بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

عرض كتاب

الشعب يريد: بحث جذري في الانتفاضة العربية

دار الساقي – بيروت (2013)

جلبير أشقر*

ترجمة: عمر الشافعي

“ولما كانت السيرورة الثورية في المنطقة العربية لا تزال جارية وستظل لأمد طويل، فإن كل سجل للوقائع يسعى إلى مواكبة الزمن إنما يواجه خطر أن تتجاوزه الأحداث حتى قبل خروجه من المطبعة. ويحاول هذا الكتاب، عوضا عن ذلك، تحليل دينامية الأحداث بغرض استخلاص دروسها الكبرى وتفحص آفاقها. إنه بحثٌ جذري في الانتفاضة العربية بمعنيي الكلمة: فهو يرمي إلى استكشاف الجذور العميقة للظاهرة؛ لكنه مكتوب أيضاً انطلاقاً من اقتناع عميق بعدم وجود حل مستدام للأزمة دون تغيير تلك الجذور”.

هكذا يلخّص جلبير الأشقر، الكاتب والباحث الماركسي اللبناني، والأستاذ في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) في جامعة لندن، الهدف من كتابه الشعب يريد: بحث جذري في الانتفاضة العربية، والذي يمكن اعتباره أول بحث متكامل ينتجه اليسار الماركسي العربي في حال ثورات الربيع العربي وأسباب انفجارها، مقدما لقرّائه تحليلا واقعيا للظروف الاقتصادية والسياسية والنضالية التي تضافرت معاً لتشعل الفتيل، ذلك الذي تَمثل، لسخرية القدر المريرة، في شكل الشهيد محمد البوعزيزي، يوم ١٧ ديسمبر ٢٠١٠.

يبدأ الكاتب بوضع فرضيته عن الأزمة في المنطقة العربية والتي أدت لحدوث الانتفاضات الثورية العربية، حيث يرى أن الربط المباشر بين الأزمة في هذه المنطقة وأزمة نمط الإنتاج النيوليبرالي العالمية، التي بدأت في ٢٠٠٨، هو تبسيط مخل، يهمل أسباب أعقد وأقدم تخص المنطقة ذاتها، حيث يرى أن عوامل الإنفجار جاءت باﻷساس ليس من أزمة الرأسمالية عامة، حيث اصطدم النمو الاقتصادي الذي تحققه مع علاقات الإنتاج التي تحكمه، والتي كانت منطقة الشرق الأوسط في الحقيقة أقل المتأثرين بها، وإن كان ذلك عاملا مساعدا، بل في الأساس من إعاقة في النمو ذاته سببتها النمطيات الخاصة للرأسمالية المنتشرة في دول الوطن العربي. هذه النمطيات ليست نتاج أزمة في التنظيم ولكن نتاج الطبقة الاجتماعية الحاكمة، وبالتالي فالوسيلة الوحيدة لحل الأزمة هو الإطاحة بهذه الطبقة الاجتماعية وإرساء بنى اجتماعية وسياسية جديدة.

يلخّص الكاتب الوضع الاجتماعي لسكان المنطقة العربية في ثلاث كلمات – الفقر، اللامساواة، اللااستقرار. يغرق الكاتب في تحليل عدد كبير من الاحصائيات والتقارير الاقتصادية، ليكشف الغطاء عن حقائق مظاهر الإعاقة الاقتصادية في المنطقة العربية، موضحا كذلك الحقائق التي تخفيها أو تهملها هذه التقارير، حيث ينخفض معدل النمو السنوي لنصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي عن جميل المناطق الأخرى النامية، كما يحلل الكاتب أيضا خطي الفقر الدولي والوطني ويظهر لنا الارتفاع المرعب لعدد السكان الذي لا يمكنه الحصول على السلع الأساسية، كما يتحدث الكاتب باستفاضة عن البطالة والعمل غير الرسمي في المنطقة، والعوامل المؤثرة الثلاثة الرئيسية وهم نقص تشغيل الشباب ونقص تشغيل النساء، محللا العوامل الاجتاعية والثقافية لذلك، ونقص تشغيل الخريجين والخريجات، من لم يعد متاحاً أمامهم نفس فرص التعيين التي وجدها الأجيال السابقة في وقت هيمنة القطاع العام.

