بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الصحفيون: دروس المعركة الانتخابية.. وآفاق المستقبل

نقابة الصحفيين - القاهرة

نجح نظام السيسي في تحقيق انتصار مهم على تيار “الاستقلال النقابي” في نقابة الصحفيين الأيام الماضية، ولكن ذلك لم يتم دون مقاومة مؤثرة، وانتصارات جزئية يمكن البناء عليها خلال الفترة المقبلة شريطة تدارك أخطاء الماضي.

بالتأكيد المشهد الختامي صادم، ولأول وهلة يدعو للإحباط واليأس.. حكم بحبس النقيب ووكيل النقابة السابقين (يحي قلاش وخالد البلشي) وعضو مجلس النقابة الحالي جمال عبد الرحيم، لمدة سنة مع إيقاف التنفيذ في قضية وهمية وملفقة أطلق عليها “اقتحام النقابة”، بينما أسفرت انتخابات النقابة التي جرت الأسبوع الماضي، عن تبوأ حاتم زكريا منصب السكرتير العام، وهو الذي تقدم ببلاغ ضد زملائه للأمن الوطني في القضية، ونجح في الفوز بمقعد النقيب عبد المحسن سلامة مدير تحرير الأهرام، وهو واحد ممن قادوا عملية تخريب قرارات الجمعية العمومية التي انتفضت ضد اقتحام الداخلية.

وزاد من أهمية معركة انتخابات الصحفيين أنها جاءت على خلفية معارك سياسية وديمقراطية، وعلى رأسها مظاهرات الأرض في 15 أبريل، التي استضافها سلم النقابة، والتي فتحت أبوابها أمام من تحدوا السيسي وهتفوا “الجزر مصرية”، إلى جانب جمعية عمومية تاريخية احتشد فيها الآلاف من الصحفيين يوم 4 مايو، ردًا على اقتحام غير مسبوق لقوات الأمن لمبنى النقابة، للقبض على زميلين اتُهِما بالتحريض على التظاهر ضد بيع الجزر للسعودية. وتبنت الجمعية التي هيمن عليها الشباب عدة مطالب أهمها: اعتذار السيسي وإقالة وزير الداخلية، وذلك من قبل جمهور كان معظمه من مؤيدي 30 يونيو وانقلاب 3 يوليو.

ويمكن القول إن الاقتحام كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فغضب الصحفيين، الذي تجلى في جمعية 4 مايو ، كان مرتبطًا كذلك بانهيار رهيب في مستوى معيشتهم، والصلف الأمني مع الصحفيين الميدانيين، ومحاصرة الصحف الخاصة، إلى جانب توقف رواتب الصحفيين عند حاجز يجعل معظمهم يحيا بالكفاف، وانتقاص مزاياهم بشكل ممنهج في مؤسساتهم تحقيقًا لخطة السيسي في تخفيض النفقات، فضلًا عن أن آلاف منهم محرومين من جنة النقابة.

لحظة التحدي هذه كانت لحظة فارقة بالنسبة للنظام الاستبدادي الحاكم، أنهت فترة سابقة من “الود” منحت الحكومة خلالها لميزانية لنقابة دعمًا سخيًا قُدِّرَ بحوالي 60 مليونًا، بينما أصر قلاش بدوره أن يكون السيسي هو راعي اليوبيل الماسي للنقابة!

غير أن رفض قلاش القبول باقتحام الأمن للنقابة وقيادته لجمعية 4 مايو، بمطالبها الراديكالية، لم يكن من الممكن أن يقبله الحكم العسكري، خشية أن تشكِّل، مع نقابة الأطباء، حالة معدية للقوى العمالية والمهنية، وهي خطوة غير معزولة عن سعيه للقضاء على النقابات المستقلة، ومنظمات المجتمع المدني، واقتحامه للإضرابات العمالية والقبض على قياداتها وإحالتهم للمحاكمة.

خطة الهجوم
تمثلت خطة هجوم السيسي في تخريب الجمعية العمومية وشق الصف، مستعينًا بأذرعه داخل النقابة من ملاك صحف، ورؤساء مجالس إدارات سابقين وحاليين، ورؤساء التحرير في المؤسسات القومية والخاصة، إلى جانب عدد من أعضاء المجلس المحسوبين على هذا التيار الحكومي.

ولم تكتف الرموز السيساوية بالنقابة، مثل مكرم محمد أحمد وغيره، بذلك، بل عقدوا جهارًا نهارًا اجتماعات بدأت في الأهرام تحت اسم جبهة “تصحيح المسار” عارضت علنًا قرارات الجمعية العمومية، معتبرةً أنها تعبر عن قوى سياسية “معادية للوطن”، وليست قرارات تعبر عن رفض الصحفيين لانتهاك نقابتهم واقتحامها للقبض على زميلين صحفيين.

