بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أوهام الصين

261188

بقلم: هوو فانج هانج

إن أوهام اليمين واليسار عن الصين تمنع الجانبين من رؤية كيف أن تناقضات الرأسمالية هي ما تُحدد شكل تطور هذا البلد.

عندما يتطرق الحديث إلى الصين لا يجد دونالد ترمب، الملياردير الامريكي والمرشح الجمهوري المحتمل للرئاسة في الولايات المتحدة، أي شي إيجابي يقوله للعلن.

إلا أن ترمب في حقيقة يحمل إعجابا سريا بالاقتصاد الصيني منذ سنوات. ففي المؤتمر الدولي لصناعة السياحة بنيويورك عام 2008 وفي حضور المديرين التنفيذيين وأقطاب هذه الصناعة، أرجع ترمب انحدار القدرة التنافسية للولايات المتحدة للقوانين الحكومية، وصوّر الصين كجنة حقيقية للشركات.

يقول ترمب:” يقومون في الصين بإلقاء الأتربة القذرة في المحيط بشكل متواصل وذلك من أجل تطوير مئات الأفدنة من الأراضي الجافة للتوسع. عندم سألت المقاول المُنفذ عما إذا كان قدم للسلطات دراسة عن تأثير ذلك على البيئة؟ عما إذا كان قد حصل على موافقة حكومية ؟ جاء الرد في استغراب: دراسة ماذا وموافقة من! أما هنا في أمريكا إذا قمت بإلقاء حصاة واحدة في المحيط فإنني قد يحكم علي بالإعدام”.

ولا نجد أن ترمب هو الشخص الوحيد المنبهر بالصين.

ففي كتاب خبيرة الصناديق الاستثمارية آن لي الأكثر مبيعا والذي أشادت به صحافة الأعمال ومستشارو الصناعة – (ما يمكن أن تتعلمه الولايات المتحدة من الصين: دليل منفتح للتعامل مع أكبر منافسينا كأكبر معلمينا) – ترسم صورة للصين كدولة تهتم نخبتها السياسية بالمصلحة القومية بعيدة المدى، وتتبع نظام تقدير الكفاءات، وتحرص على تعليم قيم العمل الجاد وأخلاقياته ، وذلك على العكس “من أعداء النجاح والفاشلين في التخطيط للتطور الاقتصادي طويل الأمد في الولايات المتحدة”.

كما سحر الازدهار الاقتصادي للصين عقول الكثيرين في اليسار ممن أعتبروا الصين دولة قادرة على إنهاء سيطرة الغرب والنيوليبرالية العالمية. مثالا لهؤلاء نجد مارتن جاكس المحرر السابق لمجلة الماركسية اليوم (النشرة الدورية الرسمية للحزب الشيوعي ببريطانيا) والذي ألّف كتابًا – أيضا أكثر مبيعا – بعنوان (عندما تحكم الصين العالم: نهاية العالم الغربي وميلاد نظام عالمي جديد). وفي هذا الكتاب، يدّعي جاكس أن المعجزة الاقتصادية الصينية تقضي على الهيمنة طويلة الأمد للدول الرأسمالية الغربية وتُنشئ نظاما عالميا جديدا أكثر عدالة.

صدر هذا الكتاب في أعقاب الأزمة المالية الطاحنة في عام 2008، عندما يئس الكثير من المستثمرين المصرفيين من الحفاظ على عملائهم من مالكي الأسهم الخاسرة، ولجأوا لتعويض خسائرهم من صناديق مالية مرتبطة بالاقتصاد الصيني المتنامي في مقامرة رابحة. وبالتالي ليس غريبا أن الكتاب وجد إشادة واسعة في أغلب الصحف والمجلات المالية. وخلال الأعوم التي تلت اندلاع الركود الاقتصادي الكبير في 2008 كان هناك بالطبع الكثير من الأصوات التي احتفت بتدخل دولة الصين في توجيه اقتصادها واعتبر أصحابها “نموذج الصين” بديلا للنيوليبرالية المفروضة من أمريكا على العالم النامي.

