بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف نفهم الأزمة؟

أنها أعنف أزمة تعصف بالنظام الرأسمالي العالمي منذ الكساد الكبير، في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث يتم تسريح ملايين العمال والموظفين، و تغلق آلاف المصانع أبوابها، و تشهر كبرى الشركات والبنوك الرأسمالية إفلاسها، أو توشك على ذلك.

يهدد شبح الجوع والدمار والتشريد مئات الملايين من العمال وفقراء الفلاحين، في العالم الثالث. كل ذلك ونحن ما زلنا في بدايات الأزمة، ماذا حدث؟ ما هي أسباب هذه الكارثة؟ كيف نفهم هذه العاصفة؟ تلك الأسئلة سنحاول التعرض، في هذا المقال، لها بشيء من الإيجاز.

الأسباب المباشرة للأزمة

بدأت الأزمة الحالية في القطاع المالي الأمريكي ( البنوك وأسواق الأوراق المالية) حيث انهارت كبرى البنوك المتخصصة في قروض الرهن العقاري، هذه البنوك التي توسعت، بشكل غير مسبوق، وبطريقة عشوائية، في تقديم قروض الرهن العقاري لملايين العائلات الأمريكية الفقيرة، من خلال تسهيلات استثنائية في السداد والتغاضي عن غالبية الضمانات. وكان الافتراض وراء هذه المقامرة ليس بالطبع قدرة هذه العائلات على دفع أقساطها، ولكن الرهان كان على استمرار موجة الارتفاع في أسعار العقارات (وليس في قيمتها الحقيقية)، والتي بدأت في تسعينات القرن الماضي. بدأت المنظومة المالية كلها في الانهيار، ليس في أمريكا وحدها بل في العالم كله، مع ظهور أولي الشروخ في فقاعة سوق العقارات الأمريكية، وعندما ظهر جلياً أن ملايين الأمريكيين لن يتمكنوا من تسديد ديونهم. يعود سبب الانتشار السريع والعالمي للأزمة في أنه قبل انفجار الأزمة، كان هناك تدفق ضخم للاستثمارات المالية (تقدر بآلاف المليارات من الدولارات)، التي تتداول أوراقاً مالية تستند، أساساً، على القروض العقارية، وقد توسع وانتشر هذا النشاط الاقتصادي، ليشمل كبرى البنوك والشركات المالية في العالم.

لكن السؤال، الذي يطرح نفسه، هو لماذا تدفقت كل هذه الأموال في سوق افتراضي غير مضمون بطبيعته؟ يرى بعض الاقتصاديين أن السبب يكمن في غياب الرقابة على البنوك وأسواق الأوراق المالية، وفي جشع وعدم مسئولية من أدار تلك القطاعات خلال العقد الماضي. هذا التفسير لا يتجاوز المستوى السطحي والمباشر للأزمة، فصحيح أن الرقابة على أسواق المال والبنوك قد تم تقليصها، بشكل كبير، خلال العقدين الماضيين، كجزء لا يتجزأ من سياسات الليبرالية الجديدة، وصحيح أيضاً أن تلك السياسات قد مكنت قطاع من الرأسماليين من مراكمة ثروات هائلة، في عالم المضاربات على الأوراق المالية بكافة أنواعها.

لكن لماذا اتجهت تلك الاستثمارات الهائلة إلى ذلك القطاع «الافتراضي» وغير المضمون على المدى البعيد؟ ولماذا لم تتجه الاستثمارات إلى القطاعات الإنتاجية، أو ما يسمى الاقتصاد «الحقيقي»؟ والسؤال الأكثر أهمية: لماذا يظل النظام الرأسمالي يعاني من مثل هذه الأزمات العنيفة؟ فالرأسمالية العالمية قد واجهت أزمات كادت تعصف بها، ودفع ثمنها عمال وفقراء العالم، في سبعينات القرن التاسع عشر، وفي العقد الأول من القرن العشرين وبين ١٩٢٩ – ١٩٣٢ (الكساد الكبير). يشهد النظام الرأسمالي، منذ سبعينات القرن الماضي، سلسلة من الأزمات المتفاوتة في عمقها واتساع تأثيرها، حتى جاءت هذه الأزمة الأخيرة، لتثبت من جديد أن القرن الجديد سيكون هو الآخر قرناً من الأزمات الطاحنة، وكذلك سيكون قرناً من الحروب والثورات، التي ترافق عادة الأزمات الاقتصادية.

الأسباب الأعمق للأزمة

أحد أهم الصفات، التي تميز نمط الإنتاج الرأسمالي عن أنماط الإنتاج السابقة، هو الاعتماد على استغلال العمل المأجور. فالإنتاج الرأسمالي يعتمد على عمال، لا يملكون سوى قوة عملهم، التي يقومون ببيعها لصاحب العمل. وكذلك يتميز بهيمنة كبار الرأسماليين على منظومة الإنتاج، من خلال ملكيتهم للمصانع، والشركات، وأدوات الإنتاج. ولا يهدف الإنتاج في هذه المنظومة إلى تلبية حاجات البشر، ولكن يسعى إلى تحقيق الربح.