وكالعادة حوَّل النظام الحاكم المجني عليهم الى جناة، فجرى تحويل نقيب الصحفيين يحيي قلاش وسكرتيرها العام جمال عبد الرحيم ووكيلها خالد البلشي إلى متهمين، وحُكِمَ عليهم بالفعل بالحبس لمدة سنتين، ثم جرى تخفيض الحكم في الاستئناف إلى حبس سنة مع إيقاف التنفيذ، وكل ذلك كان مصحوبًا بحملة إعلامية سعت إلى استعداء الرأي العام على الصحفيين، بالضبط كما حدث مع الأطباء والموظفين والعمال المحتجين من قبل.

ينبغي هنا أن نذكر أن مجلس النقابة تقدم ببلاغات للنائب العام لمحاسبة الضباط الذين اقتحموا النقابة بالمخالفة الصريحة لقانونها، ولكن النيابة وضعت بلاغات النقابة على الرف، وأحالت في لمح البصر النقابيين الثلاثة إلى المحاكمة بتهمة “إيواء هاربين”.

أخطاء تيار الاستقلال
غير أن فوز النقيب الحكومي لم يتحقق فقط بسبب قدرات النظام، ولكن أيضًا بسبب أخطاء مهمة وقع فيها “تيار الاستقلال النقابي”، التي سعت قياداته الإصلاحية إلى الطريقة المعتادة وهي “مسك العصا من المنتصف”.

وهكذا، فبدلًا من تنفيذ قرارات الجمعية العمومية وإحالة المخالفين لها للتحقيق والتأديب، وشطب عضو المجلس الذي أبلغ الأمن عن زملائه، ومد المظلة النقابية لشباب المحررين (وهم أصحاب الأوضاع الاقتصادية الأكثر بؤسًا)، وتعزيز التنسيق مع النقابات والقوى السياسية، لتصبح طرفًا في معركة الديمقراطية، كان تكتيك النقيب والمجلس هو السعي لجمع الشمل مع المخربين وتجميع “الصف النقابي”، مرورًا بـ”تبريد القضية”، انتهاءً بـ”لن نسمح بتسييس النقابة وخطفها”.

هذا الأداء المتذبذب للنقيب والمجلس، كان له وقع السحر، فأنعش عملاء الحكومة وأشعرهم بقوتهم، بينما أدخل قطاعًا كبيرًا من جمهور جمعية 4 مايو في دوَّامات الإحباط والإحساس بالخذلان الصريح.

وبالطبع لم يكن الانتصار حتميًا لو تبنى النقيب ومجلسه قرارات تصعيدية، ولكنه كان على الأقل سيبلور تيارًا نقابيًا يستطيع خوض معارك مهمة في الفترة المقبلة، وفي مقدمتها معركة الانتخابات التي جرت بعدها بشهور بهمة عالية وبروح مرتفعة.

ولذلك، وبالرغم من كل المحاولات التي جرت قبيل الانتخابات من تيار “الاستقلال النقابي” لاستعادة هذا الجمهور، كانت اللحظة المناسبة قد مرَّت، وتمكن الطرف الحكومي مصحوبًا بالإمكانيات الرهيبة للدولة، التي احتشدت لإرضاء السيسي، إلى جانب الأزمة الاقتصادية الخانقة، التي تعصف بأغلبية الصحفيين من تغيير واجهة التصويت لصالح مرشحي الحكومة، وعلى رأسهم مرشح الوطني السابق.

ولم يكن هؤلاء فقط من نأوا بأنفسهم عن المعركة الانتخابية بفعل الإحباط والإحساس بعدم الجدوى، فقد تحمل تيار الاستقلال تبعات اختيارات المجلس الأعلى للصحافة، الذي تقوده رموز ناصرية ويسارية، لرؤساء مجالس إدارة وتحرير، عانى من أدائهم قطاع واسع من الصحفيين في مؤسساتهم، وكانت الانتخابات فرصة للتصويت العقابي ضد رؤساء مجالس إداراتهم.

وعلى صعيدٍ آخر، كشفت الانتخابات عن انقسام الإسلاميين بالنقابة إلى كتلٍ متعددة (وهو صدى لانقسامات التيار الراهنة) فهناك من صوَّت للمرشح الحكومي، وهناك من أبطل صوته، وهناك من صوَّت لمرشح تيار الاستقلال.

وهذا هو ما أكدته قيادات لجماعة الإخوان المسلمين في الخارج ورموز لهم بوضوح، ولم يتم نفيها رسميًا، والسبب لا يخرج، كما قالوا، عن أمرين؛ الأول أن قلاش لم يتبنى بوضوح مطلب الإفراج عن الصحفيين المعتقلين في برنامجه ولم يلتق بأسرهم قبيل الانتخابات، أما الثاني فهو أن قلاش وسلامة كلاهما من أبناء الدولة و30 يونيو، وبالتالي لا يوجد فرق كبير بينهما!

