بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

الفساد الرياضي في مصر:

دوري الشركات

Soccer Goalie Trying to Block Goal

“عايزين جمهور بفلوسكم والانتماء يطير، دوري شركات وبزنس وفلوس الشعب بتضيع”

من أغنية عقيدة الفرسان ــ ألتراس وايت نايتس.

قبل خمسة عشر عامًا، كان الدوري المصري الممتاز لكرة القدم يعج بالأندية العامة التي تمثل عدد من المحافظات والمناطق الجغرافية المختلفة مثل: المنصورة والترسانة وطنطا ودمياط والشرقية ومنتخب السويس وأسوان والأوليمبي والمنيا وجمهورية شبين، بالإضافة لأندية الشركات والهيئات التي لم تكن تمثل مضايقة أو تمارس هيمنة أوإهدار لتكافؤ الفرص مثل (غزل المحلة والمقاولون العرب والقناة والسكة الحديد)، وهو ماجعل لهذه الأندية شعبية وأنصار فتحولت لأندية جماهيرية أكثر من كونها أندية شركات بالمفهوم الحديث، بعد أن ظلت بالدوري لعشرين وثلاثين وأربعين عام، وسبق لبعضها الفوز ببطولة الدوري والكأس وتمثيل مصر في البطولات الإفريقية، ومنها من يمثل مدن كبيرة كالمحلة الذي يعتبر النادي الأول بمحافظة الغربية.

كان التنافس مبني على جماهيرية كل الفرق التي تستمد قواها من الحضور الضخم على ملعبها ومؤازرة عدد ليس بالقليل في مباريات خارج الديار، ولك أن تتخيل كم الحفاوة والاهتمام بمباريات القطبين مع نادٍ مثل المنصورة على ملعب الأخير فينقلب حديث الشارع الدقهلاوي في ذلك اليوم للإنشغال بهذا الحدث فقط وتتوقف ساعة الزمن بالمدينة عند موعد اللقاء.

كل هذا جعل المباريات حماسية ومثيرة، مما أدى إلى تصنيف البطولة المصرية كأهم البطولات المحلية في منطقة الشرق الأوسط والقارة السمراء، وكان اللعب في الأندية المصرية يمثل حلم للعديد من اللاعبين الأفارقة ليبرزوا قدراتهم ومهاراتهم فيعبروا إلى الإحتراف في الدوريات الأوروبية على نهج النيجيريين (امونيكي وجون اوتاكا).

ظل الوضع على هذا الحال حتى مع ظهور الأندية غير الجماهيرية في أواخر القرن الماضي مثل (مزارع دينا المملوك لشركة دينا للاستثمارات الزراعية، ونادي جولدي “المعادن سابقًا” المملوك لرجل الأعمال أحمد بهجت).

لعبت هذه الأندية موسمين أو ثلاثة، وسرعان ما انهارت لأنها كانت أندية استثمارية لم تحقق الغرض المطلوب في بيئة رياضية تهتم بكرة القدم باعتبارها لعبة شعبية أكثر من كونها صناعة، وواجهت صعوبات في الاستمرار ببطولة تُحسم مبارياتها من المدرجات بشكل كبير، فباتت في دوريات القسم الثالث والرابع حالياً، حالها حال مراكز الشباب.

ومع بداية القرن الجاري غزت أندية مؤسسات الدولة وشركات القطاع العام بطولة الدوري، لكن هذه المرة بصورة مختلفة تضمن لها البقاء بشكل دائم في المسابقة، بل تدفعها للمنافسة عليها. حيث اتبعت هذه الأندية من البداية حزمة سياسات جعلتها تعتمد على شراء لاعبي الأندية الكبرى بجانب أفضل لاعبي أندية الوسط، وتحفيزهم بمكافئات ضخمة عن كل فوز يحققوه، معتمدة في ذلك على مواردها المالية الكبرى التي قيل إنها في أندية البترول 5% من قيمة أرباح الشركات التابع لها كل فريق (1)، وتعاقدت مع أجهزة فنية من أكفأ المدربين المحليين مثل (مختار مختار والمغفور له طه بصري وحلمي طولان وطارق العشري وعبد العزيز عبد الشافي وغيرهم).

