بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حول الثورة المضادة والإخوان

RevSoc

*المقال منشور على موقع مدى مصر بتاريخ 12 أغسطس 2015

طرح الاشتراكيون الثوريون دعوتهم للنقاش ونحن ندخل العام الثالث من الانقلاب العسكري ومن ديكتاتورية عسكرية تزداد وحشية يوماً بعد يوم. نطرح دعوتنا ونحن نعيش حرباً دائمة على الإرهاب تُمارس باسمها أبشع جرائم القمع البوليسي والعسكري من تعذيب واعتقالات واختفاءات قسرية وتصفيات جسدية.

نطرح دعوتنا ونحن نشهد حالة من الفشل، بل والشلل، في صفوف المعارضة لنظام السيسي. فهناك قطاع واسع من المعارضين السابقين من ناصريين وليبراليين ويساريين وإسلاميين انضموا لمعسكر الثورة المضادة، إما بحجة أن الخطر الأكبر يتمثل في الإخوان المسلمين وأن الانقلاب قد أنقذ البلاد من التحول إلى فاشية دينية، أو بحجة أنه أنقذها من مصير سوريا والعراق وليبيا، من حروب أهلية وانتشار للإرهاب الداعشي.

نطرح دعوتنا والمعارضة الإسلامية، المتمثلة في الإخوان المسلمين وتحالف دعم الشرعية، قد وصلت هي الأخرى إلى طريق مسدود. فمن جانب، ورغم استمرار المظاهرات، لم تتمكن قيادات الإخوان من خلق الزخم الضروري ليس للإطاحة بالسيسي، بل حتى لفرض أي تنازلات من قبل النظام. وقد أدى ذلك الإخفاق إلى انقسامات داخل صفوف الإخوان بين من يريدون التصعيد ضد النظام ومن يبحثون عن مخرج تفاوضي معه. هذه الانقسامات هي في الواقع تكرار لأزمات الإخوان التاريخية بين مهادنة النظام ومواجهته.

نطرح دعوتنا للنقاش والمعسكر الثالث للمعارضة، والذي نساهم نحن الاشتراكيون الثوريون منذ الانقلاب في محاولة بنائه، أي المعسكر المعارض للانقلاب وللحكم العسكري والمستقل عن الإخوان وتحالف دعم الشرعية، قد وصل هو الآخر إلى طريق مسدود؛ بل تحول في أفضل الأحوال إلى مجرد حملة لمساندة المعتقلين السياسيين، وهو أمر شديد الأهمية بالطبع، ولكنه لم يتمكن من طرح بديل سياسي معارض قادر على جذب أي قطاعات مؤثرة من الجمهور.

وعلى الرغم من تأكيد بيان الحركة في عدد من النقاط على أننا لا نتحدث عن مشروعٍ للتحالف مع الإخوان المسلمين، فقد أصر الكثير من منتقدي البيان على أن جوهر البيان هو دعوة الاشتراكيين الثوريين لتحالف مع الإخوان ضد حكم السيسي!

ربما من المفيد أن نقسِّم ردود الفعل على البيان إلى ثلاث مدارس أو اتجاهات. الاتجاه الأول هو الهجوم الحاد والمليء بالاتهامات والسباب الآتي مِمَن يمكن تصنيفهم بالجناح اليساري لمعسكر السيسي، هؤلاء الذين يتهموننا بالخيانة والعمالة للإخوان، إلخ. لن نتناول هذا الاتجاه هنا، فتلك الاتهامات أقرب إلى التقارير الأمنية الملفقة. وأصلاً لا أعتقد أنها موجهة إلينا للتعليق، بل موجهة للجهات السيادية التي تهتم بمثل تلك التقارير.

أما الاتجاه الثاني فهو رد فعل الإخوان أنفسهم. وهنا نجد حالة الانقسام والتذبذب تصل إلى مستويات غير مسبوقة. فبعض القيادات اعتبرت الدعوة موجهة إليهم واعتبرت، كما اعتبر أعداؤها من رجال ونساء السيسي، أننا بصدد دعوة الإخوان للتحالف والعمل المشترك ضد النظام. والبعض الآخر هاجم البيان بشدة واعتبرنا جزءاً من تحالف 30 يونيو، بل داعمين للانقلاب! وقيادات إخوانية أخرى ربما أكثر دراية فهموا أن البيان ليس موجهاً لهم، بل وينتقدهم بشدة ويفضح دورهم في خيانة الثورة.

