بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إلى الرفاق – ورقة سياسية حول موقع الاشتراكيين الثوريين

أطلقت حركة الاشتراكيين الثوريين يوم 7 أغسطس موقعها الجديد، ويمثل ذلك نقلة نوعية في العمل الدعائي، ولكن يطرح الموقع الجديد بعض التحديات الكبيرة على عضوية الحركة كلها لا المجموعة الإعلامية وحدها، وهو ضرورة توفر المحتوى بشكل منتظم للنشر، أي ضرورة مراسلة الموقع باستمرار من قبل الرفاق، وإمداده بالتقارير المكتوبة، الصور، الفيديوهات، والأعمال الفنية (كاريكاتير، ستنسلات، كوميكس). إن مراسلة الموقع لا تعد رفاهية أو مسئولية عدد قليل من الرفاق القائمين على إدارة الموقع، بل يجب أن يتواصل مع الموقع أكبر عدد من الرفاق في الحركة إن لم يكن كلهم.

 

الموقع لا يزال في المرحلة التجريبية، ولا تزال هناك بعض المشاكل الفنية أو مهمات لم تنتهي، ويعكف الفريق التقني على حلها أو استكمالها، مع تطوير الموقع لننتقل بالمشروع إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن إقامة قسم خاص بالمالتيميديا ومنتدى حوار لأعضاء الحركة.

 

قد يستغرق الانتقال بالمشروع إلى المرحلة الثانية شهورا، فالتحدي الذي نواجهه ليس تقنيا فقط، بل سياسي وتنظيمي أيضا، ولن يستطيع الموقع الارتقاء بأدائه بدون استيعاب الدور الذي يجب أن يلعبه وإعادة تنظيم صفوف الحركة لخدمة هذا النهج الجديد من العمل الثوري… وللتوضيح دعونا نعود إلى الوراء قليلا ونعرض خلفية القضية المثارة.

 

بالرغم من التواجد البارز لعدد من الرفاق في حركة الصحافة الشعبية منذ 2005 وتزايد استخدام أدوات” الإعلام البديل” بين شباب الاشتراكيين الثوريين منذ 2008، كان معظم عملهم مبادرات فردية وغابت عن الحركة إستراتيجية عامة للتعامل مع الانترنت والشبكات الاجتماعية الآخذة في الانتشار، وإن كان هناك درجة من التنسيق التنظيمي بين النشطاء العماليين بالحركة ومدوينيها في إضراب المحلة سبتمبر 2007 وانتفاضة المحلة إبريل 2008، واعتصام موظفي الضرائب العقارية ديسمبر 2008 ولاحقا خلال معركة تأسيسهم لأول نقابة مستقلة في تاريخ مصر منذ عام 1957.

 

كان إطلاق الموقع القديم (www.e-socialists.net) في 6 إبريل 2009 (في الذكرى الأولي لانتفاضة المحلة) خطوة إلى الأمام. فتم تشكيل لأول مرة في تاريخ الحركة فريق عمل لإدارة الموقع والدعاية على الإنترنت. ووفر الموقع آنذاك فرصة جيدة في حدود المتاح لنشر أفكارنا على الإنترنت وتوفير أرشيف أدبياتنا وجذب قطاع من الشباب للحركة وأفكارها، وتطوير بعض الأداءات والمبادرات التي كانت تحدث على المستوى الفردي وربطها بالتوجه العام للحركة.

 

ولكن كان هناك العديد من المشاكل وقصور في عمل الفريق، منها:

– في أحيان كثيرة كان الموقع جزيرة معزولة، وكان على أعضاء فريق عمل الموقع “مطاردة” الرفاق من أجل إمدادهم بالتقارير، والتي كانت تصل متأخرة أو لا تصل على الإطلاق للموقع. وكان عدد المراسلين قليلا جدا.  

– لم يكن الموقع القديم مؤهلا لإبراز المحتوى المرئي من صور وفيديوهات

– بالرغم من المحتوى الغني للموقع كان من الصعب على الزائر تصفحه أو العثور على المادة المنشودة بسبب سوء أو تعقيد تنظيم أقسامه.

