بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

قراءة نقدية لكتاب “في الثقافة المصرية” لمحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس

عبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم اثنين من أعلام اليسار المصري في النصف الثاني من القرن العشرين وقد رحلا عنا هذا العام وكان رحيلهما المتزامن تقريباً نهاية لأكثر من نصف قرن من النشاط السياسي والنقد الأدبي والثقافي وتنويعة واسعة من الإنتاج العلمي والفكري. هذا المقال لن يحاول بطبيعة الحال أن يتناول كل تلك الرحلة الفكرية والسياسية الطويلة بمختلف مراحلها وتحولاتها. ولكن ما سنحاوله هنا هو التقاط لحظة محددة من تاريخهما الطويل وذلك في مجال واحد من مجالات إبداعاتهم المتنوعة.

أما اللحظة فهي منتصف القرن الماضي وأما المجال فهو النقد الأدبي. وذلك من خلال قراءة نقدية لكتابهما المشترك: “في الثقافة المصرية” والذي كان له صدى واسعاً في صفوف اليسار المصري والعربي عموماً في ذلك الحين. وقد صدرت أول طبعة للكتاب في بيروت عام ١٩٥٤ وقدم لها المفكر الماركسي اللبناني الشهيد حسين مروة.

كان الكتاب تجميع لعدد من المقالات التي كان قد نشرهما الراحلان في دوريات وجرائد مصرية على شكل سجال مع المدارس الأدبية التي كانت سائدة في ذلك الزمان والتي كان مازال يهيمن عليها أمثال العقاد وطه حسين والمازني وغيرهم من نقاد وأدباء النصف الأول من القرن العشرين. وقد واجه الراحلان سيلاً من النقد اللاذع والاتهامات بالشيوعية والإلحاد والمادية بل والسذاجة وعدم الفهم من قبل هؤلاء الأعلام الأدبية. فكيف يتجرأ شابان من الحركة الشيوعية على شيوخ وأئمة الأدب المصري وعلى المفاهيم التقليدية التي كان قد ثبتها هؤلاء كمبادئ ثابتة في عالم الإنتاج والنقد الأدبي؟

ولكن تلك المبادئ والمفاهيم كانت قد أصبحت بالفعل بالية مع التغييرات الضخمة التي كان قد شهدها المجتمع المصري منذ عشرينات القرن الماضي ليس فقط على المستوى السياسي المباشر من صعود حركة وطنية جديدة في الأربعينات وتراجع الوفد في مقابل ظهور حركات شيوعية وإسلامية منافسة ولكن أيضاً على مستوى تركيبة المجتمع نفسه مع النمو السريع للمدن والتوسع في التصنيع والتعليم وصعود للطبقة المتوسطة الجديدة من جانب والطبقة العاملة الصناعية من الجانب الآخر. كل تلك التغييرات السريعة والتناقضات العنيفة التي أحدثتها بين الريف والمدينة وبين التصنيع واستمرار أنماط الحياة التقليدية وبين تفكك الأسرة مع التغييرات الديموغرافية السريعة التي أحدثها نمو المدن والهجرة إليها بحثاً عن العمل مع استمرار هيمنة الأسرة وأخلاقياتها في الريف وفي ما تبقى من البرجوازية الصغيرة التقليدية في المدن.

كل تلك التغييرات والتي كانت تحدث ليس بشكل منظم وأحادي الاتجاه كسير القطار بسرعة محددة على السكة الحديد ولكن بشكل شديد العشوائية بسرعات متفاوتة وفي اتجاهات متعددة أو إذا أردنا استخدام مصطلح ماركسي “بشكل مركب ولا متكافئ” . فالمدن تنمو ولكن التصنيع والتشغيل فيها لا يتناسب مع حجم الهجرة إليها. والتعليم يتوسع ولكن سوق العمل لا ينمو بالسرعة الكافية لاستيعاب المتعلمين الجدد.

والرأسمالية تتطور سريعاً ببنوكها وشركاتها ومصانعها ووسائل اتصالها الحديثة ولكن كل ذلك جنباً إلى جنب مع أنماط سابقة للإنتاج والحياة والاستهلاك وكل ذلك مع تحكم الاستعمار وكبار الملاك والمحتكرين مع إفقار وتهميش لقطاعات واسعة من الجماهير بل أيضاً من الطبقة المتوسطة الحديثة والتقليدية هذه الأوضاع الجديدة كانت لابد وأن تؤثر على إنتاج واستهلاك الأدب بكافة أنواعه وكان من الطبيعي أن يتم محاولة التجاوز النقدي للمفاهيم والأفكار الأدبية القديمة ومحاولة خلق أدب ونقد جديدين يتفاعلان مع هذا العالم الجديد بكل حيويته وإيقاعاته ومخاوفه وآماله. وهذا ما حاوله بجرأة وتحدي الراحلان محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس في منتصف القرن الماضي.

ولكن قبل الدخول في قراءة محاولتهم تلك لابد لنا من تقديم بعض الإيضاحات. فأولاً ستكون هذه القراءة قراءة نقدية تحاول تجاوز الكثير من المفاهيم التي طرحها الراحلين وهذا لا ينتقص بأي شكل من أهمية إسهاماتهم في تلك الفترة فهم أنفسهم قد تجاوزا الكثير من تلك الأفكار في العقود التالية واعترفا بنقاط الضعف في الكثير مما طرحاه في تلك المرحلة المبكرة من عملهما النقدي.

وثانياً سنركز فيما يلي على مفاهيم ونظريات أساسية تبناها الراحلان في ذلك الكتاب. تلك النظريات والمفاهيم قد ترسخت لدى الكثير من القراء بصفتها مفاهيم ونظريات تعبر عن المدرسة الماركسية في النقد. ولكن النقد الماركسي، حتى في منتصف القرن الماضي كان أرحب وأوسع وأعمق من تلك الرؤى الضيقة نسبياً التي عبر عنها الكاتبان في تلك الفترة هذا إلى جانب الطفرات التي حدثت في النقد الماركسي الأدبي والثقافي عموماً منذ ذلك الحين.

أي أننا سنحاول وضع أطروحات الكاتبان في سياق تطور النقد الماركسي وفي نفس الوقت محاولة استخدام النقد الماركسي نفسه لفهم إسهاماتهم تلك. وسيكون تركيزنا على بعض المفاهيم العامة التي تبناها الكاتبان مثل العلاقة بين الأدب والمجتمع وبين الأدب والتاريخ ومفهوم الالتزام في الأدب والأخلاق والعلاقة بين الشكل والمضمون وأهمية ودور البطل في الرواية والموقف من الواقعية والحداثة في الأدب.

التأثير السوفيتي

لا يمكن فهم الإنتاج النقدي للراحلين في تلك الفترة دون فهم التأثير الكبير للاتحاد السوفيتي على فكر ومفاهيم الكثير من مثقفي اليسار في العالم الثالث، خاصة هؤلاء الذين انخرطوا في صفوف الأحزاب الشيوعية والتي كانت تربطها علاقات وثيقة بالحزب الشيوعي السوفيتي. وكان الاتحاد السوفيتي قد شهد تحولات ضخمة بين فترة اندلاع الثورة عام 1917 وبين بداية الثلاثينات والتي استقر فيها الحكم لستالين على رأس بيروقراطية الحزب والدولة.

ففي 1917 كانت الطبقة العاملة قد استولت فعلياً على السلطة وبدأت في إنشاء ديمقراطية عمالية مباشرة من خلال مجالس العمال الممثلة للمصانع والأحياء ومع دعم من فقراء الفلاحين الذين استولوا على الأرض. ولكن هذه الديمقراطية الوليدة لم تستمر طويلاً وكان من البديهيات في الحزب الشيوعي حين ذاك أنه بدون انتشار الثورة ونجاحها في البلدان الرأسمالية الأكثر تقدماً فلا أمل لاستمرار العمال في الحكم في روسيا. فروسيا كانت دولة غالبية سكانها من الفلاحين ولا يمثل العمال الصناعيين فيها سوى نسبة ضئيلة من السكان وبالتالي فالسلطة العمالية لا يمكنها الاستمرار والبدء في بناء الاشتراكية دون مشاركة ومساندة الطبقات العاملة في الدول الرأسمالية الكبرى وعلى رأسها الطبقة العاملة الألمانية العملاقة ولم يكن ذلك التصور مثالياً فقد اندلعت الثورة بالفعل في مختلف أنحاء أوروبا مع نهاية الحرب العالمية الأولى ولكن ولأسباب لن نخوض في تفصيلاتها في هذا المقال فشلت موجة الثورات العمالية في كسر هيمنة الرأسمالية وأصبحت الدولة العمالية في روسيا محاصرة تماماً تواجه حرب شعواء من جيوش الدول الرأسمالية الكبرى من جانب وحرب أهلية يقودها بقايا النظام القيصري وملاك الأرض القدامى من الجانب الآخر.

