بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انقلاب السيسي يدخل عامه الرابع

يدخل انقلاب ٣ يوليو عامه الرابع هذا الأسبوع. وقد أكدت أحداث الأعوام الثلاث الأخيرة بما لا يدعو للشك أن ذلك الانقلاب الدموي كان قد تم التمهيد والتحضير له من قِبَل قيادات الجيش وكبار رجال الأعمال قبل شهور من تنفيذه، وأن التعبئة السياسية والجماهيرية ضد الإخوان المسلمين ورئاسة محمد مرسي، استغلت الغضب الشعبي المتصاعد تجاه رئاسة مرسي وفشل الإخوان، واستخدمت أدوات تبدو ثورية في ظاهرها ولكنها في مضمونها كانت تستهدف خلق قاعدة جماهيرية للانقلاب وللثورة المضادة.

كان ولا يزال جوهر نظام عبد الفتاح السيسي، ليس مجرد القضاء على الإخوان المسلمين، بل الأهم من ذلك العمل الدؤوب على تصفية كافة أشكال الحراك والوعي والتعبئة المرتبطة بثورة ٢٥ يناير، سواء الحركات الثورية المرتبطة بتلك الثورة، أو الحركة العمالية ومختلف الحركات الاحتجاجية والشبابية التي فجرتها تلك الثورة.

لقد مرت ردود فعل القوى والحركات الثورية بثلاث مراحل متتالية. في العام الأول للانقلاب كانت هناك حالة من رفض الواقع والعمل وكأن الثورة مستمرة كما كانت وأن الانقلاب لن يدوم طويلًا. وقد تحول رد الفعل الأولي ذلك إلى حالة من الإحباط والشعور بالهزيمة والانسحاب عندما اتضح التماسك النسبي للانقلاب. واليوم ونحن ندخل العام الرابع من الانقلاب، فعلينا أن نتجاوز تلك الحالات من ردود الفعل غير الواقعية وغير العلمية. علينا أن ندرس اللحظة السياسية الحالية بمختلف جوانبها وتناقضاتها، بحيث نتمكن من طرح استراتيجيات وتكتيكات تتناسب مع ما يتيح الواقع وليس مجرد ما يتمناه أو يخافه الثوريون.

ورغم مرور ثلاث أعوام من القمع الوحشي والتعبئة الإعلامية المعادية لكل أشكال المعارضة والاحتجاج، ورغم القوانين المقيدة لكافة أشكال الحراك أو حتى التعبير عن الرأي ودور القضاء القذر في إصدار آلاف الأحكام بالسجن بل والإعدام لكل من يجرؤ على معارضة النظام بل وبأثر رجعي لكل من شارك في ثورة يناير، رغم كل ذلك فقد شهدنا خلال العام الثالث للانقلاب عدة تطورات تشير كلها إلى أن هناك ما يدعو للتفاؤل الحَذِر.

وما نعنيه هنا بالتفاؤل الحَذِر ليس نوعًا من الانتصارية العمياء أو السذاجة الثورية، وبالتأكيد ليس موقفًا هزليًا مماثلًا للشعار الدائم لبعض قطاعات الإخوان المسلمين حول “ترنح الانقلاب”. نحن نعلم جيدًا أن المعركة ضد نظام الثورة المضادة هي معركة طويلة ستمتد لسنوات، وأن أمامنا الكثير من النضال والتضحيات للتمكن من العودة لمسار ثورة ٢٥ يناير. كل ما نعنيه بالتفاؤل الحَذِر هو أن تطورات العام الماضي تجعلنا ندعو للعمل المنظم والدؤوب لبناء معارضة قوية وفعالة في مواجهة النظام دون أن تكون تلك الدعوة مجرد انعكاس لآمال غير واقعية.