– شاب الموقع مشاكل تقنية كثيرة لعدم انتظام صيانته وتطويره، وكان ينهار تحت وطأة الزيارات.

– كان التركيز بالأساس على الموقع الرسمي ولم تتواجد خطة واضحة للدعاية على الشبكات الاجتماعية مثل تويتر وفيسبوك وسكريبد وفليكر ودييجو ويوتيوب بالرغم من إنشاء حسابات رسمية للحركة عليها.

 

تلك المشاكل كان لها أيضا طابع سياسي:

– فتصميم الموقع تصدره صورة واحدة كبيرة في المنتصف وعدا ذلك لم يبرز أي محتوى مرئي من الصور والفيديوهات وركز بالأساس على إبراز المحتوى الكتابي في شكل أعمدة… وهذا انعكاس لنظرة سياسية تقليدية لطبيعة مهمة الموقع، وهي لا تتعدى كونه رديف على الإنترنت لمحتوى جريدة الاشتراكي الورقية التي كانت تصدر آنذاك شهريا.

– عدم اهتمام الرفاق في الحركة بمراسلة الموقع لا يرجع فقط لصعوبة تصفحه أو سوء تصميمه، ولكن له أيضا جذورا سياسية، تتلخص مرة أخرى في عدم إدراك المهمة السياسية التي يجب على موقع الإنترنت لعبها في حركة ثورية… أن يلعب دور الناظم..

 

مثل كتاب لينين “ما العمل” الأساس النظري لكل المنظمات الماركسية في القرن الماضي. كان لينين في هذا الكتاب يحاول الإجابة على سؤال واجه الثوار في روسيا آنذاك ويواجه الثوار في مصر اليوم وفي أي وقت. كيف تنبي تنظيما؟ كيف تحاول تنسيق حركة مجموعات ثورية مشتتة جغرافيا في بلد متنامي الأطراف؟ كيف تضمن وحدة ومركزية الفعل وفي الوقت نفسه تخلق قنوات اتصال بين الثوار للنقاش الديمقراطي؟

 

كان جواب لينين آنذاك هو الجريدة الثورية. كل عضو في المنظمة الثورية هو في الحقيقة مراسل صحفي لتلك الجريدة الثورية، وظيفته إمداد الجريدة بالتقارير. ولكن كيف يأتي بالتقارير؟  يشتبك المراسل الثوري مع أي صراع أو فعالية تحدث في مكان عمله أو إقامته، ويتابع بتقارير ترسل إلى الجريدة، فتعمم الخبرة على كل من يقرأها من رفاقه في القطاعات والمناطق الأخرى، وتخلق له الجريدة فرصة للتواصل مع هذا الجمهور الذي للتو اشتبك مع قضيته.

 

العدد الذي تقرأ فيه تقرير عن مصنع ما على سبيل المثال في جريدة الاشتراكي، يعني أن هناك رفيق ذهب إلى المصنع، وتفاعل مع العمال هناك وخلق صلات، ثم عاد بالتقرير. إذا العملية الصحفية هنا هي عملية تنظيمية. من السهل أن يجلس أي شخص في مكتبه ويتصفح النت ثم يكتب خبرا عن المصنع المذكور ولكن ليست هذه نوعية الصحافة التي نريدها. مراسلتك بالتقرير يعني اشتباكك على الأرض وفي نفس الوقت اتصالك بباقي أعضاء الحركة وأنت تشتبك عن طريق القناة المفتوحة بينك وبين إدارة تحرير الجريدة.

 

المراسل الثوري ليس “محايدا” ولا يدعي “الحياد”. المراسل الثوري منحاز، منحاز للعمال في صراعهم مع الإدارة، منحاز للجماهير في أي معركة ضد السلطة. ولا يعني هذا الانحياز الكذب والتهويل. هذه مهمة الإعلام البرجوازي وليس الثوري. فللأسف أحيانا نرى بعض الصحفيين النشطاء يضخمون من حجم مظاهرة، فتصبح مظاهرة من 20 عامل فجأة 2000 أو يهزم العمال في الإضراب فيحاولون تصوير الحدث كانتصار، معتقدين خطأً أن ذلك يساعد العمال ويرفع من معنوياتهم.