لكن مع انهيار سوق الأوراق المالية الحالي، فقد الاقتصاد الصيني مفرط النمو بعض بريقه، وبدأت تهتز فكرة طريق “الرأسمالية الصينية المميز”. وأظهرت أزمات الصين الاقتصادية الحالية أن الصين جزء لا يتجزأ من النظام الاقتصادي العالمي، وأن تراكم رأس المال في الصين يتبع نفس المنطق ويعاني من نفس تناقضات التطور الرأسمالي في باقي دول العالم.

ولكن لكي نفهم نجاحات وإخفاقات الرأسمالية الصينية الحديثة، علينا أولا أن نفهم اتجاهات ودورات رأس المال العالمي.

“ورشة الصناعة” في العالم
يمثل ازدهار الاقتصاد الصيني خلال العقدين الماضيين ذروة الحل السياسي الاقتصادي الذي سعت إليه الولايات المتحدة والدول الكبرى كرد فعل للأزمة الاقتصادية في السبعينات.

بدءا من أواخر الستينات، انخفضت الأرباح الصناعية بالدول الكبرى بشكل ملحوظ بسبب تزايد المنافسة (بين الولايات المتحدة) والدول الأوروبية واليابان، بالإضافة إلي تكلفة مطالب الطبقة العاملة المناضلة.

وفي محاولة لتنشيط الأرباح، بدأت الشركات المُصنعة بالدول الكبرى في نقل الكثير من عمليات تصنيعها خارج البلاد إلى الاقتصادات ذات الأجور المنخفضة في شرق آسيا – في البداية إلى كوريا الجنوبية وتايوان وهونج كونج وسنغافورة، ثم بعد ذلك إلى بلاد أخرى في جنوب شرق آسيا مثل ماليزيا وتايلاند. أدى هذا التحول إلى نزيف في فرص العمل الصناعية في الدول الكبرى تسارع بعد أن بدأت إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريجان في الثمانينات في تشجيع التجارة العالمية الحرة بقوة.

إلا أن مخزون القوى العاملة القادمة من الريف ومنخفضة الأجر في تلك الدول الآسيوية كان ضحلا. وعندما أصبحت “النمور الآسيوية” دولا متوسطة الدخل، وحتى مرتفعة الدخل في بعض الحالات، صارت أقل جذبا كمناطق صناعية.

ولكن لحسن حظ رأس المال الغربي، كانت الصين قد بدأت لتوها سلسلة من الاصلاحات في السوق الداخلي موجهة نحو تطوير الريف وبناء قاعدة استهلاكية داخل السوق المحلي لإحياء استثمارات الفلاحين والصناعات الريفية. جاءت هذه الإجراءات بمثابة رد فعل لتعطل التراكم البدائي للرأسمال بالعهد الماوي من الخمسينات حتى منتصف السبعينات والذي اعتمد على العمل الجماعي الجبري بالمزارع لتحويل فائض إنتاج القرى إلى المناطق الصناعية بالمدن لتسريع نمو الصناعات الثقيلة.

نجحت هذه الإصلاحات التي أجراها دينج شياو بينج عند تسلمه للسلطة في عام 1978 في تحقيق ازدهار اقتصادي بالريف وتقليل التفاوت بين الريف والحضر، لكنها في الوقت نفسه أدت إلى ارتفاع معدلات التضخم وأزمة في ميزان المدفوعات على المستوى القومي في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات، مما أسهم في تصاعد غضب اجتماعي وأزمة سياسية بين عامي 1989 و1992.

دفعت هذه الأزمة متعددة الأبعاد الحزب الشيوعي الصيني المأزوم لإجراء تحول حاد نحو نموذج تنموي يعتمد على التصدير، وذلك من خلال تخفيض شديد لقيمة العملة الصينية (الوان) تم إجراؤه مرة واحدة في عام ،1994 ومن خلال سلسلة من الإجراءات دفعت باقتصاد الريف نحو الانحدار وحفزت نزوح طوفان من القوى العاملة الريفية إلى المناطق الساحلية المجهزة للتجميع والتصدير.

