بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الحرية لطاهر مختار.. الحرية للثورة المصرية

طاهر مختار

عندما أتى شتاء 2010، كان طاهر مختار – الذي تخرج في كلية الطب جامعة الإسكندرية قبلها بسنتين – قد انتهى من عدة مستويات في تعليم نفسه اللغة الألمانية استعدادًا للسفر لألمانيا بعد قبوله بأحد المستشفيات الجامعية هناك للعمل واستكمال دراساته العليا. أحس طاهر – مثله مثل ملايين الشباب المصريين في ذلك الوقت – بانسداد الأفق أمامه في مصر لتطوير قدراته أو خدمة المجتمع حوله بعلمه، خصوصًا، وهو العامل بمهنة الطب، في ظل تردي كامل وفساد مستشري للمنظومة الصحية في البلاد بالذات تلك المقدمة للفقراء. عندما تلى طاهر كلمات قسم أبي قراط، كان يعني ويشعر كل حرف فيه.. وأكثر.

كانت أيام قليلة تفصله عن رحلته المرتقبة إلى ألمانيا، عندما هب ملايين المصريين يوم 25 يناير 2011 بشكل هادر يصدحون بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية – شعارات كان يحلم بها الطبيب الشاب الحساس، الحالم بالتغيير، الحامل لهم الناس والساعي لاستخدام علمه للتخفيف من آلام البشر، فوجد نفسه فجأةً وسط الحشود الهائلة بشوارع الإسكندرية وميادينها يهتف مع الهاتفين ويحلم مع الحالمين ويشتبك مع المشتبكين ويعتصم مع المعتصمين. ومع تصاعد الحركة الجماهيرية الغاضبة في يناير وفبراير، أسقط طاهر مشاريعه للسفر لألمانيا وانخرط تمامًا في قلب الحركة التي سرعان ما وجد لنفسه دورًا فيها مختلف باعتباره طبيب، فكان أحد مؤسسي المستشفيات الميدانية بالإسكندرية. تحدث زملاء طاهر في المستفيات الميدانية كثيرًا عن أدائه المتفاني في علاج مصابي المتظاهرين لساعات طويلة متواصلة يوميًا بلا كلل ولا تعب ولا حتى نوم. شكلت تلك الأيام الأسطورية من ثورة الشعب المصري، والتي تطابقت شعاراتها ومبادؤها تمامًا مع وجدان الطبيب الثائر، طبيعة المهام التي آل بها طاهر على نفسه، فقد كرس حياته تمامًا بعدها للعمل الدؤوب على التفعيل العملي لتلك المبادىء والشعارات الثورية.

في السنوات التي تلت، توازى عمل طاهر مختار الثوري في المظاهرات والاعتصامات التي شارك فيها مئات الآلاف بالإسكندرية ضد جرائم المجلس العسكري ومن بعده حكم جماعة الأخوان ومن بعدهم حكم الديكتاتورية العسكرية الراهنة، مع اهتمامه بتفعيل شعارات العدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية في ملف الصحة تحديدًا. ففي مارس 2011، بادر طاهر مع خمسة من زملائه الأطباء بوضع وكتاية تصور كامل لتحسين أوضاع الخدمات الصحية المتردية والتي يعاني من تدنيها ملايين المصريين كما يعاني منها أيضًا عشرات الآلاف من العاملين بالقطاع الطبي من أطباء شباب أو ممرضين وممرضات وغيرهم. طرحت تلك اللجنة الناشئة زيادة ميزانية الصحة إلى 15% وتوحدت مع مثيلات لها في القاهرة ومحافظات أخرى لتوحيد المطالب والضغط لتلبيتها. في نهاية عام 2011، تم انتخاب طاهر بأغلبية كاسحة كعضو مجلس نقابة الأطباء الفرعية بالإسكندرية ومن بعدها كعضو للجان العليا لقيادة اضرابات الأطباء والعاملين بالصحة في عهدي مرسي وعدلي منصور. تلك الأضرابات التي شكلت علامة فارقة في تاريخ النضال النقابي المهني حيث امتد الاضراب الثاني للأطباء أكثر من 3 شهور استطاع من بعده انتزاع بعض المكاسب ولكن الأهم أنه رسخ لتراث نضالي داخل النقابة امتد حتى هذه الفترة ودليله ما شهدناه من أسبوعين بدار الحكمة عندما هب عشرات الآلاف من الأطباء ضد بربرية الداخلية. كان طاهر يتابع ذلك الزخم على أرضية باردة بزنزانة ضيقة في سجن طرة وهو يبتسم.

