بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الانتخابات الرئاسية: مقاطعة أم مشاركة؟

السيسي وصباحي

منذ أن أصدرت حركة الاشتراكيين الثوريين بيان “ضد السيسي.. قائد الثورة المضادة” بتاريخ 27 أبريل 2014، معلنةً فيه عن دعمها لحمدين صباحي في الانتخابات الرئاسية، ورفاقنا في الحركة يدخلون في جدالات بشكل يومي سواء من خلال مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال دوائرهم داخل الأسرة والأقارب والأصدقاء، وأيضاً من خلال المناقشات مع الزملاء الأعزاء من القوى الثورية في جبهة طريق الثورة وحركة 6 أبريل، محاولةً منهم لكسب أكبر عدد ممكن من الجماهير على موقف الحركة. من خلال السطور القادمة سأحاول أن أسرد بعض النقاط الهامة والأكثر شيوعاً في الجدال الدائر حول المقاطعة والمشاركة في الانتخابات الرئاسية القادمة.

سأقاطع الانتخابات لأنها مسرحية وحتى لا أعطي شرعية للسيسي!
مما لا شك فيه أن عبد الفتاح السيسي هو الفائز في الانتخابات الرئاسية القادمة، وأن ما يحدث من خلال وسائل الإعلام من دعاية للسيسي وتقديم الدعم له ومبايعته من قبل الطبقة الحاكمة ما هو إلا مجرد إجراءات تقتضيها لعبة الديمقراطية لتنصيبه رئيساً، وللأسف فإن بعض المحسوبين على القوى الثورية يجدون المشاركة في الانتخابات، سواء بانتخاب السيسي أو حمدين، ما هو إلا اعتراف بشرعية النظام وموافقة على الإجراءات التي يتخذها من خلال لعبة الديمقراطية.

لكن في الحقيقة، فإن هؤلاء يجهلون أن هذه الإجراءات الديمقراطية المتعارف عليها في كل مكان في العالم، والتي نطلق عليها “الديمقراطية البرجوازية”، لا تنتج لنا نظاماً يمثل أغلبية الشعب تمثيلاً حقيقياً، ولا تحقق تغييراً جذرياً داخل النظام الاجتماعي والاقتصادي. فإذا نظرنا إلى إجراءات الانتخابات بشكل عام سنجد أن المتحكم الرئيسي في هذه اللعبة هي الطبقة الحاكمة ذات نفسها التي لا تتغير عن طريق الانتخابات، فهذه الطبقة تمثلها المؤسسات الرأسمالية والأجهزة الأمنية وكبار موظفي الدولة وهم بالفعل المتحكمون في القرار السياسي، وما الرئيس سوى واجهة لهذه الطبقة، وبالطبع فإن مصالح هذه الطبقة تتعارض تماماً مع مصالح الأغلبية من الجماهير المتمثلة في الطبقة العاملة والمهمشين. بهذا المعنى، فإن أي انتخابات هي مسرحية، لكنها أيضا ساحات للصراع يمكن للثوريين فيها أن يناضلوا لمقاومة مخططات الطبقة الحاكمة. أما الانعزال عنها فيتيح الطريق للطبقة الحاكمة حتى من دون مقاومة.

إذا قارنّا ذلك بالوضع في الانتخابات الرئاسية المصرية سنجد أن السيسي هو الممثل الحقيقي للطبقة الحاكمة وللمؤسسة العسكرية، ليكون واجهة قادمة عن طريق الديمقراطية تقوم الدولة من خلالها ببطش وقمع أي صوت معارض من الجماهير، واتضح ذلك من خلال تسنين بعض القوانين القمعية مثل قانون التظاهر وقانون الإرهاب، فمن الواضح أن الدولة تستعيد كل قواها لتهزم الثورة وتوضع حد لها حتى تنعم الطبقة الحاكمة بامتيازاتها وأرباحها من خلال استغلالها للجماهير الكادحة بعد أن ينصب المخلص على العرش، وهو السيسي.

ما هي الفائدة من انتخاب حمدين؟
المشاركة في الانتخابات لصالح حمدين صباحي ليست لأننا لا نعلم بأن الانتخابات تمثيلي، أو بأن هناك فرصة لفوز حمدين صباحي في الانتخابات، ولكن ليقيننا بأن أي صوت يوضع في صندوق الانتخابات ضد السيسي هو صوت احتجاجي ضده، ففارق الأصوات سيصنع فارق بالتأكيد. أولاً، لكسر أسطورة الزعيم الذي يحظى برضاء شعبي كبير كما يروج الإعلام، ففوز السيسي بنسبة 70% أو أقل ستصنع فارقاً عما إذا كانت 90% أو أكثر. ثانيا، لخلق قاعدة معارضة لحكم السيسي من خلال النسبة التي ستصوت ضده والتي سيحاول السيسي كسبها لصفه من جديد من خلال تقديم بعض الإصلاحات السياسية، وإن كانت ضئيلة، مما سيقلل من قمع الدولة. هذه الأسباب ربما ستكون بمثابة دفعة صغيرة لدفع الثورة إلى الأمام من جديد، وفرصة للحفاظ على بعض مكاسبها حتى يمكننا العمل على تعميقها أكثر وتحقيق كافة مطالبها.