أما الاتجاه الذي يهمنا هنا فهو المعسكر الثالث، أي تلك القوى والحركات الثورية الرافضة للانقلاب، المنتمية لأهداف وطموحات ثورة يناير ٢٠١١، ولكنها في ذات الوقت مستقلة عن وناقدة للمعارضة الإسلامية المكوَّنة من الإخوان وحلفائهم في تحالف دعم الشرعية.

ما ندعيه هو أن هذا الاتجاه الثالث يواجه أزمة حادة اليوم، وأن هذه الأزمة، بعد عامين من الانقلاب، تحتاج لنقاش جاد حول الاستراتيجيات والتكتيكات، وأن الخروج من هذه الأزمة يستدعي وضوحاً أكبر للرؤية سواء لطبيعة الصراع الدائر اليوم بين النظام وبين المعارضة الإسلامية بأشكالها المختلفة، أو حول طبيعة النظام الحالي وإمكانيات إعادة بناء معارضة جادة وفعالة له.

غير أنه وللأسف، فإن البعض مِمَن تناول بيان الاشتراكيين الثوريين، اكتفى بالإدانة والتبرؤ، دون مناقشة جادة للمضمون أو حتى اعتراف بأن هناك أزمة في مشروع بناء ما يسمى البديل الثالث. فالزميل يحيى فكري على سبيل المثال، انتقد البيان بحدة، مؤكداً أن البيان يدعو لتحالف مع الإخوان، بل أن تعبير “شباب الإسلاميين” هو مجرد رمز أو شفرة لجماعة الإخوان المسلمين، وبني بقية نقده على أساس هذا الافتراض! ولكن الزميل يحيى فكري، والذي بدأ هجومه بنبذة عن تاريخه الشخصي مع الاشتراكيين الثوريين، يعرف أكثر من غيره أننا لا نستخدم لغة الشفرات والرموز في بياناتنا. إذا أردنا طرح التحالف مع الإخوان الآن، لكنا طرحنا ذلك بكل وضوح وبدون “لف ودوران”.

يتفق معنا الزميل يحيى على أن من الخطأ وضع كل الحركات والجماعات الإسلامية في سلة واحدة. ويتفق معنا على أن هناك ضرورة لدراسة السياق الطبقي والتاريخي لمختلف هذه الحركات، ولكنه يتهمنا بـ”الميكانيكية” كوننا نستند على فهم هذا السياق في تحليلنا لجماعة الإخوان المسلمين كحركة إصلاحية متناقضة. حسناً، ما هو بديله لهذا التحليل الطبقي؟ ولماذا يفترض أن مثل هذا التحليل يتجاهل السياسات العملية للحركة؟

نعم، نحن نعتبر جماعة الإخوان المسلمين حركة متناقضة طبقياً، وبالتالي تظل إما في حالة شلل أو في حالة تذبذب دائم بين مهادنة النظام ومحاولة الوصول لصفقات معه وبين مواجهة النظام والصدام معه. ورغم كل التحولات التاريخية السريعة في الأعوام الأربعة الأخيرة، من المعارضة إلى الرئاسة والمشاركة في الحكم ثم العودة للسجون والمعارضة، هذه التحولات العنيفة في وضع وسياسات ومواقف الجماعة لا يمكن فهمها بدون فهم الطبيعة المتناقضة لمثل هذه التنظيمات.

أما عن الفرق بين إصلاحية الإخوان والإصلاحية التاريخية للأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، فنحن أكدنا في ورقتنا على الفرق النوعي بين الاثنين. الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية نشأت على أساس البيروقراطية النقابية في الحركات العمالية في ظل سياق ديمقراطية برجوازية. أما نشأة وتطور الإخوان، فقد جرت في سياق تاريخي واجتماعي مختلف نوعياً، فقواعدهم الأساسية في الطبقات الوسطى الحديثة والتقليدية في سياق رأسمالية متخلفة وفي أغلب تاريخها في ظل استبداد سياسي وغياب لحريات سياسية ونقابية.

