بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

معركة نقابة الصحفيين: الثورة المضادة تسد ثغرات الديمقراطية

13151597_667503933402158_2709883327453350948_n

مساء الأحد الأول من مايو، اقتحمت قوات الأمن مبنى نقابة الصحفيين وألقت القبض على الصحفيَين عمرو بدر ومحمود السقا بتهمة التحريض على التظاهر يوم 25 أبريل ضد التخلي عن الأراضي المصرية.

حادث اقتحام النقابة، رغم أنه سابقة تاريخية، إلا أنه لا يعد غريبًا على النظام، فإجراءات سابقة اتخذها نفس النظام تجعل اقتحام النقابة أمرًا غير مستبعد عليه. فقبل شهور، أقال عبد الفتاح السيسي رئيس أهم جهاز رقابي في مصر بعد أن أعلن عن مؤشرات الفساد في مصر في الفترة السابقة. كما حاصرت قوات الأمن أحزاب سياسية لاذ بها متظاهرون يوم 25 أبريل الماضي. وصدرت أحكام بالإعدام على عدة مئات في جلسة واحد في واقعة غير مسبوقة. وقبل كل ذلك لم يتردد النظام في تنفيذ مذبحة رابعة بدموية لم تعرفها مصر من قبل.

لا يمثل اقتحام النقابة أي استثناء أو شذوذ في الأداء العام للنظام، ولكن السؤال لماذا قام بهذا الاقتحام؟

إن مسألة اعتقال مطلوبين لاذا بالنقابة لا تمثل مبرر منطقي للاقتحام قبل يومين من اليوم العالمي للصحافة. فمجرد لجوء مطلوبين لنقابة الصحفيين يعني نيتهما اتباع الإجراءات القانونية للمثول للتحقيق عبر نقابتهما. كما أن لجوء مطلوبين للنقابة من قبل لم يستدع اقتحامها بل التفاوض مع المطلوبين ومجلس النقابة لإجراء عملية تسليم قانونية.

وفي كل الأحوال إذا كان الأمر يتعلق بضبط مطلوبين بقرار من النيابة لكان اتبع الأمن الإجراءات التي ينص عليها القانون في هذه الحالة، وهي اصطحاب ممثل للنيابة العامة لمقر النقابة، وإتمام عملية الضبط والإحضار من داخل النقابة في حضور نقيب الصحفيين أو من يفوضه. ولكن اقتحام النقابة على هذا النحو يؤكد أن الأمر لم يكن هو الدافع الرئيسي للاقتحام.
الأمر الذي أثاره اقتحام النقابة هو تعمد الدولة الاعتداء على الصحافة ممثلة في نقابتها، كراهيتها لحرية الرأي والتعبير، ولكن لماذا تريد الدولة الدخول في صدام وتحدي مع الصحافة والصحفيين، باقتحامها مقر نقابة الصحفيين.

سيكون هذا الصدام مبررًا لو مثلت الصحافة إزعاجًا حقيقيًا للسلطة الحاكمة. ولكن واقع الأمر قد يكون غير ذلك. فقبل أسابيع قليلة كانت نقابة الصحفيين تدعو رئيس الجمهورية لأن يكون الراعي الرسمي لاحتفالات نقابة الصحفيين بعيدها الماسي، وهو الطلب الذي رحب به رئيس الجمهورية.
وبشكل عام لم تشكل الصحافة في مصر، سواء القومية أو الخاصة، خروجًا يذكر عن الاتجاه العام الذي أراده النظام الحاكم. فالصحف في مجملها كانت مؤيدة للسياسات الرسمية للنظام، منذ الثلاثين من يونيو 2013، ولبت جميعها نداء الاصطفاف الوطني ضد الإرهاب، وتأجيل أي خلافات حتى يزول الخطر. ولم يخلو الأمر من مفارقات مثل صدور جرائد الصباح في أكثر من مناسبة بنفس العنوان كما لو كان شخصًا واحدًا اختار لها العنوان. وتغيير عناوين بعض الصحف بعد دخولها للمطبعة. الكثير من الصحف تخلصت بالتدريج من كتابها المعارضين للنظام أو حتى الناقدين له.

الحقيقة أنه لا توجد أسباب واضحة ومؤكدة تضطر الدولة للدخول في صدام من هذا النوع مع نقابة الصحفيين تتعلق بصحافة مناوئة أو خارجة عن السيطرة سواء قومية أو خاصة، بما يستدعي إجراء متطرف لم تقدم عليه الدولة من قبل.

تصوير الأمر أيضًا على أنه أحد أخطاء الداخلية، والتي تتكرر بكثافة في الفترة الحالية ويروح ضحيتها مواطنون برصاص أفراد من ألأمن أو تحت التعذيب في مقرات الشرطة، لا يبدو تفسيرا كافيًا.