وعلى الرغم من انتصار الدولة العمالية بقيادة البلاشفة في الحرب الأهلية لم يكن ذلك الانتصار دون ثمن. فقد فرغت الحرب الأهلية والحصار الديمقراطية العمالية من مضمونها. فتفككت الطبقة العملة ومات منها عشرات الآلاف في الحرب وأغلقت المصانع بفعل الحصار وعاد قطاع كبير من العمال الى الريف.

وكان أمام قيادات الحزب البلشفي أحد خيارين- إما الاستمرار على نهج الثورة والبناء على ما تبقى من الديمقراطية والتحضير النشط لموجات جديدة من الثورات على النطاق العالمي أو الانقلاب على الثورة وتحويل مسارها نحو رأسمالية دولة بقيادة البيروقراطية. وقد انتصر الاتجاه الثاني بقيادة ستالين والذي قاد ما يمكن تسميته بثورة مضادة لم تعود بالنظام إلى الشكل القيصري والرأسمالي القديم ولكنها دشنت لحكم البيروقراطية الاستبدادي وقادت عملية تنمية رأسمالية بقيادة الدولة ودمرت ما تبقى من الديمقراطية العمالية وكل من كان يمثلها ويدافع عنها من قيادات وكوادر الحزب البلشفي.

وما يهمنا في هذا الإطار هو التحول الذي طرأ على موقف الحزب الشيوعي السوفيتي في مجال الأدب والفن والثقافة والذي كان له تأثيراً ضخماً على الحركات الشيوعية في مختلف أنحاء العالم. ففي الفترة الأولى من الثورة بين ١٩١٧ ومنتصف العشرينات كانت موسكو وبتروجراد من أهم المواقع عالمياً لكل ما هو حديث وجديد وتجريبي في مختلف مجالات الثقافة والفن وكان موقف الحزب شديد الانفتاح على مختلف المدارس الفنية والأدبية والتي كانت في تلك الحقبة تشهد هي الأخرى حالة من الثورة الدائمة على كل ما هو قديم وبائد عرفت فيما بعد بالحداثة الفنية، ولم يكن للحزب مواقف محددة من تلك المدارس بل نشأت العديد من الدوريات النقدية مليئة بالسجالات الحية بين مختلف الماركسيين حول الشكل والمضمون في المدارس الجديدة وحول علاقتها بما يحدث في الواقع (التحولات في التكنولوجيا والتصنيع والحرب والثورة والصراع الطبقي والاغتراب والحياة في المدينة) .ولكن ومع التحول البيروقراطي للحزب والدولة ومع السيطرة النهائية لستالين على مقاليد الحكم تغير هذا المناخ تغييراً كاملاً وبدأ رجال النظام في التنظير لرؤية أحادية للثقافة والأدب والفن وفي السيطرة على المبدعين وفرض تلك الرؤية الأحادية على إنتاجهم. أصبحت المدرسة الوحيدة المقبولة سياسياً هي ما عرف بالواقعية الاشتراكية ويمكن تلخيص مبادئ الواقعية الاشتراكية في مجال الأدب بالعناصر الآتية.

أولاً ، مركزية البطل الإيجابي المتبني للاشتراكية والمتجاوز للفردية وتعقيدات تركيبة الشخصية في الأدب “البرجوازي”. وثانياً الدعاية الفجة والمباشرة للاشتراكية من خلال الخطب المطولة للأبطال وثالثاً بساطة ووضوح الحبكة الروائية بحيث تتبع معادلة واحدة تبدأ بطرح المشكلة الاجتماعية ثم المصاعب في الطريق إلى حلها ثم النهاية السعيدة البناءة والانتصار بقيادة البطل الاشتراكي(لخصها أحد النقاد بسخرية في نموذج الحب في الأدب الواقعي الاشتراكي: الفتاة تحب الآلة -الفتاة تفقد الآلة- الفتاة تستعيد الآلة وتعود للعمل المنتج بسعادة). وثالثاً خلو الرواية . من عنصر السخرية أو الشك واستبدال ذلك باليقين الاشتراكي ووضوح الرؤية. ورابعاً الرفض التام والإدانة للمدارس الحداثية التي ظهرت في العقود الثلاث الأولى للقرن العشرين وقد تبلورت نظرية الواقعية الاشتراكية في مؤتمر الأدباء السوفييت في موسكو عام ١٩٣٤ وقام بالتنظير لها كارل راديك والذي كان قد تحول من أحد قادة المعارضة اليسارية لستالين إلى بوق من أبواق النظام (ولم ينقذه ذلك من أن يتم اعتقاله وإعدامه في حملة التطهيرات الثانية عام 1938.

يطرح راديك في الوثيقة الأساسية للمؤتمر أن شعار الواقعية الاشتراكية بنفس بساطة ووضوح شعار السوفيتات وشعار التصنيع والتجميع الزراعي في روسيا.

إن الواقعية الاشتراكية لا تعني فقط معرفة الواقع كما هو، ولكن معرفة إلى أين يسير. فهو يسير نحو الاشتراكية، يسير نحو انتصار البروليتاريا العالمية. والعمل الفني الذي يبدعه الاشتراكي الواقعي هو ذلك الذي يظهر إلى أين يؤدي الصراع والتناقضات والتي يراها الفنان في حياته ويعكسها في أعماله. يعني ذلك أن الواقعية الاشتراكية تتطلب معرفة وفهم دقيقين لهذا العصر المتناقض. وبالتالي فالأعمال العظيمة للواقعية الاشتراكية لا يمكن أن تكون نتيجة لملاحظات حول جزء من الواقع. فهي تتطلب أن يفهم الفنان الكل بشكل شامل.

هذه الرؤية تقسم الأدب العالمي إلى ثنائية بسيطة بين الثوري والمضاد للثورة وبين التقدمي والرجعي. فالأدب الذي يلتزم بتلك المبادئ الاشتراكية الواقعية هو تقدمي وثوري ويستحق التأييد والدعم من الحزب وما عدا ذلك فهو رجعي ومعادي للثورة ويجب محاربته .

وكانت تلك الرؤية بمثابة تحول 180 درجة عن المواقف الأصلية للبلاشفة في مجال الأدب والثقافة والتي كانت تدافع باستماتة عن الحرية المطلقة للتعبير الأدبي والفني وأن هذه الحرية في حد ذاتها هي أكبر نصير ثقافي للديمقراطية العمالية الوليدة ولكن كما ماتت الديمقراطية العمالية على يد البيروقراطية الستالينية، مات معها ذلك التفجر والتنوع الأدبي والفني في الاتحاد السوفيتي وتم استبداله بقوالب ميتة لا تعبر في واقع الأمر لا عن الاشتراكية ولا عن الواقعية بل عن التحول القصري للمجال الثقافي كله لخدمة مصالح البيروقراطية المستبدة.

وقد أثرت هذه الرؤية الستالينية للأدب كما سنرى تأثيراً كبيراً على مفاهيم وأطروحات العالم وأنيس في كتابهما.

الأدب والمجتمع

يدافع الكاتبان الراحلان عن أن الأدب كجزء لا يتجزأ من المجتمع وأنه لا يمكن في الواقع الفصل بين عملية إنتاج الأدب واستهلاكه وبين البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي ينشأ ويتطور فيه إن الأدب نتاج اجتماعي ما في ذلك ريب، فالأديب نفسه وليد البيئة التي نشأ فيها وترعرع في أحضانها. أنه ليس بالمخلوق الذي ظهر فجأة وسط غابة عذراء ليختار أن يكون أديباً.

ومن المسلم به اليوم أن صور الأديب وخياله ومشاعره ومزاجه الفكري مستمدة من واقع المجتمع الذي نشأ فيه، وفضلاً عن ذلك فعملية الكتابة والطباعة والنشر عملية اجتماعية لا يمكن تصور قيامها بغير الناس، الذين يكتب الأديب وينشر لهم ويؤثر فيهم.

وهذه هي نقطة البداية لأي تحليل أو نقد ماركسي للأدب فالماركسية ترفض فكرة أن الأدب والفن عموماً منفصلان عن المجتمع ويعبران عن معاني وقيم جمالية مطلقة عابرة للتاريخ. والكاتبان محقان في نقد تلك الأفكار في أعمال العقاد وطه حسين وغيرهم من “شيوخ” الأدب والنقد في تلك الفترة.

ولكن كون الأدب جزء من المجتمع ولا يمكن أن يفهم إلا في سياق اجتماعي وتاريخي هي مجرد نقطة بداية. فهي تطرح كثير من الأسئلة ماذا نعني بالمجتمع والتاريخ وكيف يرتبط بهما الأدب والفن؟ هل نعني بالمجتمع الوضع الاجتماعي المباشر الذي يعيش فيه الأديب وهل نعني بالتاريخ تلك اللحظة المحددة التي ينتج فيها العمل؟ وهل العمل الأدبي مجرد انعكاس مباشر للتاريخ والمجتمع أم أن العلاقة أكثر تعقيداً من ذلك؟

للأسف وقع الكاتبان تحت تأثير رؤى شديدة المحدودية وضيق الأفق حول هذه الأسئلة فيدافعان عن فكرة الانعكاس المباشر والتي تطرح أن الأدب والثقافة عموماً انعكاسا مباشراً للأساس أو البنية التحتية الاجتماعية الاقتصادية.

