بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مطالبنا ومصالحهم: قراءة سريعة في الأزمة الاقتصادية

مع بداية 2012، تجتاز الأزمة الاقتصادية العالمية عامها الخامس في ظل إصرار حكومات دول العالم على إلقاء الأعباء الاقتصادية الناتجة عنها على عاتق أغلبية السكان من العمال والفقراء الذين يُجبرون على تحمل تجميد الأجور والمعاشات وتقليص فرص العمل والخفض الرهيب في الإنفاق على الخدمات الاجتماعية مثل التعليم والصحة، إلخ.

ومصر بالتأكيد ليست بعيدة أو معزولة عما يجري في العالم، ولا يمكن الفصل بين الأزمة الاقتصادية العالمية وأزمة الاقتصاد المصري التي تستخدمها الحكومة والمجلس العسكري والإعلام كفزاعة لإيقاف قطار الإضرابات العمالية والاحتجاجات السياسية بشكل عام.

هذه الأزمة تضع النضال من أجل العدالة الاجتماعية، في العالم ومصر، على المحك مع منظومة الاستغلال الرأسمالي، في ظل قسوة برامج التقشف الاقتصادي المدعومة بفيض من التضليل الإعلامي ودعوات الاستقرار التي لا تهدف سوى لإفساح الطريق أمام استثمارات رجال الأعمال دون عراقيل النضال الاجتماعي.

مصر والعالم

في محاولة لإطفاء الحريق الذي نشب بالاقتصاد الأمريكي، ومنه إلى بقية العالم منذ نهاية 2007 وحتى اليوم، تتدخل حكومات العالم بقوة لإنقاذ النظام المالي بضخ أموال هائلة من ميزانياتها لمساندة البنوك والاستثمارات العملاقة التي عصفت بها الأزمة. هذه الأموال تأتي من دافعي الضرائب ومن الإيرادات المختلفة التي من المفترض إنفاقها لتقديم خدمات اجتماعية لأغلبية السكان.

وهكذا فإننا نرى اليوم برامج كاسحة لتقليص الإنفاق الحكومي على الخدمات في طول العالم وعرضه، من أوروبا حيث بريطانيا وأيرلندا في الغرب إلى أوروبا الشرقية وروسيا، مروراً بدول جنوب أوروبا حيث أعنف صور الأزمة وأقسى خطط التقشف في إيطاليا وإسبانيا والبرتغال واليونان، وحتى ألمانيا (أقوى اقتصادات أوروبا) كانت قبل نحو سنة ونصف قد أخفضت 80 مليار يورو في الإنفاق الحكومي. وصولاً إلى الولايات المتحدة التي تواجه الأزمة بخطط التقشف بالأخص بعد أزمة الديون التي اندلعت قبل نحو خمسة أشهر، حيث يصل مجموع الديون الأمريكية إلى 14.3 تريليون دولار، أي ما يعادل 97% من حجم الاقتصاد الأمريكي و60% من الناتج المحلي الإجمالي لجميع دول العالم الأخرى.

المشكلة لدينا في مصر ليست فقط في الانخفاض المزمن لمستوى الاقتصاد، بل أيضاً في الانعكاسات السلبية للأزمة الاقتصادية العالمية التي تلقي بظلالها على الاقتصاد المصري حيث تراجع حجم الاستثمارات الأجنبية وعائدات السياحة، إلخ.

فعلى مدار حوالي أربعة عقود، منذ الانفتاح الاقتصادي الذي دشنه السادات في منتصف السبعينات، يتم الدفع بكل دأب وحماسة بالاقتصاد المصري للاندماج في السوق العالمي من خلال إعادة هيكلة شملت تحويل قطاعات اقتصادية ضخمة في مصر إلى أيدي رجال الأعمال وما يستتبع ذلك من انسحاب الدولة من دورها في تقديم خدمات الرعاية الاجتماعية.

وخلال هذا المسار، وقفت الدولة إلى جانب طبقة رجال الأعمال وقدمت كافة أشكال الدعم لهم من أجل المنافسة في السوق العالمي، بدءاً بصفقات الخصخصة الفاسدة والدعم والإعفاءات الضريبية، وصولاً إلى التصدي للحركة العمالية وسن القوانين المعادية لها.

وحتى بعد قيام الثورة، يعود اقتصادنا، الذي ترسم خطوطه حكومات المجلس العسكري المتعاقبة، للاصطفاف مع حكومات العالم في التخفيض المستمر للإنفاق على الخدمات الأساسية الموجهة لأغلبية المواطنين الفقراء، وذلك في محاولة لتخفيف حدة الأزمة الاقتصادية والعجز الدائم في الموازنة.

الفقراء يدفعون الثمن

يصل عجز الميزانية الحالي في مصر إلى 144 مليار جنيه (23.8 مليار دولار) أي ما يوازي 8.7% من الناتج المحلي الإجمالي. ويتوقع محللون اقتصاديون ازدياد هذا العجز في ظل تقدير سائد بأن مصر بحاجة إلى 15 مليار دولار لتفادي أزمة مالية في ظل تراجع الإيرادات وتزايد النفقات. كل ذلك بجانب الديون التي تراكمت تحت حكم مبارك والتي تثقل كاهل الاقتصاد المصري بحوالي بحوالي 210 مليار جنيه (35 مليار دولار) تضع علينا عبئاً يُقدر بـ 18 مليار جنيه سنوياً. وخلال العام الماضي ارتفع معدل التضخم ليصل في نوفمبر الماضي إلى 9.1%.