شروخ في قمة النظام
اعتمد النظام المصري منذ عهد جمال عبد الناصر على توازن دقيق بين مختلف الأجهزة الأمنية: وزارة الدفاع ووزارة الداخلية (المخابرات الحربية والمخابرات العامة من جانب وأمن الدولة من الجانب الآخر). وكانت الرئاسة تقوم بدور رمانة الميزان بين تلك المؤسسات. جاءت ثورة يناير ٢٠١١ لتعصف بذلك التوازن تمامًا. انهارت الشرطة والأمن المركزي وجهاز أمن الدولة بشكل شبه كامل. وتدخل الجيش بشكل مباشر لملء الفراغ الأمني. وأصبحت المخابرات الحربية ومعها المخابرات العامة تسيطران كليًا على الملف الأمني. لم يكن هذا الوضع الاستثنائي قابل للاستمرار بالطبع. وقد كانت إحدى مهام عبد الفتاح السيسي كوزير للدفاع هي إعادة بناء المؤسسات الأمنية التابعة لوزارة الداخلية لتكون في صدارة القمع المباشر والإدارة اليومية للملف الأمني، خاصة بعد الانقلاب والإطاحة بالإخوان ومحمد مرسي. واستطاع السيسي بالفعل من إعادة بناء جهاز الشرطة وأمن الدولة.

ولكن رغم كل تلك الجهود، فإن التوازن بين تلك الأجهزة وقدرة الرئاسة على السيطرة عليها وعلى الصراع والمنافسة بينها ظلت مفقودة. وقد ظهرت خلال العام الثالث للانقلاب عدة مؤشرات تؤكد مدى عمق الأزمة في قمة الأجهزة الأمنية ومدى خطورتها على استقرار نظام السيسي.

انعكس كل ذلك في سلسلة من الإخفاقات الأمنية والخلافات شبه العلنية بين مختلف الأجهزة الأمنية. فقد شهد العام الثالث للانقلاب وحده تفجير الطائرة الروسية المقلعة من مطار شرم الشيخ في ٣١ أكتوبر ٢٠١٥، ثم اختطاف مختل غير مسلح لطائرة مصر للطيران من مطار برج العرب، وأخيرًا سقوط طائرة أيضًا لشركة مصر للطيران لا نعرف بعد ملابساتها.

واستمر مسلسل التفجيرات والعمليات الإرهابية من سيناء إلى حلوان (من قتل القضاه الأربعة في العريش في ٢٤ نوفمبر٢٠١٥ إلى قتل ستة من الشرطة في حلوان في مايو ٢٠١٦، على سبيل المثال لا الحصر). وهذا كله رغم الإعلان الدوري لمختلف أجهزة الجيش والشرطة عن الهزيمة المنكرة والنهائية للجماعات الإرهابية!

ولكن، ربما ما كان أكثر دلالة هو حالة اختطاف وتعذيب وقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني من ٢٥ يناير ٢٠١٦ وحتى العثور على جثته المشوهة في ٣ فبراير ٢٠١٦. وهذه الحادثة تتوالى عواقبها حتى الآن، من سحب الحكومة الإيطالية لسفيرها في ٨ أبريل ٢٠١٦، إلى قرار البرلمان الإيطالي وقف الإمدادات العسكرية الإيطالية للجيش المصري في نهاية يونيو ٢٠١٦. لا يشك أحد في أن الفاعل هو أحد الأجهزة الأمنية الكبرى، المخابرات أو أمن الدولة، الجيش أو الشرطة. ولا شك أيضًا أن درجة الارتباك في مختلف الأجهزة حول البحث عن كبش فداء أو تأليف قصة ما يمكن تمريرها بلا جدوى أو حتى منطق، ثم صدور تصريحات متضاربة حول الحادثة ينم عن درجة من الارتباك الأمني غير المسبوق.

وربما كانت علاقة الأجهزة الأمنية المختلفة مع حركة حماس دليل آخر على الاقتتال والتنافس بين تلك الأجهزة. فلم تمر سوى أيام قليلة على إعلان وزير الداخلية لوسائل الإعلام في مارس ٢٠١٦عن كشف التحقيقات لدور حركة حماس في قتل النائب العام، حتى أُعلِنَ عن زيارة رسمية لقيادات حماس في غزة لمقر المخابرات العامة في القاهرة. مثل هذا التخبط لا يفضح فقط التنافس وعدم التنسيق بين الجهازين، بل أيضًا فشل الرئاسة في إدارة الصراع بين الأجهزة.