كان من أهم نتائج سياسات الحزب الشيوعي الصيني أن الصين قد أصبحت مرتبطة تماما بالنظام التجاري العالمي الحر، فقد أصبحت “مصنع العالم” الذي يجذب فرص العمل التصنيعية من الخارج.

لكن لا تزال الشركات العابرة للحدود بمقارها في شمال العالم تحكم إدارة واستغلال أغلب المصانع الموجهة للتصدير في الصين. ويكفي الاطلاع على مكونات هاتف آي-فون المُصنع في الصين لتتضح على نحو كامل علاقة التبعية بين المصانع الصينية والشركات العابرة للحدود بالدول الكبرى.

إزاء الاستفادة العالية من نقل عمليات التصنيع إلى الصين استمر رأس المال الأمريكي في الضغط على واشنطن للتأكد من أن الخلافات السياسية بين الصين والولايات المتحدة لن تقف حائلا في طريق تحقيق مزيد من الأرباح. وقد حقق هذا الضغط ما هو مرجو منه: ففي عام 1994 قررت إدارة بيل كلينتون تجديد الشرط المقيد لأعتبار الصين دولة لها مزايا تجارية قصوى مع واشنطن والمتعلق بمخاوف حول حقوق الإنسان، ثم ألغت هذا الشرط المقيد بصورة دائمة في عام 2000، وبحلول 2001 رحبت الولايات المتحدة بالصين عضوًا في منظمة التجارة العالمية.

ساعدت موجة تصدير التصنيع إلى الصين، إلى جانب الصراع العنيف على جذب الاستثمار الغربي بين الاقتصادات النامية على جذب رأس المال الصناعي من الشمال، ساعد الشركات العابرة للحدود في تحقيق أرباح فائقة – أرباج وُجهت خلال العقدين الأخيرين نحو الأسواق المالية متضخمة الحجم بالدول الكبرى، ليُغذي هذا بدوره المزيد من الطلب على السلع الاستهلاكية القادمة من الصين. وأدى ذلك إلى تعظم القدرة التصنيعية للصين، وظهور فقاعات مالية وديون تزداد لتغطية تكلفة الاستهلاك في الولايات المتحدة وباقي الدول الكبرى.

وفي مطلع الألفية، ومع الإنتاج الأعلى من الطلب في الصين والاستهلاك المدين في الولايات المتحدة، اللذين يقوي كل منهما الآخر، بدأ الحديث عن (الصين – أمريكا) Chimerica أو مجموعة الاثنين G-2 كبداية لنظام اقتصادي عالمي جديد.

“قطة ميتة” تعود للحياة
يعلم الجميع كيف انتهت هذه القصة: إذ انفقعت الفقاعة وانكسر الاقتصاد الأمريكي في عام 2008 ثم تبعه الاقتصاد الصيني. ومع ذلك استطاعت بكين تحقيق عودة قوية لاقتصادها بعد أن فتحت بنوك الدولة أبوابها على مصراعيها للإقراض من اجل استعادة النمو نسبيا وبسرعة. وفي الوقت نفسه كانت الولايات المتحدة عالقة في الركود الاقتصادي.

إن هذين المشهدين المتجاورين، الانتعاش القوي في الصين والانكماش المُستمر في الولايات المتحدة، قد دفعا البعض لطرح فكرة جديدة وهي أن الصين قد أزاحت الولايات المتحدة من موقعها كالمحرك الأوحد للرأسمالية العالمية.

استنتج البعض أن الاقتصاد الصيني لم يكن يعتمد كليًا على التصدير كما كان يبدو الأمر على السطح، مُدللين على ذلك بأنه على الرغم من خمول أسواق التصدير في دول الشمال إلا أن الصين استمرت في تحقيق معدلات نمو عالية في عامي 2009 و2010 اعتمد أغلبها على الاستثمار المحلي.