فعلى الرغم من أن تجاوزات الشرطة بحق المواطنين تتكرر بشكل شبه يومي وتصل لحد القتل، إلا أن قرار اقتحام نقابة الصحفيين يتجاوز تلك الأخطاء. فليس معتادًا أن تقرر الداخلية بشكل منفرد القيام بإجراء من هذا النوع، خاصة دون وجود ضرورة طارئة، فالصحفيان اللذان لاذا بالنقابة دخلاها يوم 30 أبريل، والاقتحام وقع مساء الأول من مايو، أي أن من قرر الاقتحام كانت لديه الفرصة الكافية للاتصال بكافة الأجهزة وإخطارها بنية الاقتحام، وطبعًا كان بالإمكان الاتصال بنقيب الصحفيين وممثلي النقابة للتفاهم على تسليم المطلوبين.

من ناحية أخرى فإن بيان النائب العام الذي صدر بعد الاقتحام وانحاز بالكامل لعملية الاقتحام وبررها بوجود أمر ضبط وإحضار من النيابة العام، وتضمن تهديدًا غير مباشر لنقيب الصحفيين، يشير أن الداخلية ليست وحيدة في القرار وأن الدولة تقف خلفها.

اقتحام النقابة واعتقال اثنين من الصحفيين على نحو غير مسبوق تبعه إجراءات لم تكن أقل منه. فقد قامت قوات الأمن بإغلاق الشوارع المؤدية لمبنى النقابة رغم أنها شوارع حيوية في وسط المدينة، ومنع دخول محيط النقابة إلا بإظهار كارنيه النقابة لقوات الأمن التي تحاصر المنطقة، كما حشدت قوات الأمن “المواطنين الشرفاء” ليتجمعوا في محيط النقابة ويتحرشوا بالصحفيين ويهاجموهم أثناء توجههم للنقابة، وهي الإجراءات التي استمرت حتى أثناء انعقاد الجمعية العمومية في الرابع من مايو.

هذا التضييق الشديد على محيط النقابة والذي تضمن منع الشخصيات العامة والوفود الحزبية وممثلي النقابات المهنية من الوصول لمقر النقابة للتضامن مع الصحفيين الذين اعتصموا احتجاجًا على اقتحامها، ولم يستثن من الأمر حتى وفد المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي ذهب للنقابة لم ينجو من هجوم أعوان الأمن.

اقتحام النقابة من الأمن ومساندة الدولة له، وما تبعه من ممارسات يبين أن الهدف الأساسي لم يكن لا ضبط مطلوبين ولا تحدي نقابة الصحفيين، ولا السيطرة على الصحافة والتي لم تخرج أصلا عن السيطرة.

وربما ما حدث يوم 15 أبريل، “جمعية الأرض”، يبين الهدف الحقيقي وراء اقتحام النقابة. فقد تمكنت قوات الأمن من منع وفض المظاهرات في مختلف الأماكن في ذلك اليوم. فتوجه المتظاهرون فرادى إلى نقابة الصحفيين واحتشد آلاف المتظاهرين في مشهد لم يحدث ربما منذ 30 يونيو.

تداركت الدولة الأمر في 25 أبريل، والذي كان متوقعًا أن تكون مظاهراته أقوى من سابقتها، فما كان من قوات الأمن إلا أن أغلقت جميع الشوارع المؤدية لنقابة الصحفيين ومنعت الوصول إليها، واستبدلت المتظاهريين من أجل الجزر بمجموعات من البلطجية وقفوا أمام النقابة ليعلنوا تأييد النظام، رافعين صور السيسي وأعلام السعودية.

ظل محيط نقابة الصحفيين لأعوام طويلة ملاذًا آمنًا للمتظاهرين، وأقصى ما كانت تقوم به قوات الأمن هو محاصرة المتظاهرين أمام النقابة حتى ينتهوا من تظاهرهم وينصرفوا. وهو ما يبدو أن الدولة قررت تغييره عبر عملية اقتحام النقابة وما تبعها من إجراءات أمنية مشددة.

يتفق هذا مع ما ذهبت إليه الدولة عقب 30 يونيو 2013، فأهم ما حققته ثورة يناير هو انتزاع الحق في الاحتجاج والتظاهر، وهو ما اعتبرته سلطة الثورة المضادة عقب 30 يونيو هدفًا رئيسيًا لها. فلم تكتفي بإصدار قانون التظاهر والذي يضع قيودًا مشددة وعقوبات صارمة على المتظاهرين، ولكنها تتبعت أيضًا كل مظاهر الاحتجاج والتظاهر لتقضي عليها، في الوقت التي دعمت فيه مظاهرات تأييد النظام وتجمعات البلطجية.