حركة جماهيرية تتمركز كوادرها في صفوف الطلاب والمهنيين، ويمتد نفوذها لقطاعات من الفقراء بما في ذلك العمال، في سياق من الاستبداد والفساد وغياب استثنائي ليسار بمعناه الواسع، يملأ المساحة التي عادةً ما يملؤها الإصلاحيون في بلدان أخرى، يصبح لها مصلحة حقيقية في إصلاحات ديمقراطية تُوسِّع، لها بالأساس، فرص العمل النقابي والبرلماني والخدمي. هذا ما يجعلنا نرفض وضع الإخوان، فقط ولا غير، في خانة “الطائفية والرجعية المعادية للجماهير” والتي يستخدمها الزميل يحيى، وهو تحليل لا يبتعد كثيراً عن “شكل من أشكال الفاشية” متجاهلاً تناقضات الإخوان.

أما اتهامنا بأننا في طريقنا لخلط الشعارات أو المواقف مع الإخوان المسلمين، فهو أيضاً لا أساس له من الصحة، بل محض خيال يريد زجنا في خانة الإخوان بأي وسيلة. الاشتراكيون الثوريون عارضوا الإخوان بقوة منذ تحالفهم مع العسكر وخلال الحكم الشكلي لمحمد مرسي، في حين كان الكثير من المعارضين السابقين يشاركونهم، رغم طائفيتهم ورجعيتهم، في تحالفات انتخابية وغيره؛ نفس الذين يعتبرونهم اليوم إرهابيين و”أعداء الجماهير الغفيرة”.

الإخوان المسلمون خانوا ثورة يناير؛ أولاً بتحالفهم وصفقاتهم مع المجلس العسكري، وثانياً عندما تبنوا نفس سياسات النظام القديم الاقتصادية والاجتماعية، وثالثاً عندما قدموا التنازل تلو التنازل لمؤسسات ورجال دولة مبارك من جيش وشرطة وقضاء ورجال أعمال، ورابعاً عندما دفعتهم الأزمة إلى تبني شعارات وسياسات طائفية ورجعية في محاولة لخلق تحالف إسلامي واسع. هذا كله لا يتعارض بالمناسبة مع كونهم قوة إصلاحية. خيانة الثورات وخنقها في القرنين الماضيين لم تحدث أبداً إلا بمساعدة ومساهمة القوى الإصلاحية. المثال الذي يعطيه يحيى فكري عن دور الاشتراكيين الديمقراطيين الألمان خلال وفي أعقاب الثورة الألمانية بعد الحرب العالمية الأولى ينقصه الكثير من التفاصيل التاريخية، ولعل أهمها أنهم لم يقدموا إصلاحات كبديل للثورة، بل عادوا الجماهير الثورية عداءاً سافراً وتواطئوا مع مجموعات من الجنود والظباط الذين شكلوا فيما بعد نواة الحركة النازية لقتل قادة الثوار، وعلى رأسهم روزا لوكسمبورج وكارل ليبكنخت، ومهّدوا الطريق لسلسلة من المذابح لكسر موجة الإضرابات والاعتصامات العمالية، وغير ذلك الكثير.

نحن لا نتنازل عن شعاراتنا وراياتنا وتنظيمنا المستقل سواء في التعامل مع الإخوان أو الناصريين أو الليبراليين أو حتى اليساريين بتنويعاتهم. ولا نتنازل للحظة عن نقدنا لكل شعار أو مطلب أو تحليل رجعي أو طائفي أو معادي للمرأة أو للحريات الشخصية.

ولكن أن نعتبر أن التنكيل الحالي بالإخوان المسلمين هو مجرد محاولة من النظام لاستئصال الإخوان أو تصفيتهم وليس جزءاً من هجوم غير مسبوق على كل ما يمثل الثورة وعلى كل هامش للديمقراطية، أن نعتبر أن ما يحدث الآن في مصر وفي القلب منه التنكيل بالإخوان ليس ثورة مضادة متكاملة الأطراف، هو في واقع الأمر موقف مخزٍ، ليس فقط لمن يعتبر نفسه ثورياً بل لأي إنسان مؤمن بالديمقراطية.

