بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأرجنتين وتركيا ودوامة الرأسمالية

تركيا

ربما كانت الأرجنتين تجسيدًا حيًا للفشل التاريخي لسياسات الليبرالية الجديدة وخاصة “إصلاحات” صندوق النقد الدولي. ففي السنوات الخمسين الماضية وقَّعَ هذا البلد التعيسة ٢٠ اتفاقًا ببرامج إصلاح اقتصادي مع الصندوق في مقابل قروض. وقد فشلت جميع تلك البرامج فشلًا مُروِّعًا. وعلى الرغم من ذلك تظل النخبة الأرجنتينية مثل مدمن الهيرويين تلهث وراء الصندوق.

في عام ٢٠٠١ ورغم برنامج الصندوق، انهار الاقتصاد الأرجنتيني وتجاوزت معدلات البطالة ٢٠٪ من قوة العمل وتفجَّرَت المظاهرات والإضرابات والاعتصامات إلي درجة أنه تم تغيير ٣ رؤساء للجمهورية خلال أقل من أسبوعين! وأُجبِرَت حكومة كريشنر في ذلك الوقت على التوقُّف عن دفع أقساط ديونها للبنوك والمؤسسات المالية العالمية. وتبنَّت تلك الحكومة سياساتٍ شعبوية معادية لبرامج الصندوق شكليًا، ولكن دون المساس بأساس الرأسمالية وسياسات السوق. ولم تحل تلك الإجراءات الجزئية الخجولة الأزمة، وعاد اليمين إلى السلطة في ٢٠١٥ وبدأ من جديد في تطبيق سياسات السوق لجذب الاستثمارات الأجنبية التي كانت قد هربت منذ أزمة بداية القرن. ولكن الاستثمارات التي دخلت البلاد لم تكن استثمارات مباشرة في مجالات إنتاجية بل استثمارات مالية في سندات وأسهم طرحتها الحكومة في الأسواق العالمية (بما في ذلك سندات حكومية لمئة عام بمعدل فائدة 8.5 ٪!).

نتذكر جميعًا أنه منذ الركود الكبير في ٢٠٠٨ والبنوك المركزية في الدول الكبرى تقوم بتخفيض غير مسبوق في أسعار الفائدة (بالسالب في بعض الحالات) من أجل إعادة إحياء الاقتصادات المنهارة. هذه السياسة كانت تعني أن هناك فارقًا كبيرًا جدًا بين الفائدة على عملات العالم الثالث والفائدة على الدولار الأمريكي واليورو والين. أدى ذلك إلى تدفُّق الاستثمارات المالية من الدول الكبرى إلى “الأسواق الناشئة” بحثًا عن معدلات الفائدة المرتفعة حتى وإن كانت تلك الدول غير جذابة على مستوى الاستقرار والظروف الاقتصادية بشكل عام. فكما يحدث مع المستثمر في تجارة السلاح أو المخدرات فالمجازفة كبيرة ولكن الأرباح أيضًا استثنائية.

تدفَّقَت تلك الأموال في شكل شراء سندات حكومات العالم الثالث مثل الأرجنتين وتركيا ومصر وغيرهم الكثير. ولكن الأوضاع في الدول الرأسمالية الكبرى بدأت مؤخرًا في التغيُّر. فالتعافي الاقتصادي، حتى وإن كان بطيء ومحدود يعني ضرورة رفع أسعار الفائدة. وتزامن ذلك مع زيادة كبيرة في قيمة الدولار الأمريكي. وقد أدى كل ذلك إلى نوعين من الضغط الاقتصادي علي “الأسواق الناشئة”. الأول هو هروب الاستثمارات المالية وعودتها لمصادرها في بنوك “العالم الأول”، والثاني هو زيادة تكلفة الحفاظ على قيمة العملات المحلية العالم ثالثية.

كانت النتيجة في حالة الأرجنتين هي انهيار حاد في قيمة العملة (البيسو) ورفع معدلات الفائدة إلى ٤٠٪، في محاولة بائسة لإنقاذ الموقف. وبالطبع فحكومة ماكري اليمينية لم تتأخَّر في اللجوء لصندوق النقد من أجل قرض جديد بـ٣٠ مليار دولار وبرنامج جديد\قديم من “الإصلاح الاقتصادي”.

ومرة أخرى تخرج المظاهرات الصاخبة ضد الرأسمالية والليبرالية الجديدة والصندوق، ومرة أخرى يوضع اليسار الأرجنتيني في تحدي واضح: هل سيتمكَّن من طرح بديل نضالي يمنع أن يدفع الفقراء من جديد ثمن السياسات الفاشلة لحكومة الأغنياء؟

تعاني الرأسمالية التركية أيضًا من أزمة مشابهة وإن كانت أقل حدة حتى الآن. فهروب الاستثمارات المالية تسبَّبَ في انخفاضٍ حاد في قيمة الليرة التركية أعقبها أيضًا رفع لأسعار الفائدة. وما يجعل الوضع التركي خطير هو عدم الاستقرار السياسي، فمحاولات أردوغان ترسيخ وضعه الديكتاتوري في ظل الأزمة الاقتصادية وانتخابات خلال عدة أسابيع يعني أن هناك إمكانية حقيقية لانهيار اقتصادي عنيف. وبالطبع ينتظر الصندوق لحظة طرق أردوغان لأبوابه بحثًا عن المنقذ.

سياسات الليبرالية الجديدة تجعل اقتصادات الأسواق الناشئة، حتى الناجحة منها، في مهب الريح. فالتحرير الاقتصادي يعني بالضرورة سهولة دخول وخروج الاستثمارات بمختلف أشكالها مما يجعل تلك الدول عرضة لأزمات متتالية: هروب الاستثمارات، انهيار العملة، رفع الفائدة وزيادة الديون لحل المشكلة، تبخُّر سريع لاحتياطي النقد الأجنبي، خطر الإفلاس، اللجوء لصندوق النقد للاقتراض، فرض برامج الإصلاح حتى يدفع الفقراء ثمن الأزمة مجددًا. من اليونان إلى الأرجنتين، ومن إندونيسيا إلى تونس، نفس السياسات تؤدي إلى نفس النتائج، وفي كل هذه البلدان دون استثناء هناك بليونيرات يستفيدون سواء في فترات الانتعاش أو الأزمة.

وبالطبع فمن البديهي أن مصر لن تختلف عن تلك النماذج، بل أنها أحد أضعف تلك “الأسواق الناشئة” وأكثرها عرضة للهزات العنيفة. والنظام يستخدم كافة أسلحته الدعائية ليهيمن بفكرة أنه “لا يوجد بديل”. على اليسار أن يتحدى تلك الدعاية الكاذبة ويطرح بقوةٍ وثقة أن هناك بديلًا لسياسات الإفقار والذل. بديل يسمى الاشتراكية. بديل قائم على إعادة توزيع جذرية للثروات، من الأغنياء إلى الفقراء وليس العكس. بديل يُحوِّل هدف الاقتصاد من تحقيق الأرباح لرجال الأعمال إلى تلبية حاجات غالبية السكان.

التعليقات