 

تلعب الجريدة الثورية الناظمة، كما شرح لينين، دورا مهما في توحيد مواقف أعضاء الحركة في مختلف أنحاء البلد. فالاشتراكي الثوري في أي مكان في مصر من الإسكندرية إلى أسوان يستطيع نظريا عبر الجريدة أن يتعرف على موقف الحركة الرسمي تجاه تلك القضية أو ذاك.

 

لكن لينين كان يكتب هذا الكلام في بداية القرن العشرين، وقت أن كانت الأخبار تنتقل من مدينة إلى أخرى عن طريق ساعي بريد يمتطي حصانا. حتى في 1917 عندما اندلعت الثورة الروسية، كانت أخبار الثورة في بتروجراد وموسكو تحتاج إلى أسابيع وشهور في بعض الأحيان لتصل باقي أرجاء الإمبراطورية الروسية.

 

الوضع مختلف اليوم. فالأخبار تنتشر بسرعة البرق ليس في داخل أي بلد فقط، بل بين قارات العالم الست. تستطيع عبر الإنترنت والفضائيات أن تجلس في القاهرة وتتابع أخبار ثورة تونس دقيقة بدقيقة. تستطيع أن تكون في الإسكندرية وتتواصل مع موظفين بريطانيين معتصمين في مكاتبهم بمدينة صغيرة في اسكتلندا عبر تويتر أو فيسبوك، تستطيع أن تكون في أسيوط وتتابع أخبار مسيرات عمال المناجم في أسبانيا بالبث الحي على الإنترنت.

 

ويمثل تطور قطاع الاتصالات في مصر نموذجا صارخا للـ”تطور المركب واللا متكافئ” للرأسمالية كما تحدث عنه تروتسكي. ففي بلد وصل عدد سكانه إلى حوالي 90 مليون نسمة، يقبع 40٪ منهم تحت خط الفقر، نجد أن عدد مشتركي الهاتف المحمول في مصر وصل إلى حوالي 92 مليون مشترك أي بنسبة تشبع فاقت ال 100% طبقا لآخر تقرير صادر عن وزارة الاتصالات في مايو الماضي!

ووصل عدد مستخدمي الإنترنت في مصر طبقا لنفس التقرير إلى نحو 31 مليون مستخدم…

ومن المثير للاهتمام النظر إلى التوزيع النسبي لمستخدمي الإنترنت، فنجد نصيب الأسد من المستخدمين يدخلون على الإنترنت من الهواتف المحمولة أو الUSB Modem الآخذة أسعارها في الانخفاض والانتشار مما يتيح تدريجيا لطبقات اجتماعية غير البرجوازية والطبقة الوسطى الدخول على الإنترنت، وهذه الشريحة من المستخدمين هم المرشحين للزيادة بنسبة تفوق باقي الشرائح.  

إيقاع عمل أي حركة ثورية يحدده الناظم إلى حد كبير. ففي التسعينيات، كانت جريدة “الاشتراكية الثورية” الناظمة للحركة تصدر شهريا، وكان هذا مناسبا لإيقاع الصراع الطبقي المنخفض آنذاك وأيضا انعكاسا لحجم حركة الاشتراكيين الثوريين الصغير.

 

واليوم إذا اعتبرنا الموقع هو ذلك الناظم فإن ذلك يعني أننا في حاجة ماسة لتجديد هذا الموقع دقيقة بدقيقة ومتابعة الأحداث والفعاليات السياسية التي تحدث في مصر قبل أي مصدر خبري تقليدي. إن وصول التقارير والتحديثات للموقع على مدار الساعة، يترجم تنظيميا إلى وجود مراسلين ثوريين على الأرض يشتبكون مع الحدث ثم يبعثون بالتقرير إلى “المركز” وهو إدارة الموقع، يما يترتب عليه إيقاع أسرع للعمل التنظيمي.