إلا أن هذا التحليل يتناقض مع واقع تطورات الاقتصاد في الصين. فخلال سنوات الازدهار قبل أزمة 2008 مثّلت الصادرات الصينية – إلى جانب تدفق رأس المال الأجنبي الموجه لصناعات التصدير – الجزء الأكبر من نمو احتياطي النقد الأجنبي للصين (وجاء أغلب هذا النمو من أصول مالية بالدولار الأمريكي). وبدون هذه الزيادة في احتياطات النقد الأجنبي لم تكن بكين لتستطيع أن ترفع حجم المعروض من السيولة النقدية وتوفر قروضا مصرفية لتحريك الاقتصاد بعد اندلاع الأزمة كما فعلت.

ويعني هذا أن حيوية قطاع الصادرات في الصين – والذي وفر للبلاد احتياطيا من النقد الأجنبي مطرد الارتفاع – ساعد الصين على الاستمرار في سياسات تمويل مسرف للاستثمارات الممولة بالديون بين عامي 2000 و2008 دون الوقوع في الأزمة الاقتصادية التي أصابت العديد من دول جنوب شرق آسيا في 1997-1998، عندما تسببت سنوات من إتباع هذه الدول لسياسات الاعتماد على الاستثمارت الممولة بالديون وغير المتناسبة مع نمو احتياطات النقد الأجنبي في الإضرار بسعر العملات المحلية وهروب رؤوس الأموال خارجها.

لكن الموقف تغير في الصين بعد بدء أزمة 2008. إذ إن ضعف آلة التصدير الصينية مع توسع بكين المتهور في الاستثمارات خلال عامي التعافي من الأزمة (2009-2010)، قد أديا إلى ظهور فقاعة كبيرة من الديون التي لم تواكبها زيادة موازية في احتياطات النقد الأجنبي. وبين عامي 2008 و2015 ارتفع الدين العام الصيني ليصل من 148% إلى 282% من إجمالي الناتج المحلي، متجاوزًا مستوى الدين العام في أغلب الدول النامية والولايات المتحدة. وبحلول عام 2014 بدأ احتياطي النقد الأجنبي في الصين في الانكماش.

إن مشروعات الإنشاءات والبنية التحتية الزائدة عن الحاجة (مثل الشقق سكنية ومناجم الفحم ومناجم الحديد، وما شابه) والتي تمخضت عن النهوض الاقتصادي الممول بالديون قد أصبحت مشروعات غير مربحة، ولا يُنتظر أن يتغير الوضع للأحسن في أي وقت قريب. كما أن قدرة الصين على سداد الدين وسداد خدمة الدين هو أمر مشكوك فيه، وذلك يضع بكين في موقف صعب – فقطاع الصادرات والذي ما يزال يواجه صعوبات قد فقد الحيز الذي يمكنه من النمو من خلال أصول استثمارية ثابتة، وهو الأمر الذي أدى إلي انخفاض معدل الربح وإنتاجية فائضة عن احتياجات السوق.

كما أن تصاعد مقاومة الفلاحين والاضطرابات العمالية منذ التسعينات قد زاد الأمور سوءا بالنسبة للحزب الشيوعي الصيني، إذ اضطرت هذه المقاومة الحزب – وهو حزب الدولة – إلى تحسين ظروف الاقتصاد الريفي (و بالتالي تقليل تدفق القوى العاملة من الريف لقطاعات التصدير في المناطق الساحلية)، كما اضطرته أيضا إلى تحسين ظروف العاملين بالصناعة. هذه التنازلات من الحزب رفعت من مستوى الاجور ووضعت مزيدا من الضغط لأسفل على ربحية رأس المال.

كل ذلك أدى بالصين إلوقوع في أزمة نموذجية لتراكم رأسمالي مُهدر تجسدت في المدن الخاوية والمصانع المغلقة على عرض البلاد. ويمكن ملاحظة عمق الإنكماش الاقتصادي من خلال حركة مؤشر المشتريات للتصنيع PMI (فحيث يسجّل هذا المؤشر أعلى من 50 نقطة دلّ ذلك على نمو الصناعة، بينما حيث يسجل أقل من 50 دلّ ذلك على الانكماش).

بعد فترة التعافي الاقتصادي في 2009 و2010 استمر مؤشر PMI في الهبوط، وهو يتذبذب حاليًا قرب نقطة الركود (50 نقطة) عاكسًا بذلك ابتعاد الصين عما سبق وحققته قبل عام 2008 من نمو اقتصادي قوي ومتواصل.

