بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإجراءات الاقتصادية الحالية وآثارها الاجتماعية

جانب من ندوة مركز الدراسات الاشتراكية
جانب من ندوة مركز الدراسات الاشتراكية

الإجراءات الاقتصادية الجديدة التي انطلق فيها النظام مؤخراً، ليست جديدة بالكامل، فهي ليست سوى النسخة الأكثر تطرفا من السياسة الاقتصادية التي مضى فيها مبارك لثلاثين عاماً حتى أطاحت به الثورة. النسخة التي يطبقها النظام حالياً تتجاوز كل ما قامت به الأنظمة السابقة في الهجوم على الطبقات الكادحة والفقيرة لصالح كبار المستثمرين.

ومع مضي النظام قدمًا في تحرير سعر الصرف وإلغاء الدعم وتقليص الإنفاق على الأجور، فإن الآثار الاجتماعية الناجمة عن تلك السياسات أصبحت واضحة للعيان في ارتفاع غير مسبوق للأسعار، وأزمة في السلع الأساسية والدواء وزيادة نسبة الفقراء.

في هذا السياق عقد مركز الدراسات الاشتراكية ندوة “الإجراءات الاقتصادية وآثارها الاجتماعية”، بحضور خالد علي المحامي، ومحمد جاد الباحث الاقتصادي.

كيف وصلنا للأزمة الاقتصادية الحالية؟
رأى محمد جاد أنه “من المهم عند الحديث عن الأزمة الاقتصادية في مصر معرفة أبعادها. الأزمة تمر على مستويين، أزمة عجز في الإيرادات العامة للعملة المحلية، وأزمة نقص في الإيرادات الخاصة بالعملة الصعبة. الأزمة في العملة المحلية ظهرت آثارها في فرض الحكومة لأعباء وضرائب جديدة لإدخال إيرادات بالعملة المحلية مثل ضريبة القيمة المضافة، وقانون الخدمة المدنية والذي تم على إثره تخفيض أجور القطاع الحكومي، ليصل معدل نمو موازنة الأجور الحكومية إلى 8% بدلا من 15% بل ثم إلى أقل من 5% من العام المالي الجاري. وبالتالي، فإن الحكومة للخروج من أزمتها المحلية تلجأ إلى فرض مزيد من الضرائب كالتوسع في ضريبة المبيعات، أو التقليل على التزامها بالإنفاق على الأجور.

لكن الوضع الآن يواجه مشكلة أكثر تعقيدا، بالإضافة إلى العجز المزمن للإيرادات المحلية، وهي إيرادات العملة الصعبة، وهي مشكلة لا يمكن التغلب عليها بطبع الأموال النقدية. فمنذ عام 2011 تناقص حجم العملات الأجنبية تدريجيا، حيث انخفض صافي الأصول الأجنبية في القطاع المصرفي في البنك المركزي (والذي قد تستخدمه الدولة لإحداث سيولة) من 147 مليار جنيه تقريبا إلى 60 مليار في الوقت الحالي.

من جهة أخرى ففوائد الصادرات وصلت إلى 3% في الربع المالي الماضي بعد أن كانت 1.4% مما يعني تضاعفها. وفي المقابل، فالنظام الذي شهد انتعاشة اقتصادية نسبية بسبب المنح الخليجية والترتيبات السياسية التي تمت على إثرها، شهد أيضا انتعاشا في إجمالي الإيرادات للعام المالي 2013 – 2014 لتبلغ 21% لكن هذه النسبة انخفضت بشكل ملحوظ إثر وقف تدفق المساعدات إلى 1% في العام المالي 2015 – 2016، في هذه الأثناء طفت الأزمات بقوة، فمصر من أكبر مستوردي القمح والسكر والزيوت، وهو ما انعكس على قلته في السوق وحدوث أزمة واسعة.

وإذا تعرضنا للتفاصيل، فالدين الخارجي في حد ذاته، وفقا لجاد، هو رقم لا يعكس شيئ محدد، ما يعنينا فيه هو حجم الإيرادات والديون. الاقتصاديون يرون حجم الأزمة من خلال المقارنة بين ديون قصيرة الأجل (المطلوب سدادها خلال عام) واحتياطي النقد الأجنبي وهي نسبة عالية وصلت إلى 40%، بمعنى أن ما يقارب من نصف الاحتياطي الأجنبي سيتم سداده لتلك الديون.