يقوم العمال في عملية الإنتاج الرأسمالي بإضافة القيمة للسلع، التي ينتجونها، من خلال تحويل المواد الخام إلى أشياء، يمكن بيعها في السوق. لكن لا يحصل العامل على القيمة الكاملة لما ينتجه، فهو يحصل على أجر يكفي لتغطية نفقات المعيشة، من مأكل، وملبس، وسكن، في حين يحصل الرأسمالي وحده على الفارق بين هذا الأجر وبين قيمة ما ينتجه العامل. أي أن العامل يحصل فحسب على جزء من قيمة يوم عمله، في حين ينهب الرأسمالي الجزء الباقي، وهو ما يسميه ”الاشتراكيون“ فائض القيمة.

لا يستطيع الرأسمالي تحويل فائض القيمة هذا إلى ربح حقيقي، بدون بيع السلع في السوق. ويقوم السوق الرأسمالي على التنافس ما بين العديد من الرأسماليين. ويحاول كل رأسمالي تخفيض تكلفة إنتاجه وزيادة كفاءته، إذا أراد النجاح في مواجهة منافسيه، أي أن الرأسمالي عليه أن يزيد من إنتاجية عماله – بمعنى زيادة كمية السلع، التي ينتجونها، في نفس ساعات العمل، مع تخفيض تكلفتها.

يمكن للرأسمالي أن يحقق هذا من خلال أسلوبين، الأول هو زيادة ساعات العمل وكثافته، ولكن لهذا الأسلوب حدوده القصوى، التي لا يمكن تجاوزها. أما الأسلوب الثاني، وهو الأسلوب الأمثل لزيادة الإنتاجية، فيأتي من خلال الاستثمار الرأسمالي في تطوير الميكنة والتكنولوجيا، بحيث يتمكن العمال من إنتاج نفس كمية السلع، في زمن أقل، وبكفاءة أكبر. وكلما استثمر الرأسمالي في هذا التطوير كلما تمكن من إزاحة منافسيه في السوق.

فوضى السوق

يؤدي الأسلوب الثاني إلى صراع محموم ومتسارع للاستثمار وللتراكم الرأسمالي، هذا الصراع الرأسمالي ينتج عنه موجات متتالية من النمو السريع ثم الانكماش والركود. تتجه الاستثمارات غالباً نحو الصناعات، التي تحقق معدلات ربح مرتفعة، مما يزيد حدة المنافسة، ويصبح هناك احتياج ملح لدى كل رأسمالي لمزيد من رؤوس الأموال، لكي ينجح في تطوير الميكنة. بل نجد أنه كلما زاد حجم الشركات الرأسمالية كلما زاد اعتمادها علي البنوك لتوفير الائتمان اللازم للاستثمار وتطوير الميكنة وكذلك الإنتاج.

لأن هذه العملية كلها تتم بلا أي تنسيق أو تخطيط كلي تكون النتيجة الحتمية انفصال شبه كامل بين الإنتاج والطلب في السوق، مما قد يؤدي إلى توافر منتجات في السوق أكثر من القدرة الشرائية، حيث يتكالب الرأسماليين على الصناعات الأكثر ربحية، وعندما تصل الفجوة بين العرض والطلب إلى درجة معينة يتحول النمو والانتعاش إلى انكماش وركود.

إن أزمات فائض الإنتاج هي أحد المكونات الأساسية للأزمات الرأسمالية، بشكل عام. فنرى ذلك المشهد العبثي: المصانع تغلق أبوابها، في حين يبحث ملايين العمال عن فرصة عمل، والناس تموت جوعاً، في حين تمتلئ المخازن والمزارع بالغذاء، والمساكن تترك خاوية، في حين يشرد الملايين بلا مأوى.

انخفاض معدل الربح

لكن هناك عاملا أخراً، إلى جانب فوضى السوق والتنافس الرأسمالي، يدفع النظام نحو الأزمة، فكما رأينا فالرأسمالي مضطر إلى الاستثمار بشكل متزايد في الميكنة والتكنولوجيا، حتى يتمكن من مواجهة المنافسة، وبما أن المصدر الحقيقي للربح هو استغلال قوة العمل الحية، فكلما ازدادت نسبة ما يستثمره الرأسمالي في المكن على ما يستثمره في تشغيل العمالة في الصناعة ككل، كلما انخفض معدل الربح على المدى الطويل. هذا الميل لانخفاض معدل الربح يشكل ضغطاً دائماً على النظام الرأسمالي العالمي، وهو ما يؤدي، على المدى الطويل، إلى الأزمات وموجات الركود والكساد، وهي الأمراض المزمنة للرأسمالية.

إذاً فالأزمات الرأسمالية ليست مجرد نتاج لهذا الخطأ، أو ذاك في السياسات الاقتصادية والرقابية، بل نتيجة حتمية لجوهر النظام الرأسمالي القائم على استغلال العمل المأجور وفوضى التراكم التنافسي في السوق. لن يستطيع البشر تتجاوز مثل هذه الأزمات إلا إذا تجاوزنا الرأسمالية نفسها، واستبدلناها بنظام إنتاج جديد، يكون فيه الإنتاج بهدف تلبية حاجات البشر وليس الربح، ويكون فيه التخطيط الديمقراطي بدلا من فوضى السوق وديكتاتورية رجال الأعمال. هذا النظام البديل نسميه الاشتراكية.

التعليقات