بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

غزة وظاهرة “الناصر ساداتية”

السيسي وعبد الناصر والسادات

*مُنع هذا المقال من النشر في جريدة الأهرام

في 30 يونيو 2013 لفت نظري ظهور صور الرئيس الأسبق “أنور السادات” في ميدان التحرير للمرة الأولى منذ 25 يناير 2011. وبعدها بأيام باغتتني زميلة صحفية بلهجة مشاكسة قائلة: “خلصنا من فلسطين وسيرتها”. وبعدها بشهور مرت زيارة وفد نقابة الصحفيين إلى رام الله والقدس بسلام. وتغاضى مجلس أولى النقابات المهنية التي رفعت لواء مقاطعة إسرائيل في زمن “سلام السادات” عن واحدة من أخطر شبهات التطبيع الجماعي، إن لم نقل وقائع هذا التطبيع في تاريخ الصحفيين المصريين. ومع أن للزملاء الناصريين ثقلهم غير المنكور في هذا المجلس. ومنذ ذلك الحين لم أعد أندهش كثيرا لمثل هذا “البوستر” الذي يجمع بين صورتي الرئيسين “السادات” كامب ديفيد و”عبد الناصر ” القومية العربية. لكنني بدأت اتلمس في هذا الموقف أو ذاك “الساداتية” تتجلى كسياسات وممارسات خلف واجهات “ناصرية” براقة.

ومع العدوان الصهيوني البربري الجديد على قطاع غزة وتداعياته على مصر وفيها اعتقدت أن الاختبار الأخطر لتماسك تلك الظاهرة الجديدة في السياسة المصرية وفي صفوف نخبتنا قد جاء. وهو بالقطع اختبار أشد هولا وأوسع نطاقا مما جرى في نقابة الصحفيين. لكنني وإلى حينه لا أجد مايفيد كثيرا بتمرد هذا القناع الناصري على جوهره الساداتي. وعلما بأن “الساداتية” انطلقت في السنوات الأخيرة لحكم صاحبها في حالة عداء مع “الفلسطيني”، وعلى نحو خاص، “الفلسطيني المقاوم” للاحتلال الاستعماري العنصري الاستيطاني الإحلالي كما تمثله الحركة الصهيونية وإسرائيل. واستندت في ذلك إلى الترويج لانعزال القاهرة عن محيطها و افتعال خصومة بين الوطنية المصرية والقومية العربية وإلى مفهوم منقوص وكارثي للأمن القومي للبلاد يهزأ بحقائق الجغرافيا والتاريخ. واتخذت ظهيرا لها قوى اجتماعية تتبنى التبعية لأمريكا و انفتاح الاستهلاك والتوكيلات الخارجية لتلوح برخاء لم يأت أبدا.

قد يصح القول بأن استعادة العداء بين دولة يوليو 1952 وجماعة الإخوان فضلا عن تقلبات الربيع العربي قد دفعت بنا إلى ظاهرة “الناصر ساداتية” هذه. ولا شك أن حركة “حماس” بحكم جذورها الإخوانية قد لحق بها أبلغ الضرر من صدام الدولة والجماعة في مصر ومن تقلبات الربيع العربي في سوريا أيضا. بل يمكن الإشارة كذلك إلى أزمة الحوار الإسلامي العروبي في المشرق العربي بأسره و مخاطر ضياع جهود نحو ربع قرن من المصالحة والتقارب بين الإسلاميين و القوميين. لكن يظل من الخطأ والظلم النظر ببساطة إلى “حماس” بوصفها فرعا للإخوان أو ذراعا لها. صحيح أن هناك بحكم التاريخ والأيديولوجيا مكونا إخوانيا في الحركة. لكن يفترض المتابعون والدارسون لتطور “حماس” استقلاليتها في اتخاذ قراراتها السياسية والعسكرية انطلاقا من كونها بالأساس حركة تحرر وطني متجذرة بين شعبها و في أرض فلسطين المحتلة.

على مدي أكثر من عامين كيلت الاتهامات في وسائل إعلام هنا لحماس بزعم تورطها في الشأن الداخلي المصري لحساب الإخوان. لكن لم يثبت بالقطع بعد أي من هذه الاتهامات. كما أن مثل هذه الحملة الاتهامية التحريضية تتجاهل بيانات صريحة لقادة الحركة تؤكد على حرصها عدم التدخل في شأن داخلي لأي بلد عربي. وعلى أي حال فقد امتدت حملة الكراهية ضد إخوان مصر إلى “حماس” ومنها إلى قطاع غزة ومنه إلى القضية الفلسطينية بأسرها. وفي ذلك إعادة إنتاج لذات المسار والأساليب التي اتبعها “السادات” في تصعيد الخصومة ضد فلسطين انطلاقا من الخلاف مع منظمة التحرير منذ منتصف عقد السبعينيات.

ومنذ أيام تحركت حملة الكراهية والشيطنة ضد “حماس” والفلسطينين بقوة الدفع الذاتي مجترة عامين من الشائعات غير عابئة بكون القطاع الآن تحت المجازر الصهيونية وبأن “حماس” وغيرها تحمل والآن السلاح وتقاوم في وجه العدوان. واكتسبت هذه الحملة زخما من تعثر جهود مصر لوقف إطلاق النار في اليوم السابع للعدوان، وبدعوى رفض حماس لمبادرة القاهرة. لكن الحق أن العديد من الفصائل الفلسطينية المقاتلة على الأرض بما في ذلك “الشعبية” و”الجهاد” رفضت أيضا وليس “حماس” وحدها. والحق أيضا أن هناك أكثر من تحفظ وملاحظة على بنود المبادرة وعلى طريقة إخراجها وتسويقها. وهي تحفظات وملاحظات كان يجب أخذها في الاعتبار عبر قنوات الاتصال بدلا من إطلاق حملة تلصق “بحماس” مسئولية سقوط المزيد من ضحايا العدوان. بل وتمنح آلة إرهاب الدولة الصهيونية الضوء الأخضر كي توغل في العدوان وتنتقل الى العملية البرية.

بالقطع لحماس أخطاؤها. وكذا لغير حماس. لكن ليس هذا وقت الحساب أو العتاب. وقطاع غزة ليس كله حماس. وكل الجهود يجب أن تتجه لصد العدوان وإفشاله ومعه أهدافه السياسية والعسكرية. وبالقطع أيضا لا أحد يدعو لانخراط مصر في حرب ضد الاحتلال الاسرائيلي هناك، مع إدارك عمق اعتبارات الجوار الجغرافي وحجم المسئولية التاريخية، بما في ذلك احتلال غزة عام 1967. ولكن كان من المأمول بعد ثورة 25 يناير أن نتخلص من عار “مبارك” بإغلاقه المتكرر لمعبر رفح والمشاركة في حصار نحو مليوني فلسطيني في القطاع وأن ترتفع القدرة على اتخاذ اجراءات ضد العدوان مثل تخفيض التمثيل الدبلوماسي مع تل أبيب. وهكذا يبدو أن غزة تدفع هي الأخرى ثمن المنعرجات التي سارت فيها البلاد، بما في ذلك حكم الرئيس الإخواني وبروز تيار ساداتي الجوهر بقناع ناصري.

         

التعليقات