فيطرح العالم أن “الثقافة كتعبير فكري أو أدبي أو فني أو كطريقة خاصة للحياة، انما هي في الحقيقة انعكاس للعمل الاجتماعي الذي يبذله شعب من الشعوب بكافة فئاته وطوائفه، ومظهر لما يتضمنه هذا العمل الاجتماعي من علاقات متشابكة، وجهود مبذولة واتجاهات.”

والعالم يتجاوز جزئياً فكرة الانعكاس المباشر هذه بأنه يرى أن الثقافة بدورها لها تأثير على الواقع الاجتماعي فيطرح أن “الثقافة ترتبط بهذه العملية المتفاعلة لا ارتباط معلول محدد بعلة محددة، وإنما ارتباط تفاعل كذلك، مما يجعل من الثقافة نفسها عاملاً موجهاً فعالاً، كذلك في العملية الاجتماعية نفسها.

ولكن ما هي العملية الاجتماعية التي يتحدث عنها العالم؟ والتي يفترض أن يعكسها ويتفاعل معها الأدب؟

يجيب العالم: “ لا يكفي أن نقول أنها (أي ثقافتنا المصرية) انعكاس لهذه العملية الاجتماعية الكبيرة التي يمارسها المجتمع المصري بمختلف فئاته، إذ أن هذا إنما ينطبق على الثقافة كمدلول عام، ولكننا نحتاج إلى تحديد هذه العملية فيما يتعلق بواقعنا المصري. إننا لن نقوم بالدراسة التفصيلية للعوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تتفاعل بها العملية الاجتماعية التي تمارسها فئاتنا الشعبية جميعاً، وإنما نكتفي بالإشارة إلى الوضع الاجتماعي العام، وهو واضح بذاته.

فالاستعمار لا تزال جيوشه تجثم على بقعة عزيزة من بلادنا، والاستعمار لا يزال يضع العراقيل في وجه اقتصادنا القومي الناهض، والاستعمار لا تزال آثاره البغيضة عالقة بوجداننا الثقافي ونظمنا التعليمية هذا هو واقعنا المادي الذي لا سبيل إلى إنكاره، ولا سبيل إلى إغفال دلالته الموضوعية في كافة جوانب حياتنا القومية، وعمليتنا الاجتماعية إنما هي في الحقيقة موقف معين من الاستعمار، ومحاولة جاهزة دائبة للتحرر منه، في أشكاله المختلفة الاقتصادية والسياسية والثقافية، والمواطن المصري، بوعي أو بدون وعي، جزء غير منفصل من هذا الوضع الاجتماعي العام، وحياتنا الخاصة بكل ما فيها من انفعال وتعاطف وجهد وبناء، إنما ترتبط من قريب أو بعيد، بهذا الواقع الاجتماعي العام، أردنا ذلك أم لم نرد إذاً يختصر العالم العملية الاجتماعية والتاريخية في منتصف القرن العشرين في المعركة مع الاستعمار. ونحن بالطبع لا نريد أن نقلل من أهمية الاستعمار ومقاومته كعامل أساسي في تلك الفترة ولكن كان ذلك جزء لا يتجزأ من التحولات الضخمة التي شهدتها مصر في تلك الحقبة مع تطور الرأسمالية في ظل الاستعمار. فشهدت المدن نمواً غير مسبوقاً (تضاعف سكان القاهرة بين عام ١٩٣٠ و١٩٥٠) وانتشر التعليم غير الديني خاصة في فئات الطبقة الوسطى المدينية وهيمنت علاقات السوق والسلعية على علاقات الناس في المدينة والريف ونشأت طبقة عاملة صناعية ضخمة في الأربعينات وطرد الفلاحين الفقراء من أراضيهم. كل تلك التغييرات وغيرها أحدثت تحولات نوعية في الحياة اليومية وفي وعي ومفاهيم وثقافة قطاعات واسعة من الجماهير وكان هذا التحديث في ظل الاستعمار والاستبداد الملكي يحدث بشكل مليء بالتناقضات فتركز التصنيع في الدلتا والمدن الكبرى في حين ترك الصعيد في حالة ركود وبدأت العلاقات الريفية التقليدية في الانهيار دون أن تستبدلها علاقات أخرى حديثة واضحة المعالم وتوسعت طبقة “الأفندية” في المدن بسرعة أكبر كثيراً من توسع مجالات توظيفهم. وكثيراً من هؤلاء جاءوا إما من عائلات ريفية متوسطة أو من البرجوازية الصغيرة المدينية (كما في حال العالم وأنيس أنفسهم) تاركين وراؤهم عالم قديم من القيم والتقاليد والأخلاقيات وباحثين عن بدائل تتناسب مع حداثة مفترضة ومتناقضة.

إذاً كل هذه العوامل لعبت دورها في تشكيل البيئة الثقافية المصرية بتنوعاتها المختلفة ولا يمكن اختزالها في تلك الثنائية التي يصفها العالم بمواجهة بين اتجاه يعبر عن حركة بناء واقعنا المصري والقضاء على كافة القوى المعرقلة لنموه وتطوره (أي الاستعمار وأعوانه واتجاه يعبر عن هذه القوى نفسها التي تعرقل تطور واقعنا الاجتماعي (أي القوى المقاومة للاستعمار وأعوانه).

إذاً في هذه الرؤية هناك أدب تقدمي وطني يعبر عن الاتجاه الأول وهناك أدب فاسد مريض أو منقوص في أفضل الأحوال يعبر عن الاتجاه الثاني.

وإذا كان العالم يتحدث بشكل عام عن مركزية الاستعمار والموقف منه في تشكيل الثقافة والأدب فأنيس يذهب إلى أبعد من ذلك فهو في قراءته لكتابات نجيب محفوظ في الثلاثينات يصنفها كالتالي
أن نجيب محفوظ هو روائي البرجوازية الصغيرة المصرية في وضعها الجديد، عقب المرحلة الأولى للكفاح الوطني في مصر. وأهميته الأولى تتمثل في أنه ممثل الحركة الثانية للكفاح الوطني والاجتماعي، والتي تميزت بالهدوء النسبي والقلق والشك، وصراع البرجوازية تحت رحمة الأزمات الاقتصادية، والبحث عبثاً عن قيادة سياسية جديدة بعد أن فشلت الطبقة الوسطى المصرية في أن تقود الكفاح الوطني إلى شاطئ الحرية والاستقلال.

هذه إذاً المرحلة التي نعنيها، وهي مرحلة بدأت باهتة في أوائل الثلاثينات، ثم امتدت إلى نهاية الحرب العالمية الثانية.

وهنا نرى اختزال عنيف لأي عمل أدبي فتجربة محفوظ الشخصية وهي بالتأكيد تمتد من طفولته وتتضمن التأثيرات الثقافية والنفسية والأدبية في مختلف مراحل تلك التجربة هي كلها عوامل لعبت دورها في تشكيل روايات الثلاثينات التي يختزل دوافعها أنيس في مرحلة محددة من الكفاح الوطني بل وفي أثرها على طبقة واحدة وهي البرجوازية الصغيرة.

وفي واقع الأمر فإن هذا التصنيف للأدب طبقاً للطبقة التي يعبر عنها أقرب إلى علم اجتماع الأدب منه إلى النقد الماركسي. ففي علم اجتماع الأدب يتم تصنيف الأعمال الأدبية طبقاً للشرائح التي تعبر عنها (أدب عمالي، برجوازي صغير، برجوازي إلخ) والمشكلة هنا ليست في التصنيف الطبقي في حد ذاته ولكن في اعتبار الطبقات مجرد شرائح اجتماعية واقتصادية منفصلة بعضها عن بعض. أما النقد الماركسي فهو لا يكتفي إطلاقاً بهذه التصنيفات البسيطة والميكانيكية. فكل طبقة هي أولاً مليئة بالتناقضات الداخلية وثانياً فهي غير ثابتة تاريخياً فهي دائمة التحول مع التطور الرأسمالي وثالثاً هي جزء من صورة أكبر يلعب فيها الصراع الطبقي دوراً هاماً في تشكيل خطابها وتصوراتها وأدبها. فيحتاج النقد الماركسي أن يقرأ ولو بشكل سلبي وضع وصورة الطبقة العاملة والفلاحين والبرجوازية في ذلك الخطاب.