بينما يتردد في الكواليس أن هذا الموقف مرتبط بإفراج السلطة عن عدد من القيادات الدنيا والوسطى في الإخوان في قائمة العفو الاخيرة، ويبدو، حسب هذا الرأي، أن هناك تطلع لكي يمتد الإفراج إلى آخرين.

ضوء في نهاية النفق
ولكن الصورة ليست كلها قاتمة، فلم تمنح الجمعية العمومية للصحفيين تأييدها في انتخابات مجلس النقابة سوى لاثنين فقط من المرشحين المحسوبين على الحكومة من أصل ستة مقاعد، كما ظهر جيل جديد في جمعية 4 مايو، جيل منتصر للحرية والوطنية والعدل، هذا الجيل هو الذي نجح له اثنان من المرشحين من بينهم عمرو بدر الذي اقتحم الأمن النقابة للقبض عليه، وهو انتصار معنوي مهم جدًا، إلى جانب انتصار محمد سعد عبد الحفيظ أيضًا من تيار الاستقلال، وكلاهما من الشباب.

ونجح السكرتير العام السابق جمال عبد الرحيم إذ حصل على أعلى الاصوات، وهو أحد المتهمين في قضية اقتحام النقابة.

ولم يكن خالد البلشي، رئيس لجنة الحريات، الذي كان سقوطه هدفًا رئيسيًا للأمن، بعيدًا عن الفوز، فقد نجح في زيادة عدد الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات الماضية، من 700 صوت تقريبًا إلى 1100 صوت، بأقل من 80 صوتًا عن المرشح الفائز ، وهو رقم دال ونستطيع اعتباره الرقم الأكثر تعبيرًا عن وزن تيار الاستقلال النقابي الراهن.

بينما حصد يحي قلاش الذي كان محل هجوم ليل نهار على الفضائيات التي يديرها الأمن الوطني قبيل الانتخابات، 1900 صوت، وهو رقم مساو تقريبًا لما حصل عليه في الانتخابات الماضية، ولم يفرق عن منافسه الحكومي الذي فاز سوى بخمسمائة صوت فقط.

وتعد هذه النتائج إيجابية في ظل الحشد غير المسبوق حيث حضر نحو 60 بالمئة من الجمعية (حوالي 4500)، ومن بينها أصوات عديدة جاءت محمولة جوًا وبرًا وبحرًا، في حين تم “زغللة” عيون آخرين بمناصب (تغييرات صحفية متوقعة قريبًا) إلى جانب إغراءات بزيادة البدل والخدمات في ظل واقع معيشي طاحن.

المقصود أنه كانت هناك مقاومة معتبرة من قوى تيار استقلال النقابة للزحف الحكومي، ولكنها هُزِمَت بدايةً من أداء قيادات هذا التيار، ومسكها للعصا من المنتصف، وكذا لوقوف أجهزة الدولة صفًا واحدًا لإنجاح الحكوميين، فضلًا عن العيوب البنيوية في نقابة الصحفيين التي تمنع الآلاف من شباب الصحفيين من الانضمام إليها، بينما تضم في عضويتها المئات من الإداريين والموظفين وملاك صحف وسكرتارية على مدار فترة طويلة، وهم جاهزون دومًا للاستدعاء ورهن الإشارة.

نعم، خسرنا جولة، ولكن المعركة ضد استغلال وبطش الملاك ورؤساء مجالس الإدارات من جهة، وضد الاستبداد الحاكم الذي يعتبر حرية الصحافة جريمة سيستمر بقوة طيلة الفترة المقبلة. ولعل انسحاب خمسة من أعضاء مجلس النقابة من جلسة تشكيل هيئة المكتب التي أصر فيها الحكوميون على احتكار كافة المناصب المهمة عنوة، وتصميم قطاع من الصحفيين على التظاهر احتجاجًا على الحكم المسيس للقضاء بحبس النقابيين الثلاثة لمدة سنة مع إيقاف التنفيذ، وهتافاتهم: “قولوا لوزارة الداخلية.. السلم سلم حرية”، و”قولوا لمجلس النقابة، السلم سلم غلابة”، و”عبد الغفار عبد المأمور، والسيسي هو المسؤول”، تشكِّل بدايةً لتواجد قطب معارض داخل المجلس والجمعية العمومية يركز على القضايا الرئيسية للصحفيين سواء في علاقات العمل أو في مجال الحريات، وينفتح في ذات الوقت على قوى المجتمع النقابية والسياسية، وهو ما يستدعي مقالة أخرى.

   

التعليقات