إن مشكلة التراكم الرأسمالي الفائض هي مصدر انهيار سوق الأوراق المالية الحالية؛ وهي أيضا سبب هروب رؤوس الأموال خارج الصين وهو الأمر الذي تسبب في انخفاض حاد في قيمة العملة الصينية وارتفاع سرعة تآكل احتياطات الصين من النقد الأجنبي.

أعلى مراحل الرأسمالية
إن أزمة التراكم الرأسمالي هي أزمة قديمة قدم الرأسمالية نفسها. وكما سبق وشرحها الثوري الروسي فلاديمير لينين في كتابه (الإمبريالية: أعلى مراحل الرأسمالية) فإن التراكم الرأسمالي الفائض ضمن حدود الاقتصاد القومي للدول الرأسمالية المتقدة يدفع الرأسماليين للبحث خارج هذه الحدود عن أماكن أكثر ربحية للاستثمارفيها. وقد تم نقد وتلقيح نظرية لينين عن الإمبريالية من جانب العديد من الكتّاب اللاحقين له، لكن التاريخ عزز صحة أطروحاته العامة حول الدور المحفز الذي تلعبه أزمة التراكم الرأسمالي الفائض في توسع الرأسمالية خارج حدودها القومية. وبالطبع كان هذه الأزمة هي سبب تحول راس المال الصناعي للدول الكبرى نحو آسيا والصين في المقام الأول.

والآن تجد الصين نفسها تعاني من أزمة التراكم الرأسمالي الفائض وتشعر بالحاجة الملحة لتوجيه رأس مالهاخارجيًا نحو دول أخرى واعدة من حيث الربحية. وهذا ليس تطورا مفاجئا: فقد ارتفع رأس المال الصيني الموجه للخارج بشكل مذهل منذ مطلع الألفية. إذ قفزت الاستثمارات المباشرة للأسهم الصينية الموجهة للخارج من 28 مليار دولار عام 2000 إلى 298 مليار دولار عام 2012 (على الرغم من ضخامة هذه الزيادة في الاستثمارات الصينية الخارجية، إلا أن الأرقام الصينية ما تزال صغيرة نسبيا إذا ما قورنت باستثمارات اقتصادات رأسمالية متقدمة من دول أصغر مثل سنغافورة).

تتصدر الشركات الصينية المملوكة للدولة – وأغلبها في مجال الطاقة ومشروعات البنية التحتية (وهي الشركات المدعومة باحتياطات نقد أجنبي ضخمة ناتجة عن قطاع التصدير) – تتصدر هذه الشركات طليعة الاستثمار الصيني في نصف العالم الجنوبي، لا سيما في إفريقيا وجنوب شرق آسيا. لقد بدأت الصناعة الصينية مؤخرا بالفعل في التوجه نحو دول تتميز بوجود عمالة منخفضة الأجور مثل تنزانيا وفيتنام.

إن الحاجة الصينية لتصدير فائض رأس المال تشكل أساس الطموح الصيني الحالي في إنشاء شبكة (نطاق واحد – طريق واحد) من الموانئ والسكك الحديدية والطرق السريعة التي تربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى والمحيط الهندي.

لكن كما حذّر لينين، فإن الاتجاه نحو تصدير فائض رأس المال للخارج – والحاجة لحمايته – يدفع الدول الكبرى إلى محاولة فرض سياساتها على المستوى العالمي – وأحيانا لاستعراض قوتها العسكرية خارجيًا، وهو الأمر الذي يؤدي بدوره لاحتداد التوسع الإمبريالي والمنافسة بين الدول الإمبريالية المختلفة.