ينتقل الكاتب للحديث عن أزمة الاستثمارات في المنطقة كاحد هذه المظاهر، ويلاحظ الانخفاض الشديد في الاستثمار في البنية التحتية ووسائل الإنتاج الصناعي في المنطقة، ثم يشرع في تحليل شكل النمطية الخاصة للرأسمالية في المنطقة المسببة للإعاقة. نجد أن طبيعة أنظمة الحكم في المنطقة العربية والعلاقات السياسية هي المسؤولة عن هذه النمطية، حيث يظهر لنا شكل دولة ميراثية أو شبه ميراثية، تنتمي فيها برجوازية الدولة لأسرة حاكمة واحدة أو حزب حاكم أو كيان كالجيش، وتنتقل فيه السلطة بالوراثة ويحط بها برجوازية سوق تتكون من رجال الأعمال المحاسيب والشركاء لبرجوازية الدولة، وتعتمد الطبقة البرجوازية بالأساس على الريع قادم من النفط والغاز والمعادن والريع الإداري كما في حالة قناة السويس بالإضافة إلى المعونات الخارجية، نمط احتكاري من النيوليبرالية يسيطر عليه رجال الأعمال محاسيب النظام الحاكم، ويتحدث الكاتب عن تشكل هذه الأنظمة إما على يد تقسيم الاستعمارية لأراضي الجزيرة العربية ومساعدتها لقبائل معينة للاستيلاء على السلطة مقابل النفط، وإما بسبب تحول الديكتاتوريات العسكرية التي نشأت في الخمسينات والستينات من رأسمالية الدولة إلى “الانفتاح” في السبيعنات.

يتحدث الكاتب أيضا عن العوامل السياسية والإقليمية للثورة، ويبدأ بالحديث عن “لعنة النفط” التي كانت سبب الاهتمام الولايات المتحدة الدائم بالمنطقة وتدخلها الدائم في سياساتها، متحدثا عن العلاقة المركبة الاقتصادية والعسكرية بين أمريكا والسعودية بالذات، يطيل الحديث ساخراً من تحول السياسة الأمريكية في عهد بوس الابن من الحديث عن خصوصية المنطقة العربية وضرورة التعاون مع الأنظمة القمعية للحفاظ على الاستقرار إلى الحديث عن أهمية الترويج للديمواقراطية كتبرير للتدخلات السياسية والعسكرية في المنطقة، في نفس الوقت الذي تستمر فيه علاقة أمريكا بأكثر الدول رجعية في المنطقة، وينتقل من هنا إلى الحديث باستفاضة العلاقات المتشعبة بين جماعة الإخوان المسلمين وبين الولايات المتحدة مرة عن طريق راعيها الأول العاهل السعودي ثم عن طريق راعيها الثاني أمير قطر الذي كان يهوى التدخل في السياسة الخارجية ولعب دور الوسيط في المنطقة والذي ربطه بالإخوان رجله في التنظيم الشيخ يوسف القرضاوي، وتحدث عن الدور التي لعبته قناة الجزيرة كأداة سياسية لهذا الأمير تسمح بظهور معارضي نظرائه من الحكام العرب بكل حرية لتخلق متنفس للجماهير يقلل من جذرية تحركاتهم ويسمح بتوجيههم لخدمة مصالحه.

ينتقل الحديث بعدها إلى “الذوات الفاعلة” في الانتفاضة العربية، العناصر التي قامت بشكل مؤقت ولا مركزي بدور العنصر الذاتي الذي مهد للثورة، وبدأ حديثه بالكلام عن الحركة العمالية والاجتماعية التي تصاعدت تدريجيا في العقد الأخير قبل الثورة، وعزى الكاتب قوة الثورة في مصر وتونس بالذات للتماسك النسبي والتاريخ الطويل للنضال العمالي في البلدين، ثم تحدث الفاعل الجديد على الثورات وهو النشطاء المستخدمين لشبكة الانترنت كأداة حشد جماهيري، حيث تكونت شريحة من الشباب الرافض للقمع والمؤمن بالحرية والعدالة الاجتماعية وتمكنوا من استغلال نسب استخدام الانترنت المرتفعة في الوطن العربي للحشد والدعوة للانتفاضات. عامل أخر مهم نتج عن الرجعية المتبقية نتيجة التطور المركب اللامتكافئ للرأسمالية في المنطقة، وهو النزعات الطائفية والقبلية والإقليمية، والتي بنت الأنظمة الميراثية والنيوميراثية في المنطقة عليها تحالفاتها وأسس حكمها، مما زاد من عوامل الانفجار في الوطن العربي.

