بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

افتتاحية الاشتراكي - العدد 103

الربيع مستمر.. في مصر والعالم

في مصر، كما في الكثير من بلدان العالم التي تستمر شعوبها في ثورتها وتمردها على سياسات القهر والاستغلال، يحاول إعلام الطبقات الحاكمة إيهامنا بأن “ربيع” الثورات والاحتجاجات الجماهيرية الكبرى قد ولى إلى غير رجعة، وأنه قد حان الوقت للهدوء والاستقرار وعودة المياه إلى مجاريها. لكن الأسابيع القليلة الماضية وحدها كفيلة بإثبات مدى زيف وكذب ما تدعيه الطبقات الحاكمة وتروّج له.

ففي مصر، وبالتوافق مع الذكرى الأولى لانتفاضة “محمد محمود”، يتظاهر الثوار ليس فقط إحياءاً لذكرى أبطال استشهدوا في مواجهة قمع وعنف وجبروت الداخلية، وليس فقط للمطالبة بالقصاص من القتلة الذين ينالون أحكام البراءة والتكريم والترقيات، لكن أيضاً لاستكمال ثورة ظلت منذ بدايتها ترفع شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية. تتوافق ذكرى انتفاضة نوفمبر 2011، التي انتشرت فيها مظاهرات الثوار واعتصاماتهم في الميادين في ما لا يقل عن 14 محافظة، مع موجة قوية من الإضرابات والاعتصامات العمالية والاجتماعية التي تثبت بما لا يدع مجالاً للتشكيك في البعد الاجتماعي العميق للثورة المصرية.

هذه التحركات الاجتماعية الهادرة يتصدرها الآن أحد أهم الإضرابات وأكثرها اتساعاً وصموداً وامتداداً: إضراب الأطباء، ذلك الذي يستمر لأكثر من شهر ونصف إلى الآن، وبرغم تجاهل الحكومة للمطالب وتشويهها ومحاربتها المستمرة للإضراب، لا تزال نسب مشاركة الأطباء حتى اليوم مقاربة للغاية لنسب المشاركة في الأيام الأولى من الإضراب، مما يضرب مثالاً مبهراً في التحدي والصمود.

هذا الإضراب، الذي ينبغي تكثيف التضامن معه ومساندته، قد يفتح الباب في مستقبل قريب أمام موجة أقوى أكثر تنسيقاً وتنظيماً لنضال قطاعات كاملة من الطبقة العاملة، وهو ما يتطلب من كافة المكافحين من أجل استمرار الثورة وانتزاع مطالبها حشد التضامن معها والانخراط فيها وتنسيقها وتوحيدها وربطها بالمطالب السياسية التي لا تنفصل عنها.

وجنباً إلى جنب مع الفرص، توجد أيضاً التحديات.. فهناك القمع المتواصل من جانب الدولة والتنكيل بالنقابيين وقيادات العمال، وهناك تجاهل المطالب، علاوة على تصفية المصانع وتشريد العمال. ومواجهة هذه التحديات يستلزم أولاً التضامن والدعم المستمرين، وثانياً نقل خبرات القطاعات المتقدمة والمناضلة من الطبقة العاملة إلى بقية العمال والفقراء في كل مكان، وتوسيع الحركة والسعي لتنظيمها لإرباك جهاز القمع والانتقال من الدفاع إلى الهجوم.

وفي فلسطين الأبية، وبرغم همجية آلة القتل الصهيونية التي أسقطت إلى الآن مئات الشهداء والمصابين في قطاع غزة، تستمر المقاومة الفلسطينية على اختلاف فصائلها في إمطار الكيان الصهيوني بوابل من الصواريخ التي وصل بعضها إلى وسط تل أبيب ذاتها. تستمر المقاومة الفلسطينية في إثبات أن استعادة فلسطين، استعادة كامل التراب الفلسطيني، لا يتم بالتفاوض والمساومة والتسليم، بل بكافة سبل النضال بما يشمل الكفاح المسلح. في حين اقتصر رد الفعل المصري على استدعاء السفير ودعوة جامعة الدول العربية إلى عقد اجتماع طارئ، دون حتى المساس بأي من اتفاقيات العار التي تربط النظام المصري بالكيان الصهيوني.

وفي الوقت الذي يشتد فيه عود المقاومة الفلسطينية ويستمر الشعب الفلسطيني في الصمود، تثور الجماهير الأردنية تجتاح الشوارع والميادين ضد ملك أفقر واستبد بشعبه، وخانه هو والشعب الفلسطيني. هذه الثورة الأردنية، التي تخطو خطواتها الأولى والتي بدأت شرارتها بالاحتجاج ضد زيادة الأسعار والتقشف، لا تمثل فقط ضربة قوية في وجه طغيان الحكم الملكي، لكن أيضاً ضربة مربكة لمشاريع الهيمنة الأمريكية في المنطقة ولاستقرار الكيان الصهيوني الذي يُعد الملك الخائن من أهم عملائه.

وبالتوازي مع كل ذلك، تدخل الحركة الاجتماعية في أوروبا مرحلة جديدة أكثر جذرية وتحدياً لخطط التقشف التي تفرضها الحكومات وصندوق النقد الدولي على شعوب القارة. ففي 14 نوفمبر الجاري، اهتزت ربوع أوروبا بإضرابات عامة لملايين من العمال عبر أكثر من 20 بلد في تضامن ووحدة وترابط يجتاز الحدود لم يسبق له مثيل.

والثورات والتحركات الجماهيرية الكبرى لا تتقدم هكذا بمعزل عن بعضها؛ فالنظام العالمي المأزوم قد هيأ الظروف التي تدفع الملايين للتمرد والثورة ولتحدي السلطات التي تحكمهم بالقهر والفقر والاستبداد. وكل خطوة تخطوها جماهير أوروبا لإسقاط حكوماتها، ولإسقاط خطط الإفقار التقشفية، هي نصر للجماهير المصرية والعربية في تحدي أنظمتها وإسقاطها. وكل خطوة تخطوها المقاومة الفلسطينية لرد العدوان ولتقويض آلة الحرب الصهيونية، هي نصر أيضاً للجماهير المناضلة من أجل العدل والحرية والمساواة.

المقاومة الفلسطينية تصمد وترد رغم المجازر.. فقراء الأردن ينتفضون.. جماهير أوروبا تتوحد رغم التقشف والإفقار.. ثورة مصر تتقدم بإضرابات عمالها واعتصامات طلابها رغم التشويه والهجوم والاستعداء. “ربيعنا” الطويل لا يزال في ريعانه.. و”خريفهم” الطويل في بدايته.

التعليقات