وبداية من السبعينات، ارتضى الحزب الشيوعي الصيني لنفسه دورا جغرافيًا-سياسيًا تابعًا للولايات المتحدة في مقابل الحصول من واشنطن على مساحة للتحرك والتوسع في النمو الاقتصادي والتجاري. حيث ساعد الحزب الشيوعي الصيني الولايات المتحدة في كبح صعود فيتنام كوكيل للاتحاد السوفييتي آنذاك في آسيا، وذلك من خلال دعم بكين لنظام الخمير الحمرفي كمبوديا في السبعينات ثم الدخول في حرب ضد فيتنام عام 1979، مع الامتناع الصيني عن تصعيد نزاعاتها الإقليمية مع حلفاء أمريكا في آسيا.

إلا أنه عندما تنامت استثمارات الصين في دول جنوب شرق آسيا- وتنامت تجارتها معها – بدأت بكين تجد أنه لا حاجة لها في الاستمرار في لعب دور التابع المُطيع دائمًا لأمريكا. وبالتالي أصبحت الصين أكثر حزما بخصوص المناطق المتنازع عليها مع جيرانها. وفي هذه الأثناء صارت النخبة الحاكمة لعديد من دول آسيا أكثر حذرًا من تنامي نفوذ الصين السياسي في المنطقة، على الرغم من استفادة هذه النخب من علاقاتها الاقتصادية مع الصين، ولجأت إلي تقوية روابطها مع الولايات المتحدة كنوع من الحماية السياسية من بكين.

لنتخذ دولة ميانمار (بورما سابقًا) كمثال على زيادة قلق بعض دول جنوب شرق أسيا من السياسة الصينية الخارجية الجديدة. إن الطغمة العسكرية الحاكمة في ميانمار – التي دعمتها بكين لفترة طويلة بعد فرض الدول الغربية عقوبات عليها عقب حملة القمع السياسي في عام 1988 – قد بدأت تشعر مؤخرًا بعدم الاطمئنان من اعتمادها على الاستثمار الصيني. هذا الشعور بعدم الاطمئنان من جانب ميانمار تجاه بكين، إلى جانب الاستياء الشعبي من مشروعات التعدين الصينية، شجّع النظام الحاكم على السعي نحو تسوية الخلافات مع الولايات المتحدة من خلال التعهد بإجراء إصلاحات سياسية.

وعلى الرغم من حفاظ ميانمار على علاقة وثيقة إقتصاديًا مع الصين – وهو الأمر الذي عكسه مشاركة ميانمار عام 2013 في مشروع خط أنابيب الغاز الذي أنشأته شركة الصين الوطنية للبترول ليربط خليج البنغال بمقاطعة يونان جنوب غرب الصين – إلا أن العلاقات الميانمارية-الأمريكية صارت أكثر قوة ودفئا، إلى درجة أن ميانمار تم دعوتها للمشاركة كمراقب في المناورة العسكرية الأمريكية-التايلاندية في أوائل عام 2013.

وليست ميانمار هي المثال الوحيد على دولة لا تثق في النوايا الصينية – توجد أيضا الآن دول أخرى مثل سنغافورة وتايوان وكوريا الجنوبية والفلبين وفيتنام – كلها توثق الآن علاقاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع الولايات المتحدة حتى وإن كانت هذه الدول مستمرة في الاستفادة من التكامل الاقتصادي مع الصين.

إن رغبة الدول الأسيوية في الاحتفاظ بالتأثير الأمريكي في المنطقة لموازنة قوة الصين، قد نتج عنها ظرف استخدمته إدارة أوباما لتطبيق استراتيجيتها السياسية في آسيا والمسماة (محور نحو آسيا) لاحتواء الطموحات الجيوسياسية للصين. كما ساعد هذا الظرف الإدارة الأمريكية في ضغطها من أجل تحقيق شراكات عبر المحيط الهادي تقوي من الصلات الاقتصادية للولايات المتحدة مع حلفائها بآسيا من أيام الحرب الباردة، وتروض هؤلاء الحلفاء في الوقت ذاته.

وردت بكين على ما سبق – وبثقة – بمزيد من استعراض قوتها السياسية والعسكرية في المنطقة.