الأزمة الاقتصادية
شهد العام الثالث للانقلاب مزيدًا من الانهيار والتدهور في حالة الاقتصاد المصري، فقد فشلت كل محاولات السيسي لإحياء الاقتصاد سواء من خلال جذب الاستثمارات أو تنشيط السياحة أو حتى من خلال مشاريع البنية التحتية العملاقة.

يعتمد السيسي على مزيج من السياسات الاقتصادية؛ فمن جانب هناك تبني لسياسة ليبرالية جديدة متطرفة، حتى بالمقارنة بفترة جمال مبارك وأحمد نظيف في الحكومات الأخيرة لحقبة حسني مبارك، حيث المزيد من التقشف ورفع الدعم وتقليص العجز في الميزانية من خلال خفض الإنفاق العام على الخدمات الأساسية، والاستمرار في الخصخصة والتخديم على كبار المستثمرين المصريين والخليجيين. ولكن تتزامن تلك السياسة مع سلسلة من المشاريع الكبرى في مجال البنية التحتية (توسيع قناة السويس، ومشروع الطاقة مع شركة سيمنز الألمانية، ومشروع الغاز الطبيعي مع شركة إيني الإيطالية، ومشروع الطاقة النووية مع عدة شركات روسية، وغيرها من مشاريع البنية التحتية). كل هذه المشاريع تعتمد على قروض ضخمة من البنوك الأوروبية، يتم بها تمويل مشاريع ينفذها شركات من نفس تلك الدول الأوروبية، أي أن البنوك الأوروبية تمِّول شركات أوروبية لإقامة مشاريع في مصر عبر وساطة الحكومة المصرية! بالطبع النتيجة المنطقية هي تراكم الديون على الحكومة المصرية وخلق أزمات مالية متتالية مع اتساع الفجوة بين دخل الحكومة بالعملات الصعبة (اليورو والدولار والجنيه الإسترليني) وبين التزاماتها بتلك العملات.

كان من المنطقي أن يبدأ انهيار قيمة الجنيه المصري أمام تلك الضغوط الضخمة. وبالفعل قام البنك المركزي بتخفيض قيمة الجنيه في مارس ٢٠١٦ بنسبة تزيد عن ١٣٪، ولكن ذلك الإجراء لم يمنع المزيد من الانهيار في السوق السوداء. وقد بدأ محافظ البنك المركزي في الإدلاء بتصريحات هذا الأسبوع عن ضرورة تخفيض جديد لقيمة الجنيه المصري! وقد انعكس كل ذلك في موجات متتالية من ارتفاع الأسعار لكافة السلع وعلى رأسها السلع الأساسية. يحدث ذلك في توازي مع ارتفاع نسب البطالة ومع عدم زيادة في الأجور المنخفضة أصلًا. وهو ما يعني تدهورًا سريعًا في مستوى معيشة الغالبية من العمال والموظفين والفقراء.

في ظل عدم وجود إمكانية حقيقية للخروج من الأزمة الاقتصادية أو خلق حالة من النمو الحقيقي طالما ظل السيسي وجنرالاته وكبار رجال الأعمال (وكلهم من رجال مبارك) في سدة الحكم، فمن المتوقع أن نشهد خلال هذا العام الرابع للانقلاب موجات جديدة من الإضرابات والاحتجاجات المطالبة بزيادة الأجور والتحكم في الأسعار. والنتيجة السياسية لكل ذلك هو تحول كثير من من أيدوا انقلاب السيسي وصدقوا وعوده إلى صفوف المعارضة الاجتماعية والسياسية.

السياق الإقليمي
النتيجة السياسية الثانية للفشل الاقتصادي ودوامة الديون والأزمات المالية هي المزيد من التبعية والاعتماد على الكفيل السعودي، وهو بالطبع المُمَوِّل الرئيسي للانقلاب منذ اللحظة الأولى. وقد شاهدنا في أبريل ٢٠١٦ مهزلة زيارة ملك السعودية الى مصر وحالة التسول المباشر من قبل السيسي ورجاله للملك وحاشيته. ولكن ما لم يكن متوقعًا هو أن يصل الحال إلى التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة السعودية! وهو ما يؤكد أن النظام في حالة من الإفلاس التام تجعله يغامر بما تبقى من شرعيته السياسية حتى لدى مؤيديه في مقابل حفنة من الريالات والدولارات. لابد أن نتذكر أن الانقلاب والثورة المضادة في مصر قائمًا على حملة دعائية أساسها استدعاء الوطنية المصرية والعلم المصري والسيادة المصرية، كشعارات أساسية في “إنقاذ مصر” و”الحرب على الإرهاب” و”القضاء على الخونة”، الى آخر هذه الحالة الهستيرية. ولكن مع التنازل عن السيادة على تيران وصنافير لصالح السعودية، ينكشف خواء تلك الشعارات، ويصبح الكثير مِمَن أيد السيسي بحجة الوطنية وحماية البلاد في أزمة عنيفة. كيف تؤيد السيسي بحجة الوطنية وهو يتنازل عن السيادة الوطنية؟