واستغلت إدارة النادي وظائف الشركة في حسم الصفقات الثقيلة بإغراء عشرات اللاعبين وتعيينهم في هيئاتها برواتب كبيرة دون أن يذهب أي منهم أو يعرف طبيعة العمل بالبترول. (2)

البداية كانت في موسم 2002/2003 مع صعود فريقيّ إنبي البترولي وحرس الحدود العسكري، اللذان احتلا المركزين الرابع والخامس على الترتيب في جدول المسابقة، وهي مراكز متقدمة جدًا بالنسبة لأندية صاعدة حديثًا، وفي هذا الموسم حقق النادي البترولي مفاجأة قلبت موازين البطولة في آخر مبارياتها بعد أن فاز على الأهلي بهدف دون رد، ليهدي درع البطولة للزمالك، ويستخرج شهادة ميلاد له بين الكبار.

وفي موسم 2004/2005 شهدت البطولة توافد ثلاث فرق تلعب بالممتاز لأول مرة في تاريخها، أسمنت أسيوط وأسمنت السويس المملوكتين للدولة آنذاك، بالإضافة لطلائع الجيش التابع للمؤسسة العسكرية.

وشهد موسم 2006/2007 صعود فريقين جديدين للبترول هما (بتروجيت وبترول أسيوط)، لتصبح الوزارة ممثلة بثلاثة أندية في البطولة. وفي الموسم الذي أعقبه صعد فريق الإنتاج الحربي لتصبح وزارة الدفاع ممثلة بثلاثة أندية هي الأخرى، وفي نفس الموسم تواجد نادي إتحاد الشرطة ممثلًا عن وزارة الداخلية قبل أن يلحق به فريق الداخلية بعد ثلاثة مواسم لتصبح للوزارة فريقين، وفي نفس الموسم أيضًا تواجد نادي المصرية للاتصالات ممثلًا عن الشركة التي تحمل نفس الإسم قبل أن يهبط إلى القسم الثاني ويصعد تليفونات بني سويف التابع لنفس الوزارة. وإزداد الوضع سوءًا بعودة الأندية الخاصة الاستثمارية مثل الجونة ووادي دجلة ومصر المقاصة وسموحة، بعد أن وجدوا ضالتهم بتوافر المناخ الذي يسمح لهم بالاستثمار في مجال كرة القدم وتحويله إلى صناعة ومصدر لتكوين الثروات.

كل أندية المؤسسات والشركات العامة صعدت بإهدار المال العام وعلى أكتاف الأندية الشعبية المهمشة من وزارة الشباب والرياضة والأحق بالدعم، وبتآمر من إتحاد كرة القدم والمجلس القومي للرياضة اللذان فتحا الباب ومهدا الطريق أمام أندية المؤسسات والشركات بالتحايل على لوائح الفيفا وقانون الرياضة المصري، فبالإضافة لما تحدثنا عنه في المقال السابق من مخالفة تلك الأندية للمادة 18 من لائحة الاتحاد الدولي، وبعد أن عرضنا الحل الأمثل لإصلاح هذا الوضع نسبيًا ألا وهو الدمج، إلا أنه تبين أن تمثيل كل هيئة بنادٍ واحد غير قانوني أيضًا، لأن القانون رقم 77 لسنة 75 بشأن مجالس إدارات أندية الشركات والهيئات الحكومية، ينص على ضرورة تعيين مجالس إدارات أنديتها بواسطة الوزير المختص وبتفويض من رئيس مجلس إدارة الشركة أو الهيئة التابع لها النادي (3)، وهو مايعد مخالفة أخرى لاشتراطات الفيفا التي تُلزم الاتحادات التابعة لها بوجوب انتخاب مجالس إدارات الأندية، غير أن الاتحاد المصري لايلتزم، مرضاة لأجهزة الدولة ومسئوليها.

