. وقد لعب الاتحاد القومي دورا هاما في الصراع ضد نظام الفصل العنصري وقاد إضرابات مهمة وقوية، لكنه الآن يُنظر إليه كجناح يميني بسبب توافقه مع الإدارة وأصحاب العمل.

 

لكن أيا كانت النوايا، فإن سياسات اتحاد التشييد تؤدي أحيانا إلى الفرقة والانشقاقات في الأوقات التي يواجه فيها العمال تحديات كبرى، وكان من الأفضل للعمال الذي شكلوا النقابة المنافسة أن يناضلوا داخل صفوف الاتحاد القومي لإنقاذ سياساته من الانحراف، ولكن كل هذا لا يبرر ما قامت به قوات الشرطة من قتل للعمال.

 

نمى اتحاد التشييد بفعل الغضب المتزايد من الاتحاد القومي الذي عمل بشكل وثيق مع أصحاب العمل في السنوات الأخيرة، وتلخص ذلك في تعيين سيريل رامافوسا رئيس الاتحاد كمدير غير تنفيذي ورئيس لجنة التحول في شركة لونمين.

 

وعلى وجه الخصوص فقد قام اتحاد التشييد بدعم مطالب عمال الحفر بزيادة الأجور، وذلك مالم يقم به الاتحاد القومي. إن المهمة التي يقوم بها حفاري الصخور هي مهمة خطرة للغاية، ومن الصعب استبدال هؤلاء العمال، لذا فإن لديهم القدرة على الضغط على أصحاب العمل لأن توقفهم يعني توقف العمل في المنجم بأكمله.

 

يعتبر الاتحاد القومي أيضا قريبا من حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم، في الوقت الذي يتنامي فيه الغضب الشعبي ضد حكومته. وهناك المزيد من الاحتجاجات للمواطنين في جنوب أفريقيا أكثر من أي مكان في العالم حول قضايا تخص السكن وخدمات أخرى.

 

لعب اتحاد التشييد دورا هاما في إضراب منجم “امبالا” للبلاتين في نهاية العام المنصرم والذي يقع على بعد أميال قليلة من موقع المذبحة. في عام 1993 كسب الاتحاد الوطني ثقة العمال في منجم امبالا بعد خوض صراع مرير ضد نظام “لوكاس منغوبة” أو النظام الوطني، لكن قطاعات كبيرة من العمال يعتقدون أن الاتحاد الوطني قد خانهم في الإضراب الأخير. قام أصحاب العمل بتسريح 13 ألف عامل، مما جعل الكثيرون يشعرون أن على الاتحاد الوطني أن يفعل شيئا حيال مايحدث بدلا من مطالبتهم بالعودة للعمل. ومن ثم نمى اتحاد التشييد في الامبالا ثم في جميع مناجم لونمن.

 

الحفارين

 

ندد الاتحاد القومي بمطالب عمال منجم الماريكانا واعتبرها “فئوية”، أما اتحاد التشييد فقد وصفها بانها مطالب جميع العمال. فيما حدد أصحاب العمل وقوات الشرطة يوم الخميس لبداية الهجوم. وتمت بالفعل مهاجمة آلاف العمال المضربين والمتجمعين على تلة في موقع العمل، ورد العمال بدورهم على الهجوم دفاعا عن أنفسهم ضد همجية الشرطة، فقامت الشرطة بفتح النيران عليهم.

 

هناك دليل قوي يؤكد على تورط الاتحاد القومي في تشجيع الشرطة علي ما تم ارتكابه من جرائم، حيث وجه فرانس باليني، الأمين العام للاتحاد، خطابا في صباح يوم الخميس يدعو العمال إلى العودة إلى عملهم ويدعو السلطات التنفيذية للقضاء على “دعاة العنف والقتل”. وأضاف باليني في خطابه أن “أعضاء الاتحاد مستعدين لتقديم تقرير عن ذلك”، أي عن ما يصفهم بدعاة العنف والقتل، داعيا الشرطة أن تمهد طريقها وسط العمال المضربين.

 

وبعد المجزرة، علق ليسيب سيشوكا، المتحدث الرسمي بإسم الاتحاد القومي، أن الاتحاد يدين العنف لكنه من المبهج في الأمر ان الشرطة تعاملت مع من وصفهم ب “العناصر الإجرامية المحرضة علي العنف داخل المنجم” علي حد تعبيره.

 

سوف يفرح أصحاب العمل كثيرا لما حدث من انشقاقات في صفوف العمال ولانحياز الدولة إلى النخبة. وسوف يهلل أصحاب العمل أيضا لما أظهرته الأحداث الأخيرة من دعم لشركات المناجم الخاصة فهناك جدل كبير في جنوب أفريقيا حول قضية تأميم المناجم.

 

الاستغلال

 

علينا أن نتذكر كيف تم استغلال عمال المناجم السود من قبل رأس المال في جنوب أفريقيا. إن نظام الفصل العنصري الممنهج الذي نهب وأذل المواطنيين السود وجردهم من جميع حقوقهم السياسية كان نتاجا لنمو الرأسمالية وخاصة في مجال التعدين.

 

وقد قدم اتحاد التجارة “كوساتا” دليل في جلسات الاستماع الخاصة بلجنة تقصي الحقائق والمصالحة عن المصالح التجارية التي ارتبطت بنظام الفصل العنصري. وذكر اتحاد التجارة أنه “بغض النظر عن برائتهم من تهم القمع العنصري فإن قادة الصناعة الذين ارتبطوا بمجال التعدين عن الفضة والماس قد شكلوا السمات الأساسية للنظام الوليد الذي عرف فيما بعد بنظام الفصل العنصري”.

 

توفي مايقرب من 69 ألف من عمال المناجم وأصيب أكثر من مليون آخرين في حوادث عمل في الفترة بين 1900 حتى 1993. وحتى الآن وبعد مايقرب من 20 سنة على نهاية نظام الفصل العنصري فقد توفي ما يقرب من 40 عامل خلال تلك السنة.

 

إن عمال المناجم يحتاجون إلى وحدة النضال في مواجهة توحش رأس المال والدولة. وسوف يحدث المزيد من الغضب والاحتجاج علي تلك الجرائم البشعة، والطريق الأفضل لنتذكر العمال الشهداء يكون ببناء معارضة قوية ضد أصحاب العمل في المناجم ومن يدعمهم من قادة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي.

التعليقات