حمدين مثله مثل السيسي مرشح للثورة المضادة!
حمدين صباحي ليس بالطبع مرشح الثورة، فهو مرشح إصلاحي تحالف مع الثورة المضادة في ظرف معين لأجل مصالحه، ولا ننسى بالطبع تأييده لخطاب التفويض وتهليله بفض اعتصامي رابعة والنهضة، ولكن هل يساويه ذلك بالسيسي؟ بالطبع لا. فالسيسي هو قائد الثورة المضادة وقائد جيشها، وهو الذي تدعمه الدولة بكافة مؤسساتها وأموالها. السيسي هو الذي طلب من الجماهير بالنزول إلى الشوارع لتفويضه لارتكاب المذابح في حق المعتصمين في ميداني رابعة والنهضة. السيسي هو الذي يطلق شرطته في الشوارع لاعتقال الثوار وتعذيبهم في السجون، فهل قام حمدين صباحي بهذه الجرائم حتى يُساوى بينه وبين السيسي؟

السيسي قادم للحكم من أجل قمع الجماهير وتجويعها وإفقارها لصالح محاسيبه من الطبقة الحاكمة، وهذا ما اتضح في لقائه التليفزيوني الأخير عندما أكد على تطبيق قانون التظاهر حتى لا تضيع البلاد، وأكد على استمرار المذابح عندما قال بأن في عهده لن يكون هناك شيء اسمه “الإخوان المسلمين”، وأكد على عدم تقديم أي إصلاحات اجتماعية عندما هاجم إضرابات العمال ووصفها بـ”الفئوية” وأن الدولة لا تملك أي شيء تتنازل عنه للعمال وأن عليهم أن يصبروا. نحن أمام ديكتاتور عسكري أقرب إلى الفاشي لا يعد الجماهير بإصلاحات حقيقية، بل يتوعدها بالقمع والإذلال وجميع أجهزة الدولة وراءه.

حمدين صباحي مرشح إصلاحي ينافس المرشح الصريح للثورة المضادة، فهو لا يملك أجهزة الدولة الأمنية، ولا يحصل على دعم الدولة من رجال أعمال وإعلاميين، وخطابه يحمل بعض الإصلاحات الاجتماعية والسياسية، فقد أكد في لقائه التليفزيوني الأخير على الإفراج عن المعتقلين السياسيين الذين لم يرتكبوا جرائم، وأكد أيضاً على الاهتمام بالقطاع العام للدولة ووقف الخصخصة، وعلى استمرار الدعم وتحسينه ليصل إلى مستحقيه من الفقراء.

هذا الخطاب، وإن كان لا يقدم تغييراً جذرياً، فهو في حد ذاته يحمل بعض الإصلاحات التي تستطيع الثورة من خلاله أن تنطلق من جديد وتعود إلى الشارع لصنع التغيير الجذري. فبهذه المقارنة، لا نجد أي وجه تشابه بين المرشحين.

المقاطعة هي الموقف الثوري السليم، والمشاركة موقف إصلاحي!
التغيير الجذري لا يأتي عن طريق الانتخابات البرجوازية، بل يأتي عن طريق ثورة جماهيرية بقيادة الطبقة العاملة لهدم النظام الرأسمالي. هذه هي استراتيجية حركة الاشتراكيين الثوريين لمن لا يعرفها، فهل تحوّل الاشتراكيون الثوريون إلى إصلاحيين بمشاركتهم في الانتخابات؟ بالطبع لا. تاريخياً من النادر مقاطعة الثوريين للانتخابات، بل استغلالها كمنبر لدعاياتهم ولتصدير الصراع الطبقي أمام الجميع، وكان الحزب البلشفي، الذي قاد فيما بعد الثورة الروسية إلى السلطة عام 1917، يشارك في انتخابات مجلس النواب الروسي في ظل حكم القيصر، ليس من أجل المشاركة في تشكيل الحكومة وأخذ حصة في السلطة بجوار أبناء الطبقة الحاكمة، بل من أجل الدعاية الثورية من داخل البرلمان وللنضال من أجل انتزاع بعض الإصلاحات الاجتماعية والسياسية لتكون نقطة انطلاق بعد ذلك للحراك الجماهيري.