انقسامات في تحالف ٣٠ يونيو
قام انقلاب ٢٠١٣ على أساس تحالف سياسي واسع (سُمِيَ حينذاك تحالف ٣٠ يونيو). وقد ضم ذلك التحالف تشكيلة واسعة من القوى السياسية، والتي كانت من قبل قد شكلت جبهة الإنقاذ لمعارضة رئاسة محمد مرسي. ضم ذلك التحالف قطاع واسع من مختلف الاتجاهات السياسية الليبرالية والقومية واليسارية والسلفية وبقايا الحزب الوطني، والتي لم تؤيد الانقلاب فقط بل أيدت التفويض والمذابح والقمع والاعتقالات التي نتجت عن ذلك التفويض. وكان ذلك التحالف الواسع قائم على المزاعم المتعلقة بالإخوان المسلمين وضرورة الإطاحة برئاسة محمد مرسي، حتى لو كان من خلال انقلاب عسكري. لن ندخل هنا في مناقشة تلك المزاعم أو حتى ما يمثله ذلك الانحياز للمؤسسة العسكرية من خيانة لثورة ٢٥ يناير لا تقل عمقًا أو خطورة عن خيانة الإخوان السابقة في تحالفهم مع المجلس العسكري.

ولكن ما نريد التأكيد عليه هنا هو أن اللحظة السياسية الحالية ونحن نبدأ العام الرابع للانقلاب قد اختلفت تمامًا. فـ”بُعبُع” الإخوان لم يعد كافيًا للحفاظ على تحالف ٣٠ يونيو، وتوسع النظام في القمع الواسع ضد كافة المعارضين حتى من القوى المناوئة للإخوان، وفشله الاقتصادي، وتبعيته للسعودية، وتحالفه العلني مع الكيان الصهيوني، وأخيرًا كارثة الجزر، كل ذلك قد أنهى فعليًا ما تبقى من “تحالف ٣٠ يونيو”. وهو أمر كان واضحًا في مظاهرات أبريل ٢٠١٦ ضد التنازل عن الجزر، وأيضًا في تصريحات العديد من قادة ذلك التحاف.

تراجع الإخوان المسلمين
لعل من أهم تطورات العام الثالث للانقلاب هو حالة الضعف والتفكك والانقسام في جماعة الإخوان المسلمين وتراجعهم كعنصر مؤثر في معارضة نظام السيسي. لعب القمع العنيف الذي تعرضت له الجماعة دورًا كبيرًا في إضعافها وتفكيكها، ولكن لم يكن ذلك العامل الوحيد. نفس التناقضات الداخلية التي أدت بالجماعة خلال رئاسة محمد مرسي إلى حالة من الشلل والفشل والرضوخ للجناح السلفي الرجعي والرهان على إرضاء مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش والشرطة، نفس تلك التناقضات زادت حدةً بعد الانقلاب وموجات القمع المتتالية. وأدى فشل استراتيجيات معارضة الانقلاب والفشل في تعبئة جماهيرية مؤثرة ضد النظام إلى تعمق الشروخ داخل الجماعة، بحيث أصبحت عمليًا عدة جماعات متنافسة ومتعارضة، كلٌ منها يُصدِر بيانات متناقضة باسم الجماعة.