فقد تحول الدوري العام إلى دوري شركات فعليًا، وفقد أهم مميزاته ألا وهي الجماهيرية والإثارة والاهتمام، بعد أن غابت الأندية الشعبية عن المسابقة وأصبحنا نرى المدرجات خاوية في أحيان كثيرة وبطلب من الأندية غير الجماهيرية التي تستفيد بالطبع من هذا الوضع (4). الدوري تحول إلى مسابقة تليفزيونية يتربّح منها الرعاة والقنوات المحتكرة وزملائهم من الإعلاميين، كل هذا تحت سمع وبصر وبمباركة إتحاد الكرة الذي لايعنيه من الأمر سوى نسبة الـ15% من قيمة البث وحقوق رعايته التي تؤول إلى الشركة الراعية للبطولة دائماً، ولا يهم أعضاؤه بالطبع أن الأندية الشعبية الباقية بالبطولة تناقصت إلى 6 فرق فقط، هي الأهلي والزمالك والإسماعيلي والمصري والاتحاد ودمنهور، ولا يضمن منها البقاء سوى القطبين، وتصارع البقية على البقاء فقط في كل موسم، في ظل الأزمة المالية التي تضربهم منذ سنوات.

على الجانب الآخر، ففي القسم الثاني تتصارع الأندية “الشهيدة” للعودة إلى البطولة منذ سنوات بلا جدوى، حتى الذي يحقق المعجزة ويصعد منها كغزل المحلة، لا يستطيع البقاء لموسم آخر ويتضح موقفه بالهبوط بعد مرور عدة أسابيع من إنطلاق المسابقة.

السبب في ذلك يرجع إلى فقدان الأندية الشعبية مقومات خوض الصراع، فهي كانت تعيش على موارد محدودة مثل (تذاكر المباريات، وحقوق الرعاية، والبث التليفزيوني)، بالكاد تغطي نفقات هذه الأندية على مدار الموسم. وبالطبع تفقد هذه الأندية مصادر الدعم المالي بهبوطها للقسم التاني، وفي ظل تجاهل الوزارة والدولة لها – اللهم إلا ببضعة آلاف من عام لآخر – صارت في دوامة أبدية ومشاكل لا تنتهي إن لم تزداد وتتفاقم.

حتى القسم الثاني بمجموعاته السبع لم يخل من أندية الشركات، وأنا على المستوى الشخصي لي تجربة واحتكاك مباشر بتلك الأندية وعلى معرفة طفيفة بأحوالها السيئة رغم وفرة مواردها وامتلاكها لملاعب جيدة إلى حد ما. كنت لاعبًا بقطاع الناشئين بأندية دمياط والمنصورة في وقت سابق، وكنا نلتقي بأندية يسبقها كلمة “كهرباء، غزل، مياه، سماد..” وهي تقريباً لها فرع في كل محافظة على مستوى الجمهورية، أو للدقة في كل بلد بها فرع للشركة وإن كانت عدة أندية داخل المحافظة الواحدة. وهذه أمثلة من مجموعة بحري والقناة فقط من عشرات الأندية التي تمتلكها هذه الشركات على مستوى الجمهورية.

كهرباء طلخا، كهرباء الاسماعيلية، كهرباء دمياط، كهرباء دمنهور، سماد طلخا، سماد أبوقير، سماد السويس، غزل السويس، غزل المحلة، غزل شبين، غزل المنصورة، غزل دمياط، غزل كفر الدوار، مياه البحيرة، مياه الدقهلية، مياه شربين.

وما خُفي في مجموعات القاهرة والصعيد كان أعظم، وأذكر أن الصعيد به أندية عدة تتبع شركات السكر لطبيعة تواجد هذه الصناعات هناك، وهذه الشركات لها أندية مثل (سكر الحوامدية، سكر أرمنت، سكر أبو قرقاص، سكر إدفو، سكر نجع حمادي).

الشيء الذي أعرفه هو أن هذه الشركات لا تحقق أرباحاً في عملها الأصلي وتعاني من مشكلات في التشغيل وسداد أجور العمال ويرجع كل ذلك إلى أزمات مالية في الأصل، وما لا أفهمه هو كيف في الوقت نفسه تُبدد وتهدر كل هذا المال على أندية لا تحقق شيء لها هي الأخرى؟! ولماذا الإصرار على عدة أندية، لن أقول إلغاء تمامًا، ولكن لماذا لا تكتفي كل شركة ومؤسسة بفريق واحد على مستوى الجمهورية؟! بالطبع هذا مدخل لسرقة أموال الشعب، والغريب أنه يحدث علانيةً وجهراً أمام أعين الأجهزة الرقابية.

