بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

قوم يا سيف.. لسه الأغاني ممكنة

أحمد سيف الإسلام، عدسة حسام الحملاوي، 2008.
أحمد سيف الإسلام، عدسة حسام الحملاوي، 2008.

صباح الأربعاء في الرابع والعشرين من يوليو 2013 دخل أحمد سيف الإسلام المحامي اليساري إلى قاعة أحد فنادق القاهرة ملبيا دعوة وزير القوى العاملة لجلسة حوار اجتماعي من أجل قانون جديد للنقابات. كان وزير الدفاع قد طلب نزول الشعب للشوارع لمنحه تفويضا بشن الحرب على الإرهاب. وبمجرد دخوله للقاعة رفع صوته متسائلا في احتجاج “هي الحكومة لسه موجودة، مش خلاص الشعب هايفوض وزير الدفاع يعني كده الحكومة مش موجودة”. إحتجاج سيف واجهته العبارات التي سادت ساعتها “الأمن القومي في خطر والكلام ده مش وقته” “في مواجهة الإرهاب ما فيش مجال لكلام حقوق الإنسان”. وغيرها من التي واجهها سيف بابتسامة مزجت بين السخرية واليأس، بينما حاول وزير القوى العاملة تفادي الدخول في أي نقاش ببدء جلسة الحوار التي انتهت إلى لا شيء.

في ظل الغموض والاختلاط الشديد الذي شهدته مصر في تلك اللحظة، كان سيف الذي بدأ نشاطه السياسي ونضاله قبل أكثر من أربعين عاما وعاصر تحولات متتالية في الواقع المصري والنظم الحاكمة، يدرك أن لحظة تحول جديدة يعيشها المصريون. كان قادرا أن يخترق بنفاذ بصره كل الجدران التي خلقتها الدعاية الشمولية التي عرفها من قبل طوال سنوات نضاله، ليعرف أن ثورة على وشك أن تسرق وتضيع مكاسبها تحت نفس الشعارات التي استخدمها نظام مبارك. وأن كل القيم والمبادئ التي دافع عنها سيجري انتهاكها باسم الحفاظ على الدولة.

ربما كان يعرف وقتها أن كلماته لن يسمعها أحد. وأن التشنج والغوغائية كفيلان بالتشويش على أي جقيقة، ولكنه كالعادة أصر أن يقول ما يراه صحيحا. في الوقت الذي كتم الكثيرون أنفاسهم حتى تمر العاصفة. وربما لم يغب عن ذهنه أن موقفه هذا لن يمر دون أن يدفع ثمنه. ولكنه كان قد اعتاد بالفعل على مدار أربعة عقود أن يدفع ثمن نضاله ومواقفه.

يصعب القول بأن كل ما يعاني منه هو المرض والألم الذي هاجمه. أو أن حبس أبنائه قد أفقده القدرة على المقاومة. فقد واجه سيف من قبل المحن والألام بصلابة يصعب أن تتكرر. فعندما أودعته سلطات مبارك في السجن بعد إدانته في قضية التنظيم الشيوعي المسلح “المطرقة” اختار أن يحول فترة السجن لمرحلة دراسية حصل خلالها على ليسانس الحقوق وأتقن اللغة الإنجليزية، متحديا السجن والسجان. ورغم تراجع قناعته بالأفكار التنظيمية التي تبناها في مرحلة مبكرة من نضاله، لم يتوقف سيف فور خروجه من سجنه عن النضال بصيغ بديلة. تصدى سيف لقضايا الحريات وحقوق الإنسان، ووقف مدافعا في قضايا الرأي والتعذيب والاضطهاد. التعذيب الوحشي والسجن اللذان تعرض لهما دفعاه ليصبح مناضلا ضد كل تعذيب وكل سجن واضطهاد أيا كان من يقع عليه الاضطهاد، متجاوزا حالة الانتقاء على أساس سياسي أو حزبي أو على أي أساس ليضرب مثل لكل الحركات السياسية في مصر التي ترفض الاضطهاد الذي يقع عليها، وربما يصمت بعضها عن اضطهاد الآخرين ويذهب البعض أبعد من ذلك ليرحب باضطهاد القوى التي يختلف معها. حاول سيف طوال عمله كمحامي في قضايا الحريات أن يعيد الاعتبار للمهنة، ولا يكتفي بالتأثير السياسي والإعلامي لقضايا الحريات والسياسة. وانتقد دائما إهدار الحرفية والإتقان في قضايا الحريات والاكتفاء بالخطابة والتأثير في الرأي العام.

عندما علق أحمد سيف على حبس أبناءه مع الكثير من شباب الثورة ومناضليها قائلا “لم نورث أبنائنا سوى السجون والزنازين” كان يعبر عما يعانيه المجتمع بأكمله وليس ما يعانيه هو وأسرته فقط. بل كان يعبر عما يعانيه المجتمع كله. المجتمع الذي انتفض ثائرا ليطيح بالاستبداد والاستغلال، فوجد ثورته نضيع، وبدل من أن يحصد ثمار ثورته عاد ليجد الزنازين والتعذيب والاستبداد والقهر مجددا. تلاقى على قلب سيف مرضه ومحنة سجن أبنائه، مع تبدد الأمل وغموض المستقبل الذي ظل يناضل من أجله دائما. قد يبدو كل ذلك كثيرا على رجل واحد. ولكن أحمد سيف الذي تحول في نظر كل من عرفه إلى رمز وقيمة لكل القيم التي ناضل من أجلها، يبدو للجميع قادرا على التصدي للمحن واجتيازها. يبدو ببصيرته التي اكتسبها عبر خبرة السنين قادرا على إدراك قصر تلك اللحظة المظلمة التي تمر بها الثورة.

ليت سيف يستمع الآن لمئات القصص التي يتناقلها عنه كل من عرفه ليدرك أن ما قام به وناضل من أجله لم تبدده الأوقات العصيبة والظروف العصيبة التي تمر بها الثورة. ليعرف أن ما زرعه سيثمر اليوم أو غدا وأن الفقراء والمضطهدون سيجنون ثماره. ليته يرى تلك العيون التي تتطلع لشفائه وعودته إلى ساحات النضال ليؤازرها ويأخذ بيدها. ليته يستمع لتلك الندءات التي تتوجه له في كل ساعة “قوم يا سيف لسه الأغاني ممكنة”. لينهض مكملا مسيرته.

الاشتراكيون الثوريون الذين عرفوا أحمد سيف مناضلا عظيما يتعالى على الخلافات لصالح المبدأ والقيمة، ويفتح قلبه وعقله للجميع، ويقاوم المحن بالأمل والمقاومة، يعرفون قدرته على تحدي محنته التي هي محنة لكل المناضلين من أجل العدل والحرية في مصر.

التعليقات