كل هجوم من قبل الدولة العسكرية البوليسية ضد الإخوان، كل اعتقال وتعذيب وتصفية واختفاء واغتصاب وإعدام هو ضربة موجعة لكل عامل مضرب وكل طالب يتظاهر وكل محتج يعتصم، ولكل من رفع مطالب ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ أياً كان انتماؤه السياسي.

أما فزاعة الحرب على الإرهاب، وأن الإخوان يتحولون إلى تنظيم إرهابي، وأن داعش على الأبواب. فمفهوم أن يستخدمه إعلام السيسي ومثقفوه لتبرير جرائم النظام، كما استخدمه من قبل جورج بوش وإعلامه لتبرير الحرب وغزو العراق. ولكن أن يقع في مثل هذا الفخ من يعتبرون أنفسهم في صفوف اليسار؟!

نحن في حركة الاشتراكيين الثوريين نرفض كل أشكال الإرهاب، ليس فقط بمعنى إنساني حقوقي، ولكن أيضاً بمعنى سياسي. إرهاب الجماعات والأفراد يزيد من قوة النظام العسكري ويزيد من مبررات قمعه وإرهابه لكافة أشكال المعارضة ويستبدل دور الجماهير في مواجهة النظام بالاعتصامات والإضرابات والمظاهرات.

ولكن موقف أننا ضد الديكتاتورية وضد الإرهاب بنفس الدرجة، أي إدانة إرهاب الدولة في توازٍ مع إدانة إرهاب الجماعات والأفراد، فإنه في واقع الأمر فصل غير منطقي للعلاقة بين الظاهرتين. الديكتاتورية وتضييق المجال السياسي والديمقراطي وقمع كافة أشكال المعارضة هو المنبع الحقيقي للإرهاب. لذا فعندما يسألنا يحيى فكري أو غيره من الزملاء، بدرجة من السخرية، هل نحن مع داعش أم بشار الأسد، أو هل نحن مع السيسي أم مع داعش في الحالة المصرية، وهو المقصود من السؤال، فردنا هو أن بشار الأسد وعبد الفتاح السيسي هما الأبوان الشرعيان لداعش والإرهاب في مصر وسوريا، وأن فشل الثورة في البلدين وانتصار الثورة المضادة هو المولّد الحقيقي للجنون الإرهابي.

لا مفر من بناء بديل ثوري ثالث يعارض الديكتاتورية العسكرية ويرفع من جديد شعارات ومطالب الثورة المصرية من عدالة اجتماعية وحرية وكرامة إنسانية. ومن الأكيد أن هذا البديل يجب أن يكون مستقلاً عن المعارضة الإسلامية للنظام، وناقداً لكل ما هو رجعي وطائفي في تلك المعارضة، وفاضحاً لكل خطوة نحو المهادنة أو اللجوء إلى صفقات مع النظام.

ولكن ذلك البديل الثالث إذا لم يثبت أنه لا يقل معارضة وصلابة في مواجهة النظام عن معارضيه الإسلاميين، وإذا لم يتمكن من تجاوز ذلك العداء الهستيري تجاه كل ما هو إسلامي، فستكون النتيجة ليس فقط المزيد من الانتصارات للثورة المضادة، بل أيضاً دورة أخرى من الهيمنة الإسلامية على المعارضة في مصر وجولة أخرى من تهميش اليسار، تمهيداً لمزيد من الهزائم.

نحن نطرح هذه القضايا للنقاش، نطرحها في العلن. ولكنها ليست مجرد قضايا نظرية للسجال، بل قضايا تحتاج إلى الحسم والحركة. الثورة المضادة ليست مجرد حدث ينتهي فنعود لوضع ما قبل الثورة. الثورة المضادة حرب دائمة على كل ما تمثله الثورة. أو كما قال السيسي في افتتاح التفريعة “هذه الخطوة الأولى في مشوار من ألف خطوة”. فلنبدأ نحن إذن خطوتنا الأولى!

   

التعليقات