الالتزام السياسي والأدب

مسألة الالتزام السياسي والأدب قد شغلت النقد الماركسي لعقود طويلة. ما هو الموقف السياسي والطبقي للكاتب؟ كيف يجب أن يؤثر ذلك على شكل ومضمون فنه. والسؤال في حد ذاته مفيد إذا ما اكتمل بالتركيبة النفسية للكاتب وبتأثره بمختلف المدارس الأدبية وبالفترة والظروف التي تكونت فيها شخصيته وذاته الأدبية. ولكن مدرسة الواقعية الاشتراكية ركزت كل اهتمامها بموقف الكاتب الآني من أحداث ومعارك سياسية آنية – أي التزامه من عدمه بمشروع بناء الاشتراكية وتدمير الرأسمالية (في الاتحاد السوفيتي والدول الرأسمالية المتقدمة) وبالنضال من أجل الاستقلال الوطني والتحرر من الامبريالية (في دول العالم الثالث). فطبقاً لهذه الرؤية فموقف الأديب هو الذي يحدد شكل ومضمون عمله ومواقف وأفعال شخصيات وأبطال أعماله.

يطرح راديك في وثيقة مؤتمر الأدباء السوفييت أن الأدب هو انعكاس للحياة الاجتماعية، ولذلك فإن تقييمه يجب أن يتم على أساس الموقف الذي يتخذه تجاه وقائع التطور التاريخي الكبرى مثل الحرب وثورة أكتوبر والفاشية ويعتبر راديك أن الواجب الأول للأدب البروليتاري هو كشف التحضيرات الإمبريالية للحرب، وجهد الاتحاد السوفيتي الجبار من أجل السلام، وأن يبينوا للجماهير لماذا يتم دفعهم نحو الحرب وكيف يناضلون ضدها أي أن للأديب الملتزم دوراً محدداً دعائياً في جوهره في المعارك السياسية الآنية ولكن قارن هذا الموقف بالرؤية الفاشية للأدب. يقول أحد النقاد الفاشيين في إيطاليا في عصر موسوليني:

نحتاج لكاتب سيرى قرانا سعيدة وفلاحينا تملئوهم الفرحة وعمالنا هادئين وواثقين في الأمة، كتاب سيرون طرقنا المنبعثة من روما وهي تصل لكل أركان الأرض، ويسمعود الحديدي لموسوليني يملأ الساحات.

وقارن ذلك بأطروحات الإسلاميين عندنا حول الأدب الهادف والملتزم والذي يعلم ويوجه الجماهير في الطريق “الصحيح”.

ويردد العالم وإن كان بشكل أقل وضوحاً نفس ذلك الطرح السوفيتي الضيق لدور الكاتب وضرورة التزامه برؤية محددة سلفاً للعالم الذي يعيش فيه.

إن هذا يضع يدنا على الضرورة الثانية من ضرورات الواقعية في الأدب. لا يكفي أن يكون فهم الأديب متكاملاً، وإنما ينبغي أن يكون فهماً متطوراً كذلك. هذه هي النظرة الوحيدة التي تحترم الإنسان وتؤمن بمستقبله، وهي نظرة تجعل من صناعة الأدب رسالة، ومن الأديب رسولاً مسئولاً إن على أكتاف الأدباء المصريين مسئولية جسيمة نحو الشعب الذي يكتبون له. وإذا كان كثير من شيوخ الأدب قد قصروا في أداء هذه الأمانة، فالأمل معقود على شبابنا في أن يعوضوا هذا النقص، وأن ينتجوا لنا من الأدب ما نفاخر به بين الآداب العالمية الواقعية. إذا كانت الثقافة انعكاساً لعملية الواقع الاجتماعي وكان الواقع الاجتماعي كفاحاً من أجل التحرر، كان علينا أن نحدد مدلول الثقافة المصرية من داخل إطار هذا الواقع المصري.

فكل إيحاء للقارئ، بالأفكار والعواطف قد يكون إيحاء إنسانياً خيراً، وقد يكون إيحاء شريراً، قد يكون إيحاء يعزل الإنسان أكثر فأكثر عن الواقع ويجعله يدير ظهره للحياة، وقد يكون إيحاء بالاندفاع نحو الحياة واعتصارها، قد يكون إيحاء بالتعاطف مع المجموع والأمل والثقة في الإنسان.

ولعل أهم الماركسيين الذين انتقدوا هذا الموقف الضيق والمحدود لدور الأدب هو ليون تروتسكي وهو أحد القادة الرئيسيين للثورة البلشفية قبل انقلاب ستالين. فقد طرح تروتسكي أن إدانة الشاعر بسبب مشاعره أو أفكاره هو موقف لا يقل عبثية عن ما كان يحدث في العصور الوسطى عندما كان الجمهور يضرب الممثل الذي يقوم بدور يهوذا بل يذهب تروتسكي لأبعد من ذلك فهو يرى أن أسوأ أعمال بعض الأدباء هي تلك التي تنبع بشكل مباشر من مواقفهم والتزامهم السياسي حتى وإن كانت تلك اشتراكية وثورية ففي نقده الهام لأعمال ماياكوفسكي (والذي عرف فيما بعد بشاعر الثورة) يعتبر أفضل أعماله هي تلك التي كانت تعبر عن مشاعره وأفكاره شديدة الخصوصية والفردية كقصيدة “سحابة” وليست تلك التي كتبها بغرض سياسي مباشر مثل “150 مليون”.

ولعل أعنف نقد قدم من وجهة نظر ماركسية لفكرة الالتزام السياسي للأديب جاءت على يد تيودور أدورنو المفكر والناقد الماركسي وأحد مؤسسي مدرسة فرانكفورت النقدية والذي كان يرى الأعمال التي تعبر عن الالتزام السياسي في واقع الأمر تساعد أحياناً على بقاء الوضع القائم على ما هو عليه وليس على نقده أو تثويره بل أن العمل الأدبي حين يتحول إلى أداة للدعاية السياسية فهو يسخر من المعنى الأعمق للالتزام السياسي.

يبحث أدورنو عن هذا المعني الأعمق ليس في الموقف المباشر للكاتب ولا لنموذجية شخصية الأبطال ولكن في ثورية الشكل وعلاقته الجديدة بالمضمون ورفضه العميق للواقع الرأسمالي بسلعيته واغترابه.

بل يعتبر أدورنو إن الوظيفة الاجتماعية للنقاش حول الالتزام في الفن تصبح عرضة لكثير من الالتباس. فالاتجاهات المحافظة في الثقافة والتي تطالب بأن يقول الفن شيء ذو معنى يتحدون مع أعدائهم السياسيين في مهاجمة الفن المعقد أو المغلق على نفسه جرائد ومجلات اليمين تعبر بشكل دائم عن استيائها من الفن “غير الطبيعي” و”غير المفهوم” وال”مريض” واليائس” وهذه الآراء تعبر عن الاتجاه المحافظ والذي يريد احترام واجهة مجمدة للآراء وللمجتمع، ويقاومون تلك النزعات التي تخلق الاضطراب لإثارة عناصر من اللاوعي لا يمكن لهؤلاء الاعتراف بها.

ويطرح أدورنو أن العداء لكل ما هو غريب أو مغترب يتأقلم بسهولة أكبر مع الاتجاهات الواقعية في الفن حتى وإن نعت نفسها بالنقدية أو الاشتراكية عن تلك الاتجاهات التي ترفض أي شعارات سياسية والتي تثير الاضطراب في المنظومة الكاملة لتلك الأفكار الجامدة التي تتحكم في الإنسان المقهور. وذلك الإنسان يتعلق بتلك الاتجاهات الفجة والتبسيطية كلما افتقد الثقة في التقدير العفوي لأي شيء ليس له ختم الموافقة الرسمية.

إن نثر كافكا ومسرح بيكيت لهم تأثيراً إذا ما قارناه بتأثير الأدب الملتزم لن يتجاوز الأخير فن البانتومايم. فكافكا وبيكيت يثيرون المخاوف التي تتحدث عنها فقط الوجودية. فهم بتفكيكهم لما هو ظاهر يفجران من داخل الفن ما يواجهه الفن الملتزم من الخارج فقط. وبالتالي بشكل ظاهري وسطحي. إن قوة أعمالهم تفرض تغيير الرؤية والموقف اللتان يطالب بهما فقط الفن الملتزم. إن الذي مرت من فوقه عجلات كافكا قد فقد إلى الأبد السلام مع العالم وأيضاً مع مجرد إراحة الضمير بتقييم أن العالم سيء.

إن عنصر التأكيد الذي يختبئ في التصريح بهيمنة الشر يتم حرقه حتى في أكثر الأعمال تعقيداً وإبهاماً فهناك دائماً مختبئ بداخلها فكرة أن “يجب أن تكون الأمور على غير ما هي عليها” ويكتب أدورنو عن ظاهرة خطيرة في مسألة الالتزام في الأدب.

نجد هناك نوع من التحالف بين من يدافعون عن الأدب الملتزم والواضح ومن يهاجمون الفن الحديث لأنه صعب أو غير مفهوم وما يوحد الاتجاهين هو خوف البرجوازية الصغيرة من عالم اللاوعي سواء كان هؤلاء من المدافعين عن الأخلاق المحافظة في الغرب أو منظري الواقعية الاشتراكية في الشرق.