وفي مواجهة تلك المشكلات الاقتصادية، تعتاد الحكومات المتعاقبة للمجلس العسكري على نفس الاختيار الذي اعتادت حكومات مبارك الاستقرار عليه من قبل، وهو الاستدانة والتسول بجانب فرض إجراءات تقشف اقتصادي صارمة. وصحيح أنه في يونيو الماضي رفضت الحكومة المصرية قرضاً بقيمة 3 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، لكنها هرولت هذا الشهر للتباحث مع الصندوق لتلقي قرض بنفس القيمة تقريباً وبفائدة 1.5%، كما طرقت أبواب مجموعة دول الثماني التي تعهدت بتقديم معونات اقتصادية لمصر وتونس والمغرب والأردن بقيمة 80 مليار دولار شريطة الالتزام بتنفيذ إصلاحات ديمقراطية خلال العامين المقبلين. هذا بخلاف المليار دولار التي أرسلتها السعودين وقطر على سبيل الدعم المالي للحكومة المصرية.

أما بخصوص إجراءات التقشف وخفض الإنفاق، فالموازنة العامة لعام 11- 2012 كفيلة بضرب نموذج شفاف على ذلك. فعلى سبيل المثال، انخفضت مخصصات التعليم قبل الجامعي في الموازنة العامة الجديدة إلى 3.1 مليار جنيه بدلاً من 5.7 مليار في العام السابق، الأمر الذي قد يفوق طموحات جمال مبارك نفسه في التحول النيوليبرالي الذي دشنه هو ورجاله في لجنة سياسات الحزب المنحل.

هذا الإصرار الشديد على تلقي القروض وتقليص الإنفاق، بكل تبعاته الاجتماعية المدمرة، يكشف عن عداء مباشر من جانب السلطة تجاه الطبقات الفقيرة، بدلاً من استرداد الأموال المنهوبة من مبارك وعصابته أو استرداد الشركات التي بيعت في صفقات مشبوهة لصالح لصوص رأس المال، كما هو الحال بالنسبة لشركتي طنطا للكتان وغزل شبين وغيرهما.

عدالة اجتماعية أم أرباح رأسمالية؟

الرسالة إذن واضحة تماماً؛ فحكومات المجلس العسكري تخبرنا بأن علينا تدبير أمور حياتنا بإنفاق أقل لإنقاذ اقتصاد البلاد من الانهيار. وبالطبع تأتي هذه الرسالة “الاقتصادية” ملحقة ببعض الرسائل “السياسية” التي لا تقل أهمية، مثل الدعوة للصبر على الفقر والبطالة والفساد، بجانب الدعوة للاستقرار ونبذ الاحتجاجات وتشويه الإضرابات والاعتصامات التي تطالب بالعدالة الاجتماعية باعتبارها فئوية، وغيرها من الرسائل المضللة.

لكن إذا كان الأمر يتطلب بعض التضحية لمواجهة الأزمة الاقتصادية، فلماذا لا يتحمل رجال الأعمال عبء الأزمة –التي تسببوا فيها من الأصل- عبر فرض ضرائب على الأرباح الرأسمالية وعلى أرباح المضاربات على الأراضي والأسهم وعلى الاستهلاك الترفي، وعبر تحجيم الاحتكارات الضخمة التي يحوذونها بين أيديهم؟ لماذا تدعونا الحكومة للصبر على الفقر والبطالة ولا تدعو اللصوص الرأسماليين للصبر على اقتطاع بعض من أرباحهم؟

تلك هي أهم الرسائل الضمنية لحكومات ما بعد الثورة، وتتلخص في حرمانية المساس بقدسية الأرباح الرأسمالية ومصالح كبار رجال الأعمال، وأن لا مجال للعدالة الاجتماعية في أجندة اقتصادية تهدف لتعزيز امتيازات المستثمرين.

لكن مسار الصراع الاجتماعي طوال العام السابق يشير إلى أن المجلس العسكري والحكومة ليسا هما الطرف الوحيد الذي يبعث برسائله، الطبقة العاملة والفقراء يرسلون رسائل أكثر تحدي تحمل عناوين الحد الأدنى للأجور وتثبيت المؤقتين واسترداد الشركات المنهوبة، وغيرها من المطالب الاجتماعية التي ينتفض العاملون من أجلها في مختلف مواقع العمل.

إن مثل هذه المطالب –برغم بساطتها- لا يمكن تحقيقها حتى بتقديم تنازلات اقتصادية ضخمة من جانب الرأسمالية المصرية؛ فهذه المطالب تضغط على العصب الحساس لسلطة الاستغلال: الأرباح الرأسمالية. وفي ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة يصبح من المستحيل الدمج بين آمال الفقراء في حياة كريمة وبين لهاث لصوص رأس المال وراء الأرباح في مجتمع واحد.. فقد صار الصراع بين مطالبنا ومصالحهم صراع حياة أو موت.

اقرأ أيضاً:

العسكر والإخوان وجهان لعملة واحدة: الدولار الأمريكي

التعليقات