ويعكس كل من محاولة الصين فرض اتفاق تجارة حرة مع جيرانها، وتوغلاتها العسكرية الفجة في المناطق محل النزاع بين بكين ودول أخرى في المحيط الهادئ – الذي تسيطر على الإبحار فيه القوات البحرية الأمريكية – بالاضافة إلي المنافسة العلنية من الصين ضد الهند للتأثير على سياسة سريلانكا، يعكس كل هذا السياق الذي تناور فيه بكين جغرافيًا وسياسيًا لتوسيع هيمنتها الإقليمية.

ومثلما أن توجيه الصين لفائض رأس مالها للخارج لا يتقيد بحدود آسيا، فإن الطموح الصيني الجديد لفرض النفوذ الجيوسياسي أيضا لا ينحصر داخل آسيا. إذ إن الصلة بين التوسع العالمي لرأس المال الصيني ورغبة الصين في بسط قوتها العسكرية خارج البلاد يظهر في كتاب الدولة الأبيض للدفاع الوطني الصادر في عام 2013 ، والذي ينص – صراحةً ولأول مرة – على أن “حماية المصالح الخارجية للصين هي الآن مهمة جوهرية لجيش التحرير الشعبي الصيني”.

مع الدمج التدريجي للاقتصاد الصيني في النظام الاقتصادي العالمي أصبحت المصالح الخارجية الصينية مكونًا أساسيًا من مكونات المصالح القومية الصينية، حيث ازدادت أهمية المسائل الأمنية لبكين بما تشمله من موارد ومصادر للطاقة خارج الصين وخطوط الاتصال البحرية الاستراتيجية ووضع المواطنين الصينيين وشركاتها الاعتبارية خارج البلاد.

أصبح المواطن الصيني الأكثر عرضة للاختطاف من جانب الإرهابيين والمجموعات المتمردة في أفريقيا. كما تُمثل المنشآت الصينية هدفا مغريا للتخريب. لكن الصين ليست جاهزة بعد للانتشار العسكري عبر البحار على غرار قوات المارينز الأمريكية. بدلا من ذلك لجأت الصين في الوقت الحالي لاستخدام بعض من أعنف الجنود المرتزقة في العالم لحماية مصالحها في أفريقيا. من بين هؤلاء مجموعة الخدمات الحدودية (Frontier Services Group) ومقرها في هونج كونج، وهي المجموعة وثيقة الصلة بأكبر التكتلات الصينية المملوكة للدولة، ويرأسها إريك برنس، وهو مؤسس لشركة الأمن الأمريكية بلاك ووتر (Blackwater) والمدير التنفيذي لها.

نحو الحرب؟
إزاء الأزمة الاقتصادية الآخذة في العمق والمستمرة في النمو، ستنمو حاجة الصين لتصدير رأس مالها للخارج وبالتالي فرض نفوذها السياسي والعسكري عالميًا. ولا مفر من أن تطلعات الصين ستضع بكين على مسار تصادمي مع الولايات المتحدة التي ما تزال تحتفظ بمظلة عسكرية عالمية فريدة منذ نهاية الحرب الباردة.

إن التنافس الجديد بين بكين وواشنطن يذكرنا بحدة المنافسات الإمبريالية في الماضي – وقت أن كانت ألمانيا قوة رأسمالية نامية وبررت عدوانها على مناطق سيطرة بريطانية بالاستناد إلى مظالم قديمة. لكننا لا نعلم حتى الآن ما إذا كان النزاع بين الولايات المتحدة والصين سيتصاعد إلى صراع مقارب لحجم الحروب العالمية، خصوصا في ظل نشأة التحالف الصيني الروسي الحالي.

لكن مثلما أدت تلك المنافسة إلى نقاش عنيف في مطلع القرن في أوساط الحركة الشيوعية آنذاك، فإنه لا مُحال من أن المنافسة الجيوسياسية الشديدة بين الولايات المتحدة والصين (مع روسيا) ستفتح نقاش مماثل حول قضية الصين بين اليساريين حول العالم.

إن التغلب على الأوهام المختلفة حول الصين – والتي تأتي من اليمين واليسار على حد سواء – هي مهمة ملحة عند تصدينا بشكل شامل ونقدي للمسألة. هذه مهمة اليسار.

   

التعليقات