وحتى جورج لوكاش المفكر الماركسي العملاق والذي كان رافضاً هو الآخر لفن وأدب الحداثة الطليعية ومدافعاً شرساً عن الواقعية فكان يرى أن العلاقة بين موقف الأديب بل حتى الحلول الاجتماعية والسياسية التي يطرحها في أدبه غير ذات شأن في تقييم العمل الأدبي. فلننظر على سبيل المثال إلى قراءة لوكاش لأدب فيودور دستويفسكي عبقري الرواية الروسية في نهايات القرن التاسع عشر. يكتب لوكاش أن الجوهري هو كيف تطرح الأسئلة والإشكاليات في شكل الحياة الجديدة والأقدار الجديدة للإنسان- أما الإجابات والحلول التي تظهر بشكل طبيعي في الأعمال الأدبية فلها طابع عشوائي وغير هام. ويقتبس لوكاش عن أنطون تشيكوف قوله أن المطلوب من الفنان الطريقة الصحيحة في طرح الإشكالية وليس الحل المطروح لها.

ويطرح لوكاش أن هذه الرؤية لها أهمية خاصة عند تقييم دستويفسكي فكثير من أو أغلب حلوله الاجتماعية والسياسية ليست فقط خاطئة ولا تمت بصلة بالواقع الحاضر بل كانت رجعية وماضوية عندما طرحت إن الحلول التي يطرحها دستويفسكي في كتاباته الصحفية كما في رواياته تتمحور حول العودة الى الكنيسة الروسية الأرثوذوكسية. ولكن صحة وعمق تساؤلاته الشعرية تجعله يتجاوز تلك الحلول الضيقة.

ينتصر السؤال الشعري على الوعي والأطروحات السياسية لدى الأديب فبالنسبة للوكاش عندما يطرح الكاتب السؤال الشعري بالشكل الصحيح فهو ينتصر على الأغراض السياسية أو الحلول الاجتماعية التي يقدمها.

يركز لوكاش في قراءته لدستويفسكي على الأزمة الوجودية لشخصيات رواياته ولكنه يضعها في إطار التحولات الاجتماعية والتاريخية التي شكلت الإطار لتلك الأزمات هذه التجربة مع الذات، وتنفيذ فعل ما ليس من أجل مضمون وتأثير ذلك الفعل بقدر ما هي من أجل أن تعرف الذات نفسها لأقصى عمق ممكن. وهي أحد الإشكاليات الإنسانية الأساسية في العالم الثقافي والبرجوازي في القرن التاسع عشر والعشرين
فقط عندما تتحول تلك الفردية إلى الداخل وعندما تفشل في إيجاد نقطة ارتكاز سواء في الأهداف الاجتماعية المعاصرة أو في الدوافع العفوية لطموح شخصي، فقط عند تلك النقطة تبدأ إشكالية تجارب دستويفسكي في الظهور.

إن أفعال شخصيات دستويفسكي، رغم تنوعها، لديها صفة واحدة مشتركة. فهي كلها بدون استثناءات أفعال أشخاص يعانون من الوحدة- أشخاص مستقلين تماماً وهم يحاولون فهم الحياة وبيئتهم، ويعيشون في درجة من العمق والكثافة داخل أنفسهم بحيث يصبح روح الآخرين إلى الأبد كبلاد غير معروفة. الآخر بالنسبة لهم هو قوة غريبة ومخيفة إما أن يتم قهرها أو تقهرهم.

ويعتبر لوكاش أن أفعال هذه الشخصيات بمثابة تمرداً على التشويه الذي يحدثه التطور الرأسمالي للبنية الأخلاقية والنفسية للإنسان. فهي تذهب إلى نهاية المطاف في التشوه والتفكك والانهيار، وهو أعنف إدانة لشكل تنظيم الحياة وتحولاتها في زمنه وهكذا نرى كيف يجد لوكاش في أعمال دستويفسكي نقداً عنيفاً للعالم الرأسمالي ولتأثيراته رغم أفكار دستويفسكي الدينية والرجعية. كم تتناقض هذه الرؤية مع تلك التي تعتبر موقف الكاتب المباشر ليس فقط مدخلاً لفهم أدبه بل حكم مسبق على قيمة فنه.

بين الواقعية والحداثة في الأدب

كان إميل زولا قد تنبأ بنهاية المدرسة الواقعية في الرواية:”كيف يمكننا باستخدام البنية الروائية الواقعية أن نكتب أي شيء ليس له طابع الإقليمية المحدودة وهو ما يعني رواية غير واقعية في وجه كل هذا التزامن والتداخل المكاني؟ فالبنية الواقعية كانت تفترض أن القصة يمكن أن تروى كما لو كانت تحدث بشكل منطقي بتسلسل الحدث بعد الحدث في الزمن. هذه البنية لم تعد صالحة للتعامل مع واقع يحدث فيه حدثين في نفس الوقت ولكن في أمكنة مختلفة ويغير تداخلهما في الطريقة التي يعمل بها “العالم.

ولهذا فإن تجاوز الواقعية بشكلها الكلاسيكي لم يكن مجرد اختيارا فنياً لا يريد مواجهة الواقع بل كان ضرورة فرضها التغيرات الهائلة التي شهدها ذلك الواقع منذ العقود الأخيرة للقرن التاسع عشر
وقد انطلق الفن الحداثي للتعامل مع هذا الواقع الجديد في أكثر من اتجاه: بدأ جيمس جويس على سبيل المثال في التعبير عن هذا التداخل بين الزمان والمكان بالإصرار على أن اللحظة الحالية هي الموقع الحقيقي الوحيد للخبرة الإنسانية. فأحداثه تقع في أكثر من مكان وفي أكثر من وعي وتقفز حول الكون في تداخل يتحدى الرؤية التقليدية والأحادية للزمان والمكان.

أما مارسيل بروست فقد حاول استرجاع الماضي وأن يخلق شعوراً بالفردية وبالمكان على أساس مفهوم جديد للخبرة الإنسانية.

أما بيكاسو وبراج فأخذا نقطة البداية من أسلوب سيزان والذي كان قد بدأ في تفكيك وتجزئة المكان- المساحة في اللوحات بطريقة جديدة في ثمانينات القرن التاسع عشر وبدأ الفنانان في التجريب بالتكعيبية والتي تخلت نهائياً عن رؤية أحادية ومتناسقة للمكان مساحة من الزمن.

وهناك تنبؤاً عبقرياً لكارل ماركس في البيان الشيوعي للتحولات التي يفرضها التطور الرأسمالي على حياة الناس وبالتالي على وعيهم وخيالهم وإبداعهم. كل ما هو صلب يذوب في الهواء، كل ما هو مقدس يدنس، والبشر أخيراً مجبرون على مواجهة الظروف لحقيقية لحياتهم ولعلاقاتهم مع الآخرين بحواس منتبهة التثوير الدائم للإنتاج والاضطراب غير المنقطع لكافة العلاقات الاجتماعية والتوتر وعدم اليقين الذين لا يتوقفان- هذه العوامل تميز الحقبة البرجوازية عن كافة الحقب السابقة. وهذا العالم الجديد بكل ما كان يثيره من آمال ومخاوف وتغيير في أنماط الحياة وغربة الحياة في المدينة وظهور الطبقة العاملة بإمكانياتها الثورية والتحولات التكنولوجية الضخمة التي شهدتها العقود الأولى للقرن العشرين والحرب والدمار غير المسبوق والتي مكنتها هذه التحولات وتركيز وتحول خبرة الزمان والمكان. هذا العالم هو ما كان يحاول التفاعل معه أدباء وفنانين الحداثة.

وكان من أهم التطورات في الأدب الحداثي هو محاولة تحطيم الهالة التي ارتبطت بالأدب والفن الكلاسيكي. والتعامل مع الحياة اليومية “العادية” والغوص في قاع المدينة لاكتشاف والتعبير عن هذا العالم الجديد الذي تخلقه.

إن المحافظين والمدافعين عن الثقافة الرفيعة يستهجنون هذه التجارب المدينية الحداثية ويصفونها بالفجاجة والانحطاط والخلو من قيم اجتماعية أو روحية. ولكن عندما يفقد شاعر بوديلير على سبيل المثال هالته ويظل يتحرك عبر الشوارع يقع على اكتشاف عظيم. فهو يفاجأ بأن هالة النقاء الفني وقدسيتها لا حاجة لها للفن فالشاعر يستطيع أن يزدهر في الجانب الآخر من المدينة في كل تلك الأماكن القذرة وغير الشاعرية. إن إحدى تناقضات الحداثة بالنسبة لبودلير هي أن شعرائها يصبحون أكثر عمقاً وصدقاً عندما يصبحون مثل الرجل العادي في شوارع المدينة. فبودلير يريد للأعمال الفنية أن تولد في زحام الشارع ومن طاقته الفوضوية ومن الخطر والذعر الدائمين للوجود في شوارع المدينة ومن الفخر المؤقت للإنسان الذي تمكن حتى الآن من البقاء حياً.