أما عندما يقاطع الثوريون الانتخابات يكون ذلك في حالة واحدة، وهي وجود حراك جماهيري واسع في الشارع لديه فرصة حقيقية لهزيمة الطبقة الحاكمة وبناء نظام وسلطة جديدتين، فبالطبع لن يترك الثوريون الجماهير تناضل ضد الدولة وحدها ويذهبون هم إلى صناديق الانتخابات، بل سيتقدمون صفوف الجماهير في مواجهة دولة الطبقة الحاكمة بشكل مباشر.

لكن في حالة الركود الثوري، تكون الجماهير مؤمنة بتدابير الانتخابات التي تنظمها الدولة، فبالتالي تذهب الملايين من الجماهير إلى صناديق الانتخابات بتطلعات عالية بأن نتيجة الانتخابات هي المخرج الوحيد لأزماتهم، فهذه فرصة سانحة للثوريين للانخراط وسط الجماهير والمشاركة في المسرحية لتوجيه بوصلة الجماهير إلى المرشح الأنسب، ذلك بالإضافة إلى استغلال الزخم الجماهيري في الدعاية الثورية. فهل من المناسب أن يتخلى الثوريون عن الجماهير ويتعالوا عليهم في حالات الركود، ويتبنون شعارات ثورية لم تصل الجماهير لها بعد، بل وتنفر منها؟ لا أعتقد ذلك. هذا ليس ثوري.

إذا نظرنا إلى الوضع في بلادنا، سنجد ثورة مضادة متقدمة للغاية وتحظى بتأييد شعبي وتبطش بأي صوت يعارضها، وجميع أجهزة الدولة والطبقة الحاكمة متماسكة بشكل قوي وتحكم سيطرتها على الأوضاع السياسية، ممثلين في شخص السيسي على رأس النظام. وفي الجانب الآخر نجد ثورة شعبية متأخرة تتعرض لجميع وسائل القمع من قبل الدولة لهزيمتها نهائياً، ونجد النسبة الأعلى من الجماهير متطلعة إلى الانتخابات، وستذهب بالملايين إلى الصناديق، تتطلع بآمال كبيرة على المرشح الفائز. نحن في حالة ركود حقيقي في الثورة، فإما أن تعود الثورة من جديد من خلال انتزاع بعض المكاسب الضئيلة حالياً، وإما أن تُهزم تماماً.

يجب على الثوريين ألا يتركوا هذه المعركة تذهب هباءاً دون استغلالها، فعليهم بالانغراس وسط الجماهير المتطلعة إلى الانتخابات، وأن يحاولوا تغيير البوصلة في الاتجاه الآخر عكس اتجاه الدولة ودعم المرشح الآخر (دعماً نقديا بالطبع) وهذه المعركة ستكون فرصة للدعاية لأهداف الثورة وفضح الدولة، وتقليل فارق الأصوات بين السيسي وحمدين سيكون فرصة لدفع الثورة إلى الأمام، ولو بنسبة صغيرة. أما مقاطعة الانتخابات ستكون موقفاً للأسف يصب في النهاية في مصلحة الدولة، فنسبة غير المشاركين في الانتخابات لا تدخل في حسبة جمع الأصوات، وليس هناك حملة دعائية قوية لموقف المقاطعة تدل على أن ما يتبنون هذا الموقف يحملون وجهة نظر مشتركة أو بديل مادي، فالمقاطعة هنا موقف سلبي تطهري متعالي على وعي الجماهير الذاهبة إلى الصناديق، وإن كان وعي الجماهير تسيطر عليه أجهزة الدولة الإعلامية، فهل بالمقاطعة نستطيع أن نقدم بديل إعلامي ودعائي لتغيير ذلك الوعي؟ فذلك ليس موقف ثوري على الإطلاق.

في النهاية على الثوريين أن يعوا بأن الثورة ليست عملية تتابعية ثابتة منذ بدايتها حتى نهايتها، بل هي عملية مركبة ومعقدة ويدخل عليها تغيرات كثيرة، فهي مُذبذبة بين الصعود والهبوط، ولكل حالة تكتيكاتها الخاصة بتغير الظرف والزمان. المشاركة في الانتخابات هي التكتيك السليم الذي يجب أن يتبناه كافة الثوريين أثناء الظرف الراهن، وكل صوت يُنتزع من السيسي لصالح المرشح الإصلاحي حمدين صباحي يدفع بالثورة إلى الأمام، ويخلق معارضة حقيقية لذلك القيصر الجديد.

   

التعليقات