يقدم المؤلف كشف حساب لحصاد ثورات المنطقة حتى وقت كتابة الكتاب في أكتوبر ٢٠١٢ من التسوية المحبطة مع السلطة في اليمن إلى التغيير السياسي الجذري في ليبيا، مرورا بالوضع شديد التعقيد في سوريا والقمع الشديد للانتفاضة في البحرين ووصول العسكر إلى السلطة والنضال ضدهم في مصر وحتى وصول الإخوان للحكم في مصر وتونس. يعود بعدها للحديث مجددا للحديث عن علاقة الإخوان بأمريكا ومحاولة استيعاب قوى الإمبريالية للثورة، ويرفض فكرة “التسونامي الإسلامي” الذي سيطر على ثورات ويتنبأ بتحطم خطاب الإخوان الديني المحافظ، لا بزيادة هيمنته، عند وصولهم إلى السلطة وهو ما قد رأيناه الآن بالفعل، نتيجة استهداف قيادتهم البرجوازية إلى تحرير السوق وتوسيع السياسات النيوليبرالية الصرفة، وهو ما حاولوا فعله استلهاما للنموذج التركي غير آخذين في الاعتبار الفارق بين تركيا وبين مصر وتونس من ناحية الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

تحدث أيضا عن الفارق بين محاولة التدخل الأجنبي في ليبيا والمكاسب التي سعى لها هناك في مقابل المخاوف السياسية من التدخل في سوريا، وهناك نقطة يختلف فيها الكثير من الرفاق مع الكاتب في رؤيته لضرورة الغطاء الجوي الأجنبي، رغم انتهازية المشاركين الواضحة، في الإطاحة بالقذافي، والمفارقة في رفضه للتدخل مماثل في سوريا، ويرون أنه كان من الأفضل البحث عن وسيلة أخر غير الاعتماد على التدخل.

في نهاية الفصل الأخير من الكتاب يقدم المؤلف رؤيته للحل البديل لتجذير الثورة وبدأ الحصول على مكاسب جذرية حقيقية تدفع الثورة إلى أمام، وهو وصول قوى يسارية جماهيرية مرتبطة الحراك العمالي القوي للسلطة، لتبدأ مرحلة من التغيرات الجذرية في نمطية الإنتاج تبدأ في فك الانسداد التنموي للاقتصاد، ووقع خياره غير الموفق في مصر على القيادة الناصرية لاتحاد النقابات المستقلة وحزبها السياسي المتمثل في التيار الشعبي وزعيمه حمدين صباحي، والذي كتب المؤلف لاحقا في مقالاته عن انتهازيتهم وتحالفهم مع البرجوازية العسكرية التي انقلبت على إرادة الجماهير بعد ٣٠ يونيو. أري أن الحل مازال موجودا، وإن كان أكثر صعوبة، متمثلا في منظمات اليسار الثوري، التي مازالت صغيرة كما علق الكاتب في كتابات أخرى، وتكوينها روابط قوية مع الحركة العمالية التي مازالت لم تكون وعيا سياسيا قويا بعد، والعمل المشترك مع شبكة النشطاء والحركات الديموقراطية التي مثلت أحد الذوات الفاعلة منذ بداية الثورة. أتفق هنا مع المؤلف على حقيقة أن هذه الانتفاضة ذات الجذور الاقتصادية والاجتماعية لم تمس بعد البنية الاجتماعية والاقتصادية للنظام، وبالتالي فإن استمرارية هذه الانتفاضة هو أمر واقع لا يدع مجالا لليأس.

في النهاية، لا يسعنا الحديث كل تفاصيل الكتاب شديدة الأهمية، غير أنه لابد من التأكيد على أهمية هذا البحث العميق لمسببات الثورة وطبيعة أرضية الصراع في المنطقة العربية، وأن أنصح كل ثوري ماركسي يبحث عن الطريقة لفهم الثورات العربية وكيفية رسم التكتيكات المناسبة لإنجاحها بقراءة هذا البحث العظيم.

*جلبير أشقر كاتب وباحث لماركسي لبناني يدرس في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) في جامعة لندن

   

التعليقات