 

فإذا نشرت المصري اليوم على سبيل المثال خبرا عن قيام إضراب في مصنع ما بالمنصورة ولم يظهر هذا الخبر على الموقع، فعلينا آنذاك أن نتساءل لماذا؟ إذا كان للاشتراكيين الثوريين تواجدا أو علاقة بهذا المصنع فلماذا لم يتم إرسال هذا الخبر على الفور إلى الموقع؟ إن قيام العامل (وهو في هذه الحالة “المراسل الثوري”) بالاتصال بالموقع  لإمداده بالخبر ضروري بنفس ضرورة انهماكه في تنظيم المتاريس التي تحمي الاعتصام. فالمراسلة مع الموقع آنذاك تعني أن العامل المراسل الثوري ضمن شبكة الاتصال، وما يفعله في المنصورة يتم تعميم خبرته على الفور لباقي أعضاء الحركة بل ولكافة المناضلين المهتمين بالنضال العمالي ويضعهم على أهبة الاستعداد دائما للتضامن وتنسيق ما يفعلونه في محافظاتهم مع ما يفعله رفاقهم في المنصورة.

 

يعني هذا مرة أخرى دفعة هائلة لتسريع إيقاع التواصل بين قطاعات الحركة . فوجود مراسلين ثوريين على الأرض في كل المحافظات مطالبين بإمداد الموقع على مدار الساعة بالتقارير، ويساءلون حين نعلم بأخبار محافظتهم من الإعلام التقليدي وليس منهم، يعني أن هناك مناضلين على الأرض مكلفين بالعمل على مدار الساعة للاشتباك مع الفعاليات التي تحدث وتحت ضغط مستمر لتوسيع شبكة المراسلين الثوريين في محافظتهم، أي كسب المزيد من العضوية للحركة.

 

فلنفترض مثلا أن انقلابا عسكريا وقع اليوم، هل ينتظر الكادر الاشتراكي الثوري في أي مكان بمصر صدور الجريدة بعد أسبوعين أو ثلاثة لكي يعرف ما هو موقفنا؟ أم ستقوم قيادة الحركة بالاتصال التليفوني أو السفر لمقابلة كل رفيق لتبليغه بالموقف؟ هنا يأتي دور الموقع الناظم مرة أخرى. من البديهي أن الموقع سيوفر وسيلة سريعة للاتصال وإعلان الموقف الرسمي لأعضاء الحركة في مختلف المحافظات في هذا الموقف أو في غيره من المواقف التي تحتاج إلى سرعة رد الفعل الموحد.

 

يهتم مراسل الجريدة بالمحتوى المكتوب، ولكن يجب على الرفاق مراسلي الموقع أن يولوا عناية خاصة للمحتوى المرئي من صور وفيديوهات بجانب التقارير المكتوبة عن الفعاليات التي يشتبكون بها. التصوير الفوتوغرافي والفيديو ليسا رفاهية، بل واجب على كل رفيق يشتبك في حدث أن يعمل بجهد على تصويره بكاميرا أو بالموبايل. ويجب على الحركة أن تولي بشكل عام عناية خاصة لنقل مهارات التصوير والتدريب على الاستعمال الآمن للبريد الإليكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر إلى كل العضوية بقدر المستطاع.

 

الموقع لن يكون بديلا عن الجريدة، ويجب أن يستمر الرفاق في العمل الجاد على توزيع الجريدة في الفعاليات وعلى شبكة الأعضاء ودوائر المتعاطفين. بالرغم من أن دخول الطبقة العاملة على الإنترنت (سواء عبر المحمول أو عبر وصلة منزلية أو في مقاهي السايبر) في تزايد إلا أن الجريدة الورقية تظل وسيلة أساسية للتفاعل معهم ويجب وأن نبذل قصارى جهدنا في انتظام صدورها، ولكن ستكون الجريدة أداة تكميلية وليست المركزية في أدوات الدعاية الناظمة، وقد يكون اعتماد الموقع كناظم هو أول خطوة تجاه الإجابة العصرية على نفس السؤال الذي طرحه لينين في القرن الماضي: ما العمل؟