وقد أصبح بالتالي الرهان على تعبئة القوى السياسية وقطاعات من الجماهير على أساس مواجهة خطر الجماعة فاقدًا للتأثير. وأصبح الاتهام الجاهز لكل من يعارض النظام بأنه منتمي للجماعة أو مؤيدًا لها، اتهامًا سخيفًا لا يصدقه أحد. وأصبحت تلك القطاعات المعارضة لسياسات النظام والتي كانت متخوِّفة من التحرك تأثرًا بتلك المزاعم، أكثر ثقةً واستعدادًا لإعلان معارضتها وللتحرك الاحتجاجي.

الصعود الجديد للاحتجاجات العمالية والنقابية والسياسية
كل ما سبق يجب أن نفهمه في سياق الصعود الذي شاهدناه خلال العام الماضي لسلسلة من التحركات الاحتجاجية الكبرى، والتي مثلت تحولًا هامًا في المشهد السياسي. ففي أغسطس ٢٠١٥ تظاهر الآلاف من الموظفين والعمال ضد مشروع الخدمة الوطنية أمام نقابة الصحفيين. وفي نوفمبر ٢٠١٥ تظاهر المئات من حاملي الماجستير والدكتوراه لعدم تعيينهم رغم الوعود السابقة، وكان من الملفت أنهم تمكنوا من الوصول لميدان التحرير قبل أن تفرقهم قوات الأمن. وفي فبراير ٢٠١٦ تجمع أكثر من عشرة آلاف من الأطباء حول نقابتهم احتجاجًا على اعتداء وحشي من قبل الشرطة على أطباء أثناء عملهم في مستشفى المطرية، وفي نفس الشهر تظاهرت أعداد ضخمة من جماهير الدرب الأحمر أمام مديرية أمن القاهرة احتجاجًا على قتل شرطي لسائق في المنطقة.

بالإضافة إلى ذلك، مثَّلت مظاهرات ١٥ أبريل ٢٠١٦ نقلة نوعية هامة، فالتحركات السابقة كان لها طابع جزئي وقطاعي، إما على أسس جغرافية أو وظيفية. أما ١٥ أبريل فكانت مظاهرة سياسية بكل معاني الكلمة، فمعارضة التنازل عن الجزر ربطت بين السيادة والديمقراطية وحرية الرأي. ونُظِّمَت من خلال جبهة متحدة واسعة النطاق لم تتضمن فقط القوى الثورية مثل ٦ أبريل ومصر القوية والاشتراكيين الثوريين، بل عددًا من الفصائل السياسية التي انتمت سابقًا لتحالف ٣٠ يونيو، وعلى رأسها حزب الدستور والحزب المصري الديمقراطي وحزب الكرامة. ولم يتمكن النظام من تفكيك هذه الجبهة المتحدة بمزاعم حول مشاركة شباب الإخوان. فكما أوضحنا سابقًا لم يعد الإخوان عنصرًا فاعلًا، وبالتالي لم تعد تلك الحجج مقنعة لشباب الحركات السياسية.

لقد دفع الجميع الثمن في ٢٥ أبريل عندما لم تميز الأجهزة الأمنية والقمعية والقضائية بين المعارض الثوري الرافض للانقلاب وبين المعارض الذي كان حتى الأمس القريب جزءًا لا يتجزأ من تحالف ٣٠ يونيو الداعم للانقلاب. وقد شكَّل رد فعل النظام القمعي حافزًا لتحرك أوسع عندما اقتحمت قوات الأمن نقابة الصحفيين لأول مرة في تاريخها وقامت باعتقال صحفيين معتصمين داخل النقابة. كان اعتصام الصحفيين الذي تلا ذلك الاعتصام خطوة أخرى في التحول النوعي لمعارضة النظام في مصر.