الدين للخارجي للصادرات أيضا ارتفع إلى 620% بعد أن كان 74%. وهي مؤشرات مالية مقلقة جدا، فمن ناحية، نجد أن قدرتنا على توفير الدولار أصبحت مختنقة جدا، ومن ناحية أخرى فإن قدرتنا على الالتزام بتسديد الديون الخارجية تمثل ضغطا اقتصاديا كبيرا. كل هذه الأزمات لم يجد النظام لها حلا سوى بإجراءات “الخميس الأسود” وتعويم الجنيه المصري وتعريضه للعرض والطلب.

كما أكد جاد أنه في ديسمبر 2012، أصدر البنك المركزي بيانا يفيد وصول الاقتصاد المصري إلى مرحلة حرجة تقضي بسياسة التخفيض المتدرج للعملة المحلية حتى الوصول لسعر متعادل مع السوق السوداء تحت إغراءات زيادة الصادرات. لكن ما حدث هو العكس تماما لكل هذه التوقعات، لم تزد نسبة الصادرات، كما لم يستطع إجراء تخفيض العملة مجاراة الزيادة في أسعار السوق السوداء حتى انطلق المحللون إلى فكرة أخرى عُرفت بـ “التعويم الصادم”، عكس للتدريجي، وتقضي بخفض حاسم لسعر العملة بحجة القضاء على فوارق السعر مع السوق السوداء لدعم الاستقرار، وهو ما فعله طارق عامر مدير البنك المركزي في مارس الماضي لتظهر من جديد الفجوة بين السعرين بعد بضعة أيام قليلة من الإجراء الأخير.

أزمة تخلق أزمة
وفقا لجاد، فالتعويم، الذي لجأت له الحكومة لحل تلك الأزمات، أثبت أنه مسكن لمشكلة أكبر من تراجع النقد الأجنبي وعدم جذب عملات صعبة للسوق المصري. في المقابل، فإن النظام الحالي، منذ يونيو 2014، لم يستطع دعم الاقتصاد رغم تهيئته لمناخ قمعي ضد كل المعارضة، لكنها نفس الحالة التي ادعى بها النظام القيام بمشروعات قومية ضخمة باستنزاف أوسع، لا تحتمله اللحظة، للموارد العامة. هذه الإجراءات لا تمت للمنطق بقدر كونها جزءا من الدعاية السياسية للنظام، كمشروع قناة السويس الجديدة، الذي سبًب تآكلا كبيرا في الخزانة العامة. لكن الحكومة لم تكتف بذلك، بل فاجئتنا بقفزة أعنف برفع يدها عن توجيه سعر العملة للسوق الرسمي على سبيل تشجيع السوق السوداء للاندماج، إذ نجد أن البنوك تشتري الدولار بسعر أعلى، وهو ما يخلق أزمات أخرى.

التعويم هو ضريبة باعتباره إجراء تضخمي، والبنك المركزي فرض هذه الضريبة دون الرجوع إلى البرلمان أو طرح تفاصيل عن سيناريوهات اقتصادية محتملة وخطوات مرتبة تضمن حقوق المواطنين في المكاشفة الصريحة حول الأزمة الاقتصادية الحالية.

واستنكر جاد مجمل حزمة الإجراءات الاقتصادية القاسية والسريعة، سواء بتعويض النقص في النقد المحلي أو تعويض النقص في إيرادات النقد الأجنبي وبأقل درجة من الحوار المجتمعي، في الوقت الذي يتم تجاهل إجراءات الأمان المجتمعي ضد الأزمات المتلاحقة. التعويم جريمة طالما لم يتم عمل أي تطور في نظام التأمين الصحي أو في نظام المعاشات وإعانات البطالة وفقا لل. لكن الوضعية الآن لم تكن مفاجئة، فالصورة العامة من تقييد الحريات أصبحت بالفعل عائق رئيسي في جذب نقد أجنبي، بل وعامل رئيسي في تفسير الأزمة الحالية. هناك قطاعات من الشعب المصري أبدت تأييدا سلبيا تجاه إجراءات تقييد الحريات بحجة دعم الاستقرار، لكنهم يواجهون اليوم أزمة لم تساعد على الحلول وتحسن الأوضاع التي تخيلوها.