عمدت سلطات الثورة المضادة على مدار السنوات الثلاثة السابقة إلى سد كافة ثغرات الديمقراطية التي فتحتها ثورة يناير، ولم يكن سلم نقابة الصحفيين سوى إحدى ثغرات الديمقراطية التي يلوذ به المتظاهرون من ملاحقة الأمن، وهو المكان نفسه الذي ظل ملاذًا آمنًا للمتظاهرين في عهد مبارك عندما كانت تمنع مظاهر الاحتجاج في مختلف الأماكن.

هكذا فإن إلقاء القبض على مطلوبين بتهمة التحريض على التظاهر، أو الدخول في تحدي مع نقابة الصحفيين قبيل وضع تشريعات الإعلام، أو التلويح بالقمع للصحفيين والصحافة، مجرد أهداف ثانوية بجانب سد تلك الثغرة أمام المتظاهرين على سلالم نقابة الصحفيين.

هذا الفهم للأزمة التي تتعرض لها نقابة الصحفيين، وبالتالي مهنة الصحافة ككل، يضعها في مأزق حقيقي. فالنقابة رغم طابعها المرتبط بالحريات والديمقراطية بشكل مباشر، نأت بنفسها عن التورط في أي نشاط ذي طابع سياسي. وكانت دعوتها لرئيس الجمهورية لرعاية يوبيلها الماسي بمثابة تأكيد على بعدها عن أي تيار معارض. ومع ذلك لم تنج في خضم الأزمة السياسية من هجوم النظام. وكون سلالم نقابة الصجفيين منفذا للاحتجاجات، لم يكن اختيار النقابة نفسها أو قرارها.

هنا يبرز تهاوي منطق البعد بالنقابة عن السياسة. فالنقابة التي ابتعدت عن السياسة لم يبتعد عنها القمع والانتهاكات. فضلا عن أن مهنة الصحافة في حد ذاتها والتي ترعاها نقابة الصحفيين، لا يمكن أن تمارس بشكل حقيقي في غياب الحريات والديمقراطية. فالدفاع عن مهنة الصحافة هو دفاع تلقائي عن الجرية والشفافية والديمقراطية، وغياب الديمقراطية يعني بشكل مباشر فقدان الصحافة لأي قيمة مهنية وانتهاء دور نقابة الصحفيين النقابي واستمرارها كهيكل خدمي في أفضل الأحوال.

الابتزاز الدائم لنقابة الصجفيين بأنها تخضع لإرادة سياسية وليست مهنية ليس سوى قبولًا ضمنيًا باقتحام النقابة وسلطة الداخلية عليها. ونتيجته ستكون سد ثغرة صغيرة للديمقراطية ظلت مفتوحة رغم مناخ الاستبداد العام، وهو ما يؤثر بشكل مباشر ليس فقط على نقابة الصحفيين، ولكن على أي عمل نقابي آخر. أما التأثير الأكثر ارتباطًا بنقابة الصحفيين، فهو ارتباط الواقعة بقرب إصدار التشريعات الصحفية والإعلامية، والتي في حال انكسار النقابة في معركتها الجالية ستكون خاضعة بالكامل لإرادة الأجهزة الأمنية. وما تمكنت الدول من فرضه في الفترة السابقة من هيمنة على الصحف ووسائل الإعلام بشكل عرفي، سيتم تقنينه ومحاسبة من يخالفه.

إن اقتحام نقابة الصحفيين حدث لا يخص النقابة وحدها، فمن ناحية كان هدفه القضاء بالكامل على أي منفذ للتعبير، وهو بالتالي أمر لا يخص نقابة الصجفيين وحدها. فنقابات مهنية أخرى، مثل نقابتي الأطباء والمحامين تعرض أعضاءها لانتهاكات من الداخلية، وأحزاب سياسية حاصرتها قوات الأمن ومنعت الدخول والخروج منه في 25 أبريل، ومظاهرات سلمية أطلق الرصاص على منظميها دون حتى إنذار مسبق، ومدن وأحياء شعبية انتفضت ضد مصرع مواطنين على أيدي الشرطة.

وأزمة نقابة الصحفيين ليست سوى حلقة من حلقات مواجهة أدوات القمع والاستبداد التي تفرط الثورة المضادة في استخدامها، لسد كافة ثغرات الديمقراطية التي فتحتها ثورة يناير، والتي لا يمكن مواجهتها إلا بتوحيد موقف النقابات المهنية والعمالية والقوى السياسية الرافضة لسياسة القمع والقبضة الحديدية. إن انتصار الثورة المضادة في معركة نقابة الصحفيين، بالقضاء على المنفذ الأخير لحرية التعبير والاحتجاج، سيفتح شهية الثورة المضادة لاتخاذ إجراءات أكثر استبدادا وتشديد القبضة الحديدية على الجميع. بينما سيعني الحفاظ على منبر ولو صغير لحرية الاحتجاج سيعني ثغرة في هيمنة الثورة المضادة يمكن أن تتسع مع الوقت.

      

التعليقات