ولكن اعتصام الصحفيين ومن قبله وقفات ومظاهرات الموظفين والأطباء والعمال قد كشفت عن نقاط ضعف أساسية في موجات الحراك التي ميزت العام الماضي. أولى نقاط الضعف هذه تتمثل في تردد وانقسام القيادات النقابية، سواء المهنية أو العمالية المستقلة، أو القيادات الجماهيرية في التحركات الجماهيرية في الأحياء. هذا التردد والانقسام ينتج عن عدة عوامل أساسية. الأول يتعلق بمحاولة تلك القيادات التوازن بين الكتل التي مازالت تؤيد النظام، وإن كان ذلك التأييد قد بدأ في التآكل، وبين الكتل التي أصبحت على استعداد للتصعيد ضد النظام، ولو على أسس مطلبية. العامل الثاني هو ضعف الضغط المنظم من قواعد تلك التشكيلات النقابية لفرض مواقف أكثر جذرية وتأثيرًا على القيادات. ويتطلب ذلك عملًا منظمًا ودؤوبًا من قبل القوى الثورية في أوساط تلك القواعد. أما العامل الثالث فهو ضعف الدعم والتضامن والضغط من قبل مختلف القيادات النقابية والجماهيرية لدفع الحركة إلى الأمام. فعلى سبيل المثال، كانت هناك مبادرات تضامنية مع الصحفيين من قيادات عمالية ومهنية وسياسية، لكنها لم تكن مؤثرة ولم تنجح في خلق إطار موحَّد مستمر يضم هذه القطاعات على أهداف محددة، في حين لم نر موقفًا ذو شأن للنقابات العمالية المستقلة بخصوص تلك القضية.

وبالطبع ينعكس ذلك التردد والجزئية في المواقف شديدة التردد والتناقض للقوى السياسية التي تتحرك الآن من صفوف التحالف الحاكم إلى صفوف المعارضة السياسية المحدودة بل والخجولة. وهو ما يجعل حجم الانتصارات أو حتى الضغط الفعَّال على النظام محدودًا للغاية حتى الآن. وهو ما يجعل أيضًا النظام قادرًا على استخدام سلاح القمع والاعتقال لوقف وتعطيل الحركة حتى الآن.

تنظيم الصفوف
لقد بدأنا هذا المقال بدعوة للتفاؤل الحَذِر على أساس قراءة لتطورات العام الثالث لانقلاب ٣ يوليو ٢٠١٣. فقد شهد ذلك العام انكشافًا للشروخ في قمة النظام، وفشل في السياسات الاقتصادية نتج عنه أزمة خانقة وارتفاع متزامن للأسعار والبطالة. وقد شهدنا أيضًا تصاعدًا هامًا في التحركات الاحتجاجية ضد بطش الشرطة وضد السياسات الاقتصادية والاجتماعية للنظام وأخيرًا من أجل الديمقراطية وحرية الرأي والسيادة الوطنية.

ولكن هذه التحركات مازالت في بداياتها وتتسم بدرجة كبيرة من التردد في صفوف قياداتها والجزئية في محاولاتها للحشد والتعبئة.

نحتاج خلال هذا العام الجديد توحيد صفوف الثوريين وتنظيم مشاركتهم الفعالة في المعارك المطلبية الاقتصادية والديمقراطية وحول السيادة الوطنية. نحتاج أيضًا لبناء جبهات متحدة تضم كل من يعارض سياسات النظام الحالية، سواء كان سابقًا من داخل أو خارج صفوف “تحالف ٣٠ يونيو”. حالة الانقسام التي فرضها النظام ببعبع الإخوان لم يعد لها معنى على الإطلاق. كل من يرفضون الديكتاتورية والقوانين الاستثنائية والاعتقالات السياسية وكبت الحريات العامة والشخصية، وكل من يرفضون سياسات الإفقار الرأسمالية لعبد الفتاح السيسي بجنرالاته ورجال أعماله، وكل من يرفضون التبعية لملك السعودية ولإسرائيل عليهم اليوم الوقوف صفًا واحدًا في مواجهة النظام.

ولنجعل التضامن مع عمال الترسانة الذين يُحاكمون في محاكم عسكرية لمجرد محاولة تنظيم وقفة للمطالبة بحقوقهم المشروعة في مواجهة حكومة لم يروا منها سوى الإفقار والقمع، والتضامن مع طلاب الثانوية العامة الذين اندفعوا بشكل يكاد أن يكون غريزيًا نحو ميدان التحرير للتعبير عن غضبهم ورفضهم لحالة الفشل والفساد والمحسوبية التي يدفعون هم ثمنها، لنجعل هاتين القضيتين، واللتين انتهى بهما العام الأول للانقلاب، مدخلًا لعام جديد من النضال. لنجعل معًا هذا العام بداية النهاية لنظام عبد الفتاح السيسي.

            

التعليقات