أزمة اقتصادية وأزمات سياسية
استنكر خالد علي سعي النظام لبناء 22 سجن جديد، لكنه لم يبنِ 22 مستشفى جديدة لتحسين الخدمات الطبية التي طالبت بها احتجاجات الأطباء المستمرة. ورغم المطالب العمالية المشروعة في تحسين الخدمات الاجتماعية إلا أن النظام القمعي الذي ينتهج الاعتقال والإخفاء القسري يقوم بتشويه واغتيال معنوي للشباب الذين يكافحون دعاوى التخريب والعمالة من النظام حال تعبيرهم عن آرائهم، فيما يتم الدفع بكثير من الشباب للهجرة بعيدا عن البلاد بعد إرهابهم معنويا.

في المقابل، يتعامل النظام مع الصراع القائم بمنتهى الضحالة، فحكم الحبس لنقيب الصحفيين بتهمة الإخفاء والتستر على صحفي توحي بضحالة الدولة في إدارتها لأزماتها، فبدلا من عودة العمال للمصانع وتشغيلها يتم مطاردتهم ومحاكمتهم عسكريا.

الأزمة الاقتصادية التي نعيشها هي نتاج أزمة الحكم للنظام الحالي. هناك غياب كامل للحوار المجتمعي وتراجع إمكانية دراسة الآثار الاجتماعية المترتبة على القرارات المتخذة، فالسلطات تستهلك أكاذيب وشعارات للتغطية على فشلها السياسي وهو نفسه النظام الذي لقى دعما من قطاعات من الشعب المصري واستغل الحالة السياسية وقتذاك للترويج لأفكاره، هو أيضا لم يفوت عمليا أي فرصة خلال السنتين الماضيين لإثبات فشل جديد يدفع ثمنه الشعب المصري. وفي هذه اللحظة فالوضع ينهار بشكل رهيب.

وتساءل علي “هل من الممكن أن يكون هناك إنقاذ للمجتمع مع تصدير واجهة الخلافات السياسية؟، أهالي النوبة يتعرضون الآن لإجحاف حقوقهم رغم القوانين والنصوص الصادرة بحقهم فيما تمارس السلطات غرورا منقطع النظير بشأن اتخاذ القرارات، بل والأدهى هو الدفاع عنها باستماتة. فقصية تيران وصنافير فضحت تلك القرارات والسياسات، كما أن الأزمة الاقتصادية الحالية كانت قد حذرت منها القوى السياسية المعارضة منذ عامين والآن تراهن الحكومة على فشل أي بدائل سوى ما طرحته بغرور لحل الأزمة. هل آن الأوان لسمع الاختلافات في الرأي وترسيخ الديمقراطية الحقيقية وليست الشعارات البراقة؟

وأكد علي أن “اللحظة الحالية تطرح علينا في المقابل نفس السؤال، هل نحن قادرين على تجاوز خلافاتنا للوصول إلى بر الأمان وإنقاذ الشرائح الجديدة التي تنضم للفقراء؟ هل نحن قادرين على التحرك بشكل جماعي لتجاوز تلك الأزمة رغم عدم كوننا جزءا منها؟. النجاح لن يكون من نصيب أي مجموعة سياسية حال غياب الظهير الشعبي والاجتماعي، والمطالب العمالية ليست فئوية، فالسلطة التي ورطتنا في أزمة اقتصادية عميقة تقوم أيضا بذبح واغتيال معركة النقابات العمالية المستقلة التي تتعرض للتعسف بسحب الأختام وغلق مقراتها بعد فصل قيادتها والتشهير بهم، والقطاع العمالي الذي دفع الحركة الثورية في قاطرة متواصلة وتصدروا المشهد الاحتجاجي قبل الثورة لابد أن يكونوا جزءا مهما من أي برنامج اقتصادي اجتماعي للقوى المعارضة.

التعليقات