لم يتوقف عمل طاهر مختار عند هذا الملف وفقط بل امتد لملف الطب الاغاثي داخل مصر وخارجها. فقد رافق الزميلة ماهينور المصري، المعتقلة حاليًا بسجن دمنهور، وغيرها في تكوين لجان لتحسين أحوال اللاجئين السوريين الوافدين لمصر والذين واجهوا ظروفًا بشعة عند وصولهم وتنكيل واسع من السلطات المصرية واستغلال مهين من بعض قطاعات المجتمع. وامتدت مساعداته لمكلومي اللاجئين السوريين بمشاركته كطبيب في قوافل اغاثة لمخيماتهم بلبنان والأردن حيث كان طاهر يعمل ليل نهار لعلاج مئات المصابين من فقراء السوريين. هكذا كان ولازال دائمًا يبحث عن حلقات المستضعفين الأكثر احتياجًا ويهرع لنجدتهم بكل ما أوتي من امكانية. هذا الدافع الداخلي والنداء الانساني الفريد في وجدانه وصل به لدرجة أوصلته لرغبة جادة في التطوع في جماعة “أطباء بلا حدود” الدولية للسفر إلى غينيا لمساعدة مرضى فيروس الايبولا القاتل.

وصل تضافر وجدان الثوري الرافض للظلم والاستبداد والاستغلال مع الطبيب المشغول بتخفيف آلام الانسان، الى مداه عندما تصدى طاهر للملف الأخير الذي تبناه والذي تسبب “اجرائيًا” في اعتقاله وهو ملف “الحق في الرعاية الصحية بأماكن الاحتجاز”. أدرك طاهر أن النظام العسكري القمعي الحاكم لا يكتفي فقط باحتجاز واعتقال معارضيه السياسيين من كافة التيارات بل يعمل في كثير من الأحوال على قتلهم ببطيء عن طريق منع أي متابعة صحية لمرضى المعتقلين أو أي رعاية صحية في حالات الطواريء حتى في مستشفيات السجون بائسة الامكانيات أصلًا مما أدى الى وفاة عديد من المساجين في المعتقلات والسجون أو أماكن الاحتجاز الأخرى في أقسام الشرطة ومعسكرات الأمن المركزي. امتد هذا التنكيل والتعسيف الهادف للقتل العمد البطيء للمعتقلين المرضى الى حرمانهم أيضًا من الحصول على أدوية ضرورية لعلاجهم أو التخفيف من مرضهم أو لانقاذ حياتهم، كما حدث مثلًا مع رفيقنا الصحفي يوسف شعبان. أصبح اذًا هم طاهر في الاونة الأخيرة هو فضح انتهاكات الداخلية الوحشية في حق مرضى المعتقلين السياسيين خصوصًا ومحاولة منع جريمة قتلهم البطيء بالكشف وبحشد الأطباء والحقوقيين والثوريين للضغط بكل السبل لتوقيفها. وبالفعل تم اختيار طاهر لعضوية لجنة الحريات بالنقابة العامة للأطباء وتكليفه بمتابعة هذا الملف. وكما هو سمته وكما هي عادته، فقد أخلص طاهر لهاتفه الداخلي، المنطلق من بناء قيمي ومبادييء فريد في نبله ونقاءه وتفانيه، وانكب للعمل على هذا الملف الشائك بكل وقته وطاقته.

انقضوا على شقة طاهر ظهر يوم 14 يناير الفائت واقتحموها وفتشوها وأخذوا كل التليفونات والأوراق والكمبوترات الموجودة في الشقة .. بل وحتى جميع قاطنيها، فقد أعتقلوا طاهر وأعتقلوا أيضًا زميليه في الشقة سام واستاكوزأ،طالبين موهوبين لا علاقة لهم بالعمل السياسي من قريب أو من بعيد. عليه جاءت تحريات الأمن الوطني باتهام الثلاثة بالمشاركة في “أحداث” يناير 2011 والعمل على قلب نظام الحكم. الأحراز المثبتة للتهمة كانت “منشورات: منشورات حملة “الحق في الرعاية الصحية بأماكن الاحتجاز”. من ذلك التاريخ وحتى اللحظة، مضى الثلاثة أكثر من 50 يوم قيد الحبس الاحتياطي –بين حجز قسم عابدين وسجن طرة – على ذمة هذه القضية العبثية!

هذا المقال وغيره كثير لا يكفي للحديث عن طاهر مختار الصديق والرفيق الثوري الإنسان، فزاوية واحدة اختارها هذا المقال لم تغطي حتى الجانب الذي تناوله. بيد أن هدف المقال يظل هو فتح اطلالة على طاهر لأنها بالفعل اطلالة على الثورة المصرية: نقية وصفية ورحيمة ونبيلة وانسانية وشجاعة وهادرة أيضًا لكنها مسجونة الآن خلف قضبان غرستها ثورة مضادة وحشية. يظل هذا إلى حين.. فطاهر والثورة المصرية سيخرجان من محبسهما ولهما نصر قريب ولو أحسسنا بطول وثقل الزمن.

التعليقات