ولعل ماحدث في شركة بتروسبورت بالشهر الماضي يوضّح جانب من الحال الذي بات عليه عمال الشركة، حيث احتجز العاملين بالشركة رئيس مجلس الإدارة ياسر المغربي داخل أسوارها وأغلقوا كافة الأبواب وظلوا على هذا الوضع مطالبين وزير البترول بفصل رئيس مجلس الإدارة وتحويله للتحقيق بعد أن ساءت أوضاعهم المادية وتدهورت أحوالهم، ولم يفلته من قبضتهم سوى أفراد الشرطة واستجابة وزير البترول لمطلبهم (5).

كل هذا في الوقت الذي تمارس فيه الشركة سياسة التوسع في نشر أفرعها من أندية ومنتجعات رياضية كاملة على مستوى الجمهورية، تقدر تكلفتها بمئات الملايين من الجنيهات، منها ستاد بتروسبورت لنادي إنبي فقط بتكلفة 300 مليون جنيه (6) (7).

لمواجهة تغوُّل الأندية اللا جماهيرية، تم تأسيس عدة روابط في أزمنة مختلفة من جانب رؤساء الأندية الشعبية من القسمين الأول والثاني، وعقدت أولى مؤتمراتها في أكتوبر 2008 بأحد فنادق القاهرة بدعوة من حسن فريد، رئيس نادي الترسانة وقت ذاك، وبعد أن اتفقوا على مطالب بعينها، أقنعهم الرجل بخوض انتخابات إتحاد الكرة وتحقيقها حال فوزه (8). ترتب على الأمر هلع سمير زاهر رئيس الاتحاد الكرة في هذا الوقت وصار يعقد اتفاقات سرية بين عدد من رؤساء الأندية في الرابطة وجعلهم يطالبوا (فريد) بالعدول عن قرار خوض الانتخابات بعد أن وعدهم بزيادة مخصصاتهم المالية ودعمهم في الفترة المقبلة، أدى هذا إلى إنشقاق في الرابطة وانسحاب رؤساء أندية طنطا والمنصورة والأوليمبي والشرقية والحامول، وبالطبع خمدت أولى المحاولات.

تكررت اللقاءات في أعوام 2011 بالشرقية، و2013 بالمنوفية، وحدثت اجتماعات ودارت نقاشات واسعة لم تسفر عن شيء سوى قرارات ملأت عناوين الصحف، قبل أن تصبح هي والعدم سواء، لأن اتحاد الكرة لا يعترف باللجنة من الأساس ولا يرى نتائج اجتماعتها مُلزمة عليه.

بائت جميع المحاولات بالفشل في وقف هذا المد، والسبب أن رؤساء الأندية الشعبية هؤلاء غير جادين في اتخاذ مواقف حاسمة من شأنها تجبر اتحاد الكرة أو الدولة متمثلة في وزارة الرياضة، على تطبيق اللوائح والقوانين والعمل على توجيه الدعم للأندية العامة والشعبية، لأن هؤلاء ليسوا سوى واجهات صنعتهم الدولة كخدمٍ لها، وهذا ما سنفرد له المساحة الأكبر في مقال آخر.

هوامش
* أغنية عقيدة الفرسان ــ ألتراس وايت نايتس.
http://goo.gl/9hYTuE
(1) ياسرثابث، قصة الثروة في مصر، دار ميريت، 2012، ص418
(2) لجنة الصناعة بـ”الشعب” يشنون هجوماً على وزارة البترول بسبب انتشار الفساد http://goo.gl/89H5xM
(3) PDF لائحة النظام الأساسي للأندية الرياضية، الموقع الرسمي لوزارة الشباب والرياضة http://goo.gl/91bj8D
(4) خمسة أندية تطلب اللعب دون جمهور http://goo.gl/UF2LGt
(5) وقف رئيس “بتروسبورت” عن العمل بعد تظاهر العمال ضده http://goo.gl/srsYBK
(6) الموقع الرسمي لشركة بتروسبورت، طالع “مشاريعنا” http://goo.gl/yvOpP5
(7) ارتباك فى أندية «البترول».. ومخاوف من تجميد النشاط الكروى بعد رحيل «فهمى» http://goo.gl/2QXxAN
(8) اجتماع طارئ للأندية الجماهيرية غداً بطنطا لتأييد حسن فريد في رئاسة الجبلاية http://goo.gl/fuACGN

   

التعليقات