الحداثة في الفن ليست فقط انعكاس للتشيؤ والاغتراب في الحياة الاجتماعية منذ نهاية القرن التاسع عشر ولكن أيضاً تمرداً ضد هذا التشيؤ وفعل رمزي يتضمن تعويضاً طوبوياً للظروف التي تزداد لا إنسانيتها على مستوى الحياة اليومية. وعلينا أن نكتشف العلاقة والاستمرارية بين هاذين المجالين- مجال ممارسة اللغة في العمل الأدبي وعالم الحياة اليومية باغترابها المتزايد وللعقلنة والعلمنة الرأسمالية المتسارعة. أن نرى هذه الأخيرة كالسياق المحدد والإشكالية والتناقض الذي يأتي العمل الأدبي كحل رمزي له.

ولعل ما يظهر لنا الأزمة في منهج النقد لدى عبد العظيم أنيس ومحمود العالم هو تعاملهم مع أدباء الحداثة وهم في هذا أيضاً يتبعون المدرسة السوفيتية الستالينية نصاً ومضموناً فيكتبان على سبيل المثال حول شعر ت.س.إليوت.

هو يحمل على الحضارة الصناعية الحديثة ويتهمها بأنها أرض خراب لا خصوبة فيها، وبأن إنسانها كائن أجوف مليء بالقش والفراغ والتفاهة… وشعر إليوت لا يخرج من هذا المضمون العام وقد تمكن من إبرازه والكشف عنه وصياغته في صور أدبية فريدة كذلك، مستعيناً ببعض ما استعان به جويس من منولوج داخلي، وتداعي حر للمعاني، وفواصل شعرية مفاجئة، وانطباعات سريعة، وبهذه الصورة الأدبية الخاصة وقف إليوت، عند الكشف عما يجتاح الضمير الإنساني الحديث من أزمات وتناقضات واستسلام دون أن يكشف عن الجانب الآخر من هذا الضمير وما يتفاعل فيه من جهود صادقة للتحرر والبناء.

هذا النقد التبسيطي لشعر إليوت وخاصة قصيدة “أرض الخراب” والذي يدعي أن شعره هو انعكاس لعوامل أيديولوجية واقتصادية- تحديداً الفراغ الروحي وانهيار الأيديولوجية البرجوازية نتيجة لأزمة الرأسمالية الاستعمارية والتي تجلت في الحرب العالمية الأولى.

يفشل تماماً في كشف مختلف مستويات التوسط والتفاعل بين النص نفسه وبين الاقتصاد الرأسمالي
فهو يتجاهل على سبيل المثال الوضع الاجتماعي المعقد للشاعر إليوت نفسه والذي عاش علاقة مبهمة مع المجتمع الانجليزي كأرستقراطي أمريكي مهاجر أصبح فيما بعد موظفاً في المدينة ولكنه كان مرتبطاً بشدة بالأفكار المحافظة التقليدية ومعادياً للأفكار التجارية الاستهلاكية.

لا يقول لنا مثل هذا النقد أي شيء مفيد حول بنية ومضمون الأيديولوجية وعن تعقيداتها الداخلية وعلاقة كل ذلك بالتركيبة الطبقية المعقدة للمجتمع الانجليزي في ذلك الوقت.

وإذا اعتمدنا على مثل هذا النقد التبسيطي فلن نفهم شيء عن الشكل واللغة في شعر إليوت ولماذا اختار الشاعر رغم مواقفه السياسية اليمينية المحافظة اختار أكثر الأساليب والأشكال الأدبية تجريبية وتقدمية المتاحة في ذلك الوقت وكيف نفهم الأساس الأيديولوجي لمثل هذا الاختيار.

ولن يساعدنا مثل هذا النقد في فهم وضع إليوت الاجتماعي كفنان وجزء من حركة فنية ونخبة تجريبية طليعية لها نمط محدد للنشر (المطبعة الصغيرة و المجلة محدودة الانتشار) أو أن نفهم نوع وطبيعة جمهور القراء وكيف يؤثر ذلك على الأساليب والأشكال الشعرية .

ويشعر أمين والعالم بالقلق مما كان حادثاً في الأدب الحديث من تحولات ولكننا نشهد تحولاً خطيراً في الرواية الغربية البرجوازية الحديثة، له دلالته الاجتماعية بلا جدال. فمع الأسف لم تعد مسألة خلق الشخصية الإنسانية الشاغل الرئيسي للروائي الغربي الحديث. إن الرواية الحديثة اليوم تكاد تهتم بكل شيء تقريباً، إلا خلق الشخصية الإنسانية.

وفي الأدب الانجليزي والفرنسي الحديث أمثلة كثيرة تدل على الهرب من هذا الالتزام. لقد اختفت الشخصية الإنسانية (أو كادت) من الرواية المعاصرة، وباختفائها كان طبيعياً أن يختفي البطل كذلك. إذ أنه الضرورة الحتمية لكل محاولة لخلق الشخصية الإنسانية.

ولكن اختفاء البطل وما يسميه الكاتبان بالشخصية الإنسانية وكأن هناك شخصية غير إنسانية مرتبطان عضوياً بتفكك وتأزم الذات في المدينة الرأسمالية الحديثة. وبالتالي فإن مطالبة الأدباء بالاستمرار في الكتابة في القرن العشرين بواقعية القرن التاسع عشر هو نوع من الطوباوية الرجعية ورغبة في العودة إلى عالم أكثر ألفة وبساطة، عالم فيه البطل الإنسان المثقف الذي يطرح نفسه كقدوة للجماهير، عالم من الثنائيات الواضحة والاختيارات البديهية بين الخير والشر وبين التقدم والتخلف إلخ. ولكن سواء شئنا أو أبينا فقد مات هذا العالم مع بدايات القرن العشرين ودمره بلا رجعة ليس فقط التصنيع ونمو المدن بل أيضاً الحرب والثورة. وكان ذلك كله كان يحتاج بالتأكيد إلى فن وأدب جديدين وهو التحدي الذي واجهه أدباء وفنانين الحداثة.

ويطرح أنيس في نهاية الكتاب اقتباسا من مكسيم جوركي وتعليقاً عليه يوضحان كيف أن المثالية هي التي تحرك رؤيتهم وليس الواقعية التي يتحدثون كثيراً عنها.

لسنا نجد لختام هذا المقال خيراً من أن نقتبس شيئاً عن موقف جوركي من مسألة البطل إذ يقول “يجب أن نظهر على المسرح المعاصر بطلاً واقعياً بأوسع ما في هذه الكلمة من معنى، وعلينا أن نظهر للناس الكائن المثالي، الذي يرتقبه العالم منذ الأزل” وليس من شك أن هذه الكلمة لجوركي لا ترتبط بالمسرح فحسب، بل هي المهمة الرئيسية للفن التقدمي الحديث، فلنعد للبطل المثل الأعلى، الذي قضت عليه واقعية القرن الماضي باعتباره فلتة لا وجود لها في الحياة.

إن النقد الستاليني الذي تبناه العالم وأنيس والذي كان سائداً في الاتحاد السوفيتي والأحزاب الشيوعية في منتصف القرن الماضي قد تغاضى عن كل تلك المستويات المختلفة والمتداخلة واكتفى برفض الأدب الحداثي والتجريبي الذي مثله إليوت وجويس وكافكا وبروست واعتباره كله مجرد انعكاس لعالم برجوازي مريض يحتضر وليس تعبيراً حديثاً وثورياً لرفض ذلك العالم بكل ما فيه من اغتراب وتسليع وتشيؤ وبيع وشراء وقتل وتجريد من الإنسانية.

لم يرى أنيس والعالم وأساتذتهم السوفيت أن الأشكال الأدبية الحديثة التي تبناها هؤلاء وغيرهم في العقود الثلاث الأولى للقرن العشرين تجاوزت واقعية القرن التاسع عشر ليس بسبب احتضار الرأسمالية ولكن بسبب التغيير الهائل الذي حدث في بنيتها مع انتشار الميكنة وأساليب النقل والاتصال الحديثة وتحول غالبية سكان الدول لرأسمالية المتقدمة من الريف إلى المدينة وكل ذلك غير بشكل جذري الخبرة اليومية للزمان والمكان لم تعد الأشكال الأدبية التقليدية بما فيها الواقعية قادرة على التعبير عن أنماط الحياة الحديثة بتناقضاتها وإيقاعاتها ومخاوفها وأحلامها .

ولعل جانب آخر قد زاد من مصيبة ذلك النقد التقليدي فبجانب رفض الأساليب الحداثية بشكل عام كان هناك رفضاً صارماً لنظريات العقل الباطن التي طرحها سيجمند فرويد في بداية القرن وأصبح لها تأثيراً كبيراً في المدارس الفنية والأدبية الحداثية. ولكن الاتحاد السوفيتي في ظل ستالين كان قد رفض علم التحليل النفسي برمته واعتبر نظريات فرويد هي الأخرى مجرد انعكاس للمجتمع البرجوازي المريض واتخذ موقفاً أخلاقياً لا يختلف في جوهره عن الموقف الديني والذي اعتبر تركيز فرويد على دور الجنس في تشكيل العقل الباطن نوع من الانحلال البرجوازي وليس تشريحاً عبقرياً لدور العائلة البرجوازية في تشكيل اللاوعي لدى الفرد بكل أحلامه وكوابيسه ومخاوفه ورغباته.

ولكن العالم وأنيس ظلا منغلقين تماماً لهذه التجارب الطليعية فهذا ما يكتبونه عن رواية جيمس جويس العظيمة “يوليسيس. وفي هذا العمل الأدبي نجد الصورة الأدبية، بوسائلها الصياغية المختلفة، تعمل على تنمية أبطال الرواية والكشف عن باطنهم وما يتضمنه من انحراف، وإبراز المضمون المريض إبرازاً فائقاً، ولقد وقف جويس عند حدود إبراز الجانب المنهار من الحضارة الحديثة دون أن يكشف الجوانب الأخرى المتوقية النامية في هذه الحضارة، ولهذا وقفت به الصورة الأدبية عند هذا المضمون الخاص.

وهم مدركين لكون هذا الأدب يتضمن أشكالاً وتقنيات أدبية جديدة مثل المونولوج الداخلي والتداعي الحر للمعاني وتداخل الأخلية وعكس اتجاه الزمان ولكنهم يرون في هذه التقنيات إنعكاساً ” للانهيار والتناقض والتفسخ والانحلال التي تتميز بها الحضارة الحديثة، وأبطال الرواية عناصر مريضة مهزومة يحركها الانحراف والشذوذ” ولعل مثالاً آخر لمثالية وأخلاقية الرؤية التي طرحها الكاتبان تظهر في تناول عبد العظيم أنيس لأدب إحسان عبد القدوس فهو يكتب : لماذا يختار إحسان كل أبطال فصصه أفراداً في طريق الهاوية إلى الانحلال الأخلاقي والتعفن النفسي وتدهور الضمير؟ لماذا كانت الدعارة وبيع الأجساد بالمال موضوعاً عاماً في إنتاج إحسان الأدبي؟ إن إحسان يجيبنا بقوله: لا أستطيع غير ذلك، هذا هو الواقع.

ومن المسلم به أن أبطالاً من هذا الطراز موجودون أحياء في مصر، وأنه يستطيع أن يجدهم متى ذهب إليهم وقضى معهم بعض الوقت في ملاهي عماد الدين أو سهرات الأوبرج أو نوادي السباق أو حفلات الطبقة الراقية. فمثل هذه الأماكن مملوءة بالنفوس التي حطمها الضجر والخمور وشراء الأجساد بالمال وتعاطي المخدرات وموت الضمير.

ولكن هل صحيح أن مصر كلها على هذا الطراز؟ إن هناك مصراً أخرى، مصر التي يعيش فيها ملايين من العمال والفلاحين والطلبة والموظفين يعملون في المصانع والحقول والمعامل والدواوين. مصر التي يتصارع في ضميرها القلق والأمل، مصر التي حاربت في القنال وما زالت تصارع دفاعاً عن استقلالها وشرفها وحريتها، بالاختصار هناك شعباً بأسره يضطرب بالحياة والقلق والتطلع إلى المستقبل. ومثل هذه الحياة. مثل هذه الملايين من أبناء الشعب، تستطيع أن تزود الفنان بمادة حية لفنه لو شاء هو أن يختار.

يجب أن نفرق هنا بين انحياز عبد العظيم أنيس السياسي للعمال والفلاحين والذي يظهر في الفقرة السابقة وبين رؤيته التبسيطية والمثالية لمسألة الأخلاق. ونحن لا ندافع هنا عن أدب إحسان عبد القدوس أو اختياراته لمادته بل ندافع في واقع الأمر عن درجة أكبر من الحرية في الاختيار ودرجة أكبر من العمق في التعامل مع الشخصيات الحديثة بكل تعقيداتها وتناقضاتها. فأنيس هنا يطرح ثنائية مريحة تضع الأغنياء في الموقف الأخلاقي المنهار والمنحل والغارق في عالم الدعارة والخمر (لاحظ تقارب الرؤية من النقد الديني لنفس الفئات) أما العمال والفلاحين والموظفين فهم أنقياء يكدحون ويعبرون عن مصر الوطنية المناضلة إلخ.

ولكن هل الدعارة والخمر والمخدرات حكراً على الأغنياء وأليس الفقر والاغتراب والتهميش والتشريد الذي يعاني منه قطاعات واسعة من العمال والفلاحين والموظفين يدفع الكثير منهم نحو نفس هذه المهارب من الواقع الأليم؟ أم أن الفنان الواقعي عليه أن يكذب وأن يعطينا صورة مثالية عن العامل المناضل والفلاح المكافح والمثقف الثوري؟

نحو نقد ماركسي جديد

كان من أشهر اللوحات الدعائية الستالينية في منتصف الثلاثينات لوحة ضخمة لفلاحة تحمل منجلاً ترفعه نحو السماء وإلى جانبها عاملاً يحمل مطرقة ويرفعها في نفس الاتجاه. وقد بدا على الفلاحة صحة وفرحة لا مثيل لهما فهي ممتلئة وقوية وجميلة واحمرار وجهها ينير اللوحة والعامل أيضاً قوي البنية ذراعيه تمتلئ بالعضلات ووجه المبتسم ينم عن سعادة مطلقة. وفي نفس فترة إنتاج تلك اللوحة كان يموت أكثر من عشرين مليون فلاح من الجوع في الإتحاد السوفيتي وامتلأت المعتقلات ومعسكرات العمل القصري بملايين العمال. إن هذا النوع من الفن وما يوازيه في مجال الأدب والتنظير الذي برر له بحجة خرافة الواقعية الاشتراكية وربطه الكثيرين ظلماً بالنقد الماركسي قد مات ودفن مع موت الستالينية نفسها. ولكن علينا أن نفهم لماذا دافع مثقفين مثل العالم وأنيس عن ذلك المنهج. أول ما يجب أن يطرح هو أن صورة الاتحاد السوفيتي في منتصف الخمسينات خاصة تلك التي كانت تصل بلداننا لم تكن تكشف عن الأهوال التي يسهل علينا اليوم الحديث عنها. فالاتحاد السوفيتي كان قد انتصر على ألمانيا النازية وحرر أوروبا والعالم منها. والاتحاد السوفيتي استطاع أن يتحول من بلد زراعي متخلف إلى بلد صناعي متقدم ينافس الغرب الرأسمالي في جميع المجالات. وبالنسبة لمثقفين الطبقة الوسطى الحديثة في بلد مثل مصر فكان جوهر قضيتهم هو تحرر البلاد من الاستعمار والتقدم الصناعي والقضاء على الفقر والأمية. ولذا فليس غريباً أن يصبح الاتحاد السوفيتي نموذجاً استثنائياً في التحرر والتقدم لدى عشرات الآلاف من مثقفي العالم الثالث والمستعمر. وأن تعتبر “الماركسية” التي ينتجها ما كان يعرف بقلعة الاشتراكية في مختلف المجالات بما فيها النقد الأدبي مرجعاً يصعب التشكيك في الثوابت التي يطرحها.

كل ما حاولنا طرحه في هذا المقال النقدي أن هناك ماركسية أخرى أنتجت نقداً أدبياً وفنياً وثقافياً غنياً ومتنوعاً لا يمكن تلخيصه في بعض المعادلات التبسيطية. تلك الماركسية لم يكن لها موقفاً موحداً من الأدب فقد اشتهرت الثلاثينات بسجالات حادة بين عمالقة النقد الماركسيين أمثال جورج لوكاش وتيودور أدورنو ووالتر بنيامين وبرتولد برخت وإرنست بلوك. وقد تطور النقد الماركسي كثيراً منذ ذلك الحين فرغم فترة الظلام الذي فرضتها الستالينية والدمار الذي أحدثته النازية والفاشية فمنذ نهاية الستينات وهناك صحوة جديدة في النقد الثقافي والفني والأدبي الماركسي. صحوة تستفيد ليس فقط من التراث الماركسي الغني بل من التفاعل مع المدارس النقدية الأخرى خاصة تلك التي تركز اهتمامها بالنصوص في حد ذاتها (الشكلانية وما بعد البنيوية المعاصرة) أو تلك التي تغوص في أعماق اللاوعي على أسس اكتشافات سيجموند فرويد وكثير من من طور من أطروحاته -لاكان على سبيل المثال.

إن أحد الافتراضات الأساسية للنقد الثقافي والأدبي الماركسي هو أن مختلف الأدوات النقدية من التحليل اللغوي للنص إلى التحليل النفسي والتفسير التاريخي لا يتم رفضها بل الربط بينها على أساس رؤية أشمل تدمج هذه الأدوات في رؤية تاريخية أشمل متعددة المستويات. فالهدف هو التجاوز الجدلي لهذه الأدوات وليس رفضها.

ولعل أحد أهم إسهامات النقد الماركسي الحديث جاءت في كتابات الناقد الثقافي والأدبي الماركسي الأمريكي فردريك جيمسون فقد طور خلال العقود الأربع الماضية ومن خلال مزج جدلي لمختلف الأطروحات الماركسية الفلسفية والنقدية وفهم عميق لتطور الرأسمالية نظرية ماركسية متكاملة للتفاعل النقدي مع الخطاب الثقافي بشكل عام والنص الأدبي بشكل خاص.

فهو يطرح تحليلاً متعدد المستويات . المستوى الأول يركز على النص نفسه كفعل رمزي. وما يعنيه هذا هو أن النص فعل اجتماعي في حد ذاته يجب التركيز على بنيته وتفاعل المعاني بداخله. ولكن في حين يتوقف نقاد ما بعد البنيوية عند التحليل الداخلي للنص يربط جيمسون بين بنية النص وبنية المجتمع من خلال اعتبار الأول فعلاً رمزياً للثاني. فإذا اعتبرنا النص فقط فعل في حد ذاته لا يمكن الربط بينه وبين المجتمع وقعنا في مستنقع الشكلانية المجردة- لا يوجد شيء خارج النص. وإذا تجاهلنا كون النص فعلاً في حد ذاته واعتبرناه مجرد انعكاس للمجتمع الخارجي نجد نفسنا في مستنقع تلك الماركسية الفجة- النص الأدبي أو الثقافي ليس سوى انعكاس مباشر للمجتمع.

وعند هذا المستوى من التحليل فالمقصود بالإطار الاجتماعي الذي ينتج فيه وكجزء لا يتجزأ منه النص الثقافي أو الأدبي هو الأحداث والتناقضات والإشكاليات الاجتماعية والسياسية المباشرة. ففي الحالة المصرية على سبيل المثال يتضمن هذا المستوى في العصر الحديث حرب 1967 والانفتاح والهجرة إلى الخليج وصعود الحركة الإسلامية والتحول إلى الليبرالية الجديدة وحرب العراق والانتفاضة الفلسطينية، إلخ. فالنص لا يمكن أن يكون منفصلاً تماماً عن إطار هذه الأحداث، فحتى تجاهل النص لهذا الإطار هو في الواقع موقف منها.

أما المستوى الثاني من التحليل فهو المستوى الطبقي وهنا يعتبر النص بمثابة لفظاً خطابياً للطبقة ليس بالمعنى التبسيطي والمخل الذي تعرضنا له في هذا المقال والذي رأينا كيف أنه أقرب لعلم الاجتماع الأدب البرجوازي، ولكن بمعنى أن النص ينتج في مجتمع وفي عالم به صراعاً طبقياً. ولكن هذا الصراع لا يمكن تبسيطه في أطار صراعاً ثنائياً واضح المعالم بين الطبقة العاملة والبرجوازية أو بين طبقات معدية للاستعمار في مواجهة طبقات عميلة له. بل أن كل خطاب طبقي يتضمن منظومة الصراع الطبقي كله. فعلى سبيل المثال فالنص الذي يطرح خطاباً للشريحة من البرجوازية يتضمن أيضاً حتى إذا كان ذلك بالسلب أو التجاهل خطاباً عن الشرائح الأخرى من البرجوازية الصغيرة والطبقة العاملة والبرجوازية بمختلف شرائحها وخطاباً حول الصراع المعقد بين مختلف هذه الشرائح والطبقات. وهذا بغض النظر عن الموقف المباشر الذي يتبناه الكاتب أو يضعه على لسان الشخصيات التي يخلقها.

أما المستوى الثالث والأخير فهو مستوى علاقة إنتاج النص باللحظة التاريخية في تطور نمط الإنتاج. فمن البديهي على سبيل المثال أن الرواية كشكل أدبي لم تظهر إلا في مرحلة معينة من تطور نمط الإنتاج الرأسمالي سمح بانتشار الطباعة من جانب وتطور التعليم لخلق جمهور من القراء البرجوازيين والبرجوازيين الصغار في المدن. ولكن جيمسون يتعامل مع مسألة نمط الإنتاج بشكل يتجاوز الرؤية التقليدية والتي فرضتها الستالينية والتي ترص الأنماط المختلفة في تسلسل تاريخي بسيط وأحادي. فنمط الإنتاج الرأسمالي على سبيل المثال يتطور بأشكال مختلفة في مناطق وبلدان مختلفة من العالم. وهو يتطور بشكل مركب وغير متكافئ فهو يتطور بشكل سريع في بعض المدن تاركاً ورائه مناطق واسعة تظل تحت تأثير الأنماط السابقة حتى وإن كانت تحت الهيمنة الرأسمالية. وهذا ينطبق بشكل خاص على الجانب الأيديولوجي والثقافي والذي يتأثر بشكل خاص بخصوصية الموروث الثقافي للأنماط السابقة عن الرأسمالية وبالطريقة المحددة التي ظهر بها وانتشر نمط الإنتاج الرأسمالي وأنماط الحياة والثقافة المرتبطة به. فيختلف الوضع على سبيل المثال بين تطور الرأسمالية بشكل مستقل وعلى مدى قرون في بلد مثل بريطانيا وبين الدخول المفاجئ والعنيف للرأسمالية من خلال الاستعمار في بلد مثل مصر (وهنا تصبح إسهامات مدرسة ما بعد الكولونيالية ذات أهمية خاصة ولكن من خلال إدخالها كجزء من النقد الكلي الماركسي). ويختلف أيضاً الوضع في بلدان استقر فيها نسبياً نمط الإنتاج الرأسمالي وأدخل غالبية أشكال الإنتاج الثقافي في منظومته من خلال خلق ثقافة تتحكم فيها الشركات والرأسمالية (الإنتاج السينمائي وشركات النشر والصحافة والإعلام وتحويل الأعمال الفنية والأدبية بشكل شبه كامل إلى سلع تباع وتشترى) وبين وضع لم تصل فيه الهيمنة الرأسمالية إلى هذه المرحلة أو وصلت إليها بشكل جزئي ومتناقض (إسهامات مدرسة فرانكفورت حول الثقافة الجماهيرية الرأسمالية كتحدي رئيسي.

ولذا فعلى النقد الأدبي الماركسي أن يكون قادراً في قراءته للنص على وضعه بالشكل الصحيح في الإطار التاريخي الواسع والمعقد لتطور نمط الإنتاج الرأسمالي والمرحلة التي يمر بها والتناقضات والخصوصيات التاريخية والجغرافية والتي لا يمكن أن تفهم إلا من خلالها.

هذه المستويات الثلاث التي يطرحها جيمسون لا يمكن في واقع الأمر الفصل بينها فهي ليست مراحل منفصلة بشكل متسلسل بل تتداخل بشكل جدلي ومفتوح وهي تطرح منهجاً ماركسياً متكاملاً ليس فقط للقراءة النقدية للنصوص الأدبية بل سلاحاً قوياً للتفاعل النقدي مع الثقافة والأيديولوجية بشكل عام.

إن هذا النقد الماركسي المعاصر (وقد ركزنا هنا على جيمسون فقط كمثال هام ولكنه جزء من مدرسة غنية تضم كثير من النقاد الماركسيين) هي سلاحاً إذا أجيد استخدامه سيمكن الأجيال الجديدة من الماركسيين المصريين من الدخول بقوة إلى حلبة الصراع الثقافي في مصر وإعادة الاعتبار للماركسية واليسار في هذا المجال الحيوي. وهو ما كان هدف عبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم في خمسينات القرن الماضي. وما من شك أن تجديد الخطاب النقدي الماركسي ونحن في القرن الواحد والعشرين وعودته بشكل جديد إلى قلب الحياة الثقافية في مصر سيكون أفضل تكريم للمناضلين والمفكرين الراحلين.
ــــــــــ

المصادر

عبد العظيم أنيس، محمود أمين العالم: في الثقافة المصرية
الأرقام أسفل الاقتباسات من طبعة ١٩٨٩
تيودور أدورنو: حول الإلتزام
فردريك جيمسون: اللاوعي السياسي
فردريك جيمسون: الماركسية والشكل
فردريك جيمسون: سجن االلغة
تيري إيجلتون: مقدمة في النقد الأدبي الماركسيي
جورج لوكاش: الماركسية والتحرر الإنساني
كارل راديك: الأدب العالمي المعاصر ومهام الفن البروليتاري
ليون تروتسكي: الأدب والثورة
كارل ماركس وفردريك إنجلز: